التصور الاستعاري للزمن: من إدراك اللغة إلى إدراك الذهن

    19

     الباحث : محمد مختار

    مثلت دراسة الزمن واحدة من المشكلات الدائمة التي واجهت الباحثين في كل المجالات العلمية تقريبا، وعلى الرغم من أن الزمن هو أكثر الظواهر التي تترك تأثيرها على كل الكائنات الموجودة على كوكب الأرض بل وفي الكون، إلا أن العلماء في جميع الفروع العلمية لم يصلوا حتى الآن لتعريف جامع مانع لمفهوم الزمن ولا كنهه ولا حتي قياس تأثيره.

    وفي حقل علم اللغة فإن الزمن ظل أحد موضوعات الدراسات التي تناولت ظواهر مختلفة من الظواهر التي تتعلق بعلم اللسانيات، وخاصة ما يتعلق بفهم الزمن ضمن الموضوعات الاستعارية، وفي هذا الصدد فقد ظلت هناك عدد من الأسئلة التي شغلت الباحثين في علم اللسانيات على الدوام، وهي الأسئلة التي تتصل بمقاربات معرفية في هذا السياق مثل كيف نحصل على المعلومة الزمنية؟ كيف نتصورها؟ وكيف نوظفها عندما تظهر الحاجة إليها؟ كل واحد من هذه الأسئلة بشكل جزءا من مشكلة الزمن، كل من هذه اليدخل في سياق الطرق المتاحة لرسم ملامح النسق السفاري للزمن في اللغة العربية، بل إن هذه الأسئلة تعد مفتاحا سحريا لفك لغز بعض الخبايا الداخلية للزمن في العربية

    وقد وجد الباحثون في هذا السياق أنه عند دراسة النسق الاستعاري للزمن كمكون من مكونات النشاط المعرفي، فإننا نفترض أن العلاقة الأساسية لذلك يتم زخرفتها وفق ارتكازها على العمليات الإدراكية التي يشتغل بها الذهن البشري، وليس حول مقتضيات سلوكية ترتكز على المنبهات والاستجابات، فإذا كانت هذه العلاقة » المشار إليها هنا هي بين (النسق الاستعاري) و(النشاط المعرفي) فليس البحث فيها سوى تطور إبستمولوجي في دراسة الاستعارة). هذا التطور هو الذي حول» النظرة العلمية إلى (الزمن)، أو حول التفسير العلمي للزمن، من المعالجة السلوكية) إلى المعالجة الإدراكية). وهو ما اتفق معه بول ريكور في دراسته حول الاستعارة والمشكل المركزي للهرومونيطيقا، وحيث حاول بول ريكور في هذا الصدد أن يجد أرضية مشتركة بين نظرية النص ونظرية الاستعارة.

    وهو ما يتفق معه إبراهيم محمد سعيد محمد عارف الهرشلي هذا التصور في أطروحته التي قدمها لجامعة بنجاب لاهور بعنوان : الاستعارة نموذجا -أثر الأصوليين في تطور اللغة العربية ، وحيث ذهب إلى أن مشكلة الاستعارة اللفظية ترتبط بالأساس باعتبار أن اللغة هى أداة الفكر وهو الأداة التي يتم من خلالها فهم النسق الاستعاري في ارتباطه بمشكل اللفظ والمعنى تاريخيا، فهم هذا النسق الاستعاري من خلال الإدراك الصحيح لمعنى المفردات المستخدمة في النسق الدلالي .

    إدراك الاستعارة

    وهنا برز مفهوم جديد حول إدراك الاستعارة ، فقد ظل المبدأ العام الذي نفهم من خلاله مجال الزمن من خلال السباق التالي مثلا: «وصلت علاقتنا إلى طريق مسدود، إذ يبنى التصور هنا من خلال مسار زمني مشترك يسمح لهما بالتقدم نحو الأمام؛ بمعنى أن نفهم الاستعارة على أنها جزء من مكونات الخرائط المعرفية (mapping) التي يتم نسخ عناصرها من مجال المصدر إلى مجال الهدف بمعنى أن الاستعارة في هذه الحالة سوف تكون عبارة عن حالة تصوير إدراكي، وهو تصوير يرتبط بوجود معاني مترابطة بتعابير لغوية متعددة، في نفس الوقت الذي يظل فيه الاستنتاج عبارة هو تعميم يقدم مجموعة من الاستنتاجات عبر مجالات تصورية مختلفة، وهنا التأكيد على وجود عمليات استنباطية، أي الحالات التي يستعمل فيها منوال من الاستنتاجات المستنبطة من مجال تصوري في مجال آخر، ففي الاستعارة الإدراكية (الحب رحلة مثلا تستعمل الاستنتاجات المستنبطة من تجربة الرحلة في استنتاجاتها عن تجربة الحب.

