الأربعاء 25 مايو 2022
34 C
بغداد

    الشّيّات !

    قصّة قصيرة

    خاص : بقلم – عدّة بن عطية الحاج (ابن الريف) :

    أنت شيّات أنت شيّات ألف مرّة أنت شيّات.

    أنت زفّاف أنت زفّاف ألف مرّة أنت زفّاف.

    أنت شكّام أنت شكّام ألف مرّة أنت شكّام.

    أنت قوّاد أنت قوّاد ألف مرّة أنت قوّاد.

    أنت طحّان أنت طحّان ألف مرّة أنت طحّان.

    بهذه اللاّزمة سأبدأ قصّتي مع الشّيّاتين الذين شوّهوا الوجه الجميل لمجتمعنا المخمليّ؛ الذي كانت تسوده الكرامة الإنسانيّة، كان مدير الشّركة يُفضّل سكرتيرته الخاصّة التي أضحت هي الآمرة النّاهية تُسيطر على كلّ كبيرة وصغيرة في هذه الشّركة، كان صاحب الشّركة يقول للعمّال والمهندسين تعلّموا من هذه السكرتيرة، قال لهم بالحرف الواحد: احتكّوا بها، لقد صارت إطارًا كبيرًا في هذه الشّركة وهي التي تقوم بتقسيم العلاوات والمكافآت على العمّال والمهندسين، بل هي التي تشرف على الحفلات الرّسميّة للشّركة، كانت تعتمد على جمالها الأخّاذ الذي يأسر الألباب، كان المدير مغرمًا بها لا يرفض لها أيّ طلب، كانت هي التي تسيّر الشّركة كما تريد توظّف هذا وتفصل هذا وما على المدير إلاّ التّوقيع على قراراتها المصيريّة حول الموظّفين الذين لا يخضعون لنزواتها الحيوانيّة، هي مجرد عاهرة استطاعت أن تصل إلى ما تريد عن طريق الفتنة والإغراء، بل كانت تزور المشعوذين والسّحرة وتتقن فنّ السّحر، فصار مدير الشّركة كالخاتم في إصبعها تأمره فيطيع وتنهره فينتهي، إنّها تملك عنه ملفات ثقيلة ودائمًا تُهدّده بها إذا لم ينفّذ لها مطالبها العديدة، صار يخاف منها وترتعد فرائصه كلّما رأى وسمها وسمع رنين صوتها، صارت تقوده من أذنيه كأنّه بهيمة، هي عشيقته المقرّبة منه وتنتظر منه طفلاً وهو متزوّج وله سبعة أبناء وزوجته المسكينة هي التي ساعدته في تأسيس تلك الشّركة الهامّة.

    مؤخرًا أخذها معه إلى “تونس” في الإجازة الصّيفيّة ووقع بينهم ما يقع بين الأزواج؛ أخذها إلى مدينة “الحمّامات” وأقام معها ردحًا من الزّمن، قامت هي الخبيثة بتصويره عاريًّا وهو معها في وضعيّة مخلّة وصارت تُهدّده بنشر تلك الصور على مواقع التّواصل الإجتماعيّ، فصار يترجّاها ويتوسّل إليها ويطلب منها ألاّ تفضحه لأنّ له مكانة مرموقة في المجتمع، وهو إنسان متزوّج من امرأة من الطبقة الأرستقراطيّة وله سبعة أبناء أكبرهم يعمل طيّارًا في الخطوط الجوّيّة الفرنسيّة وأوسطهم يعمل طبيبًا جرّاحًا مختّصًا في جراحة المخ والأعصاب والعمود الفقري وله عيادة خاصّة في “دبي”؛ وأصغرهم يعمل مقاولاً واختصاصه يتمثّل في بناء الفنادق الفخمة ويُقيم في “إسبانيّا”، كان والدهم في شبابه يعمل موّالاً وكانت زوجته ابنة تاجر مجوهرات وعندما مات ترك لها ثروة كبيرة من المال والمجوهرات، باع والدهم كلّ ما يملك من الغنم والبقر واشترى قطعة أرض بالدّينار الرّمزي كانت في الماضي مستثمرة فلاحيّة تابعة لأملاك الدّولة حوّلها إلى شركة خاصّة في صناعة الأدويّة وتصديرها إلى الخارج، ولكي يُعطي صورة حسنة وانطباعًا حسنًا عن نفسه صار يحجّ عامًا ويعتمر عامًا وصار عضوًا في كلّ الجمعيّات الخيريّة، يُطعم النّاس المعوزة في “رمضان” ويكسو أولادهم في “عيد الفطر” ويشتري لليتامى كبش العيد ويُساهم في بناء المساجد بماله القذر، بل صار له مسجده الخاصّ يُصلّي فيه وحده، وصاروا ينادونه بسي فلان، وهو رجل أمّيّ لا يُتقن القراءة ولا الكتابة بل يُتقن كلّ فنون النّصب والإحتيال.