    الاستعارة التصورية

    وهنا ظهرت نظرية الاستعارة التصورية، (Conceptual metaphor theory)، وهى النظرية التي تقدم نهجا أو مقاربة لتنظيم التصورات وبنائها، والتي سبق وأن نوقشت بشكل كبير داخل العلوم المعرفية بشكل عام، ولأن الفكرة المحورية التي تتأسس عليها النظرية تقوم على بناء مجال معرفي أكثر تجريدا مثل: الزمن / الوقت في علاقته بمجال آخر مجرد هو الفضاء، وهو ما يظهر من خلال العلاقة التي يمكن التعبير عنها بمفاهيم استعارية تحيل على الزمن عبر متغيرين زمنيين أساسيين هما: حركة الأجسام (motion of object) ومسار الزمن (path of time) (طول أو قصر الحركة) .

    وهو ما تناوله أيضا اطروحة مصطفي عاشق المقدمة لجامعة محمد الخامس حول مكانة الاستعارات التصورية ووظيفتها، وحيث اعتبر مصطفى عاشق أن الاستعارة التصويرية تشكل جزء من إطار تصوري واسع يتضمن المعنى الحقيقي الذي يتضمنه النسق الدلالي في النص.

    مشكلة التجريد

    ويتصل بهذا أيضا  مشكل التجريد، والتجريد يرتبط بالأنماط الاستعارية، وهنا تجدر الإشارة إلى وجود اختلاف وتمايز بين نوعين من الاستعارة، الاستعارة الرئيسية والاستمارة المركبة، إذ تتصل الاستعارة الأولى بإجراء نسخ أو تعيينات أولية بين التصورات التي تستمد من الجوانب الأساسية للتجربة الذاتية والحسية، إلى جانب ذلك، فالاستعارة هنا تمة أساسية من جهة.

    مشكلة المعنى

    ويرتبط بمشكلة الزمن أيضا مشكلة مشكل المعنى، وعند البحث في مشكلة المعنى سنجد أنه من الملاحظ حتى الآن أن تصورتنا هي مرايا عاكسات للمشاعر والأحاسيس، معابر وجسور للتجربة، روابط مع التاريخ وإسقاطات للرغبات، فإذا كانت التصورات قد وضعت من أجل فرز حدود التمايز بين الموضوعات كما توجد في العالم وبين مثيلاتها على مستوى الذهن، فإن ذلك قد ارتبط بمدى قدرتنا على تشكيلها ومطالعتها لمحتوى الفكر والإبداع، وهو نفس ما ذهب إليه «كائز وفودور »(1963) في كتابهما «بنية النظرية الدلالية» و «کاتز» (1972( في مؤلفه النظرية الدلالية»،إذ عمدا إلى ليربط المستوى التصوري بالمستوى اللغوي بواسطة مكون الذريعيات Pragmatics ، لكن تشومسكي كان له رأى آخر فقد ذهب في كتابه « تأملات في اللفة « قد دافع عن فكرة أن البنيات الدلالية تعد فرعا من فروع البنية التصورية، وتحديدا البنيات التي يعبر عنها باللغة. لذلك ظل الهدف هو محاولة الفصل بين هذين التصورين من خلال تطوير العديد من الظواهر اللغوية التي كثيرا ما تتجاوز البنى اللغوية الأولى إلى البناء الاستعاري الأساسي.

    قواعد الإنتاج الاستعاري

    لكن مع ذلك فقد ظهرت مشكلات في قواعد الإنتاج الأستعاري، وهذه المشكلات جعلت  من الصعوبة بمكان أن نقترح نظرية تأويلية للاستعارة خارج حدود التجربة فنحن ندرك دائما وجود تجليات تجريبية سابقة تعطينا مؤشرات استعارية قوية، لكن مع ذلك فنحن في الواقع ومن خلال أدوات تأويل الاستعارة، فنحن نفصح دائما عن مجموعة من المقتضيات التي تساعدنا في عملية الكشف عن الطرق الممكنة التي تتفاعل بها مع العالم والمحيط، بناء على مجموعة من الخطاطات التي تتكون في أذهاننا نتيجة تواترها المستمر في تجربتنا، وتشكل هذه الخطاطات أساسا جوهريا لبناء العديد من التأويلات التي تساهم في تشكيل المعاني وتحويل المؤشرات اللغوية إلى مؤشرات دالة.

    عملية التأويل والتواصل الاستعاري

    وعلى ذلك يمكن