    من أراد أن يبقى في عمله ويرتقي في منصبه عليه أن يكون شيّاتًا من الطّراز الرّفيع، صار الشّعار في هذا الزّمن: “دعه يشيّت دعه يعمل، دعه يشيّت دعه يرتقي في عمله”، لقد صار “رمزي” مديرًا جهويًّا لمؤسسة خاصة في تصدير جلود الحمير، لم يصل بمؤهلاته العلميّة بل وصل عن طريق ضربه للشيتة ومسحه لأحذية أسياده لا يُعصي أمرهم ويفعل ما يأمرونه به، شيّت لسيدك حتى يرضى عليك، ووالده من قبل كان حركيًّا يضرب الشّيتة لـ”فرنسا” ولأبناءها إلى يوم النّاس هذا، ولله درّ “الشيخة الريميتي” عندما غنّت أغنية عن الحركي عندما قالت: “يا الحركي راك مركي بلاكري  في حيط المكي، شتّك في الصّبّار وحسبتك حمار، يا الحركي راك مركي بلاكري في حيط المكي”، صار هذا ابن الحركي إطارًا ساميًّا في هذه المؤسسة الخاصّة، فوالده خان الثّورة المباركة وهو خان أمانة الإستقلال التي مات من أجلها الشّهداء، فلا عجب أن يكون شيّاتًا لأسياده لا يرفض لهم طلبًا ولو أوجعوه ضربًا تحت الحزام، صار يُقيم حفلات الشّواء المصحوبة بالرّاقصات حتّى يرضى عنه أسياده ويقومون بترقيته في عمله ويتبوّأ المناصب السّاميّة في شركة “عبد الكادر” الخاصّة.

    قال رفيق لن أكون شيّاتًا لهذا الوغد الحقير، سأناضل من أجل استرجاع كلّ الحقوق المهضومة للعمّال ولو تطلب الأمر فصلي من عملي، لن أعيش شيّاتًا ولن أموت شيّاتًا ولا أريد أن أحشر في زمرة الشّيّاتين، لقد عشت من أجل المباديء السّاميّة التي آمنت بها وأنا مناضل في “الحزب الشّيوعيّ”، لقد إنهار “الإتحاد السوفياتي”؛ ولكنّ الشّيوعيّة لن تنهار أبدًا مادمنا ندافع عن طبقة البروليتاريا، إنّ الأفكار الإشتراكيّة لن تندثر مادامت هناك الرّأسماليّة المتوحشة التي صارت كالقطّة التي تأكل أبناءها، يا أيّها الشّيوعيون في كلّ بقعة من هذه الأرض الطّاهرة تكتلوا واتّحدوا وكونوا كالجسد الواحد، بشّروا العالم بأفكار “ماركس” وبمباديء “لينين” وكونوا مثقفين عضويين كـ”غرامشي”، حاولوا تغيير وجه الخريطة الأرضيّة وانشروا الأفكار الإشتراكيّة لتعمّ السّعادة كلّ أرجاء المعمورة، نحن نناضل من أجل رفع كلّ أشكال الظلم التي غزت مجتمعنا المخمليّ الذي كان ينام في العسل.

    صار “عبد الكادر” مدير الشّركة يعبد كلّ الشّخصيّات التي يعتقد بأنّها سوف تقوم بخدمته ويغدق عليها بالأموال وبالهدايا؛ لذلك سُميّ بـ”عبد الكادر”، كلّ مسؤول يراه نافعًا له إلاّ واستعمل كلّ الطّرق من أجل الوصول إليه والإستفادة منه ومن الرّيوع التي تدخل عليه من كلّ باب،صار معروفا لدى المسؤولين لأنّه من الضّرّابين للشيتة بكلّ أنواعها، يضرب الشّيتة للمدير العام يخبره بكلّ صغيرة وبكلّ كبيرة تحدث في مؤسسته الخاصّة ويخبره أيضًا عن العمّال النّقابيين المنتمين لليسار والذين يرفضون كلّ أشكال الظّلم والإرهاب الإداري، كان “رفيق” رئيسًا لنقابة العمّال في هذه المؤسسة الخاصّة يدافع بكلّ حرّيّة وبكلّ جرأة عن حقوق العمّال المهضومة، كان “رفيق” ينتمي إلى “الحزب الشّيوعيّ” وتعرّض للسّجن وللإضطهاد وطرد من عمله؛ لذلك اضطرّ للعمل في شركة “عبد الكادر” الخاصّة ليُعيل زوجته وأولاده الثّلاثة ووالدته المسنّة، كان “رفيق” كافرًا بالرّأسماليّة ولكنّ الظّروف هي التي اضطرّته لأن يُغيّر بعض مواقفه من الرّأسماليّة وكان يقول في نجواه: لن أكون شيّاتًا لهذا المدير، لن أكون زفّافًا لهذا المدير، لن أكون شكّامًا لهذا المدير، لن أكون قوّادًا لهذا المدير، لن أكون طحّانًا لهذا المدير، حاشاكم بعض العمّال الشّكّامة باعوا ضمائرهم وصاروا شيّاتين لهذا المدير المزعوم، بعضهم ينقل له الكلام كما سمعه من العمّال، وبعضهم يأتي له بالخضر والفواكه ويوصلها إلى مكان إقامته الفاخر، وبعضهم يأتي له بالعاهرات لكي يزني بهنّ، شيّت لسيدك لكي يرضى عنك، صارت الشّيتة حرفة من لا حرفة له، البوّاب ينقل كلّ صغيرة وكلّ كبيرة إلى مدير المؤسسة تارة بالصّدق وتارة بالكذب، وبعض العمّال يضربون الشّيتة لولي نعمتهم حتّى يرضى عنهم ويكافئهم بالعلاوات والتّرقيات في مناصبهم، الحمد لله ما بقاتش الخدمة في مؤسساتنا الخاصّة كثرو الشّيّاتين في هذا الزمان كثرو الشّيّاتين رجال ونسوان وختام القصّة يسقط كلّ شيّات وكلّ شيّاتة في كلّ بقعة من بقاع هذه الأرض الطّاهرة واللّعنة على من اتبع الشّيتة واستعملها وكان أهلاً لها.

    تمت

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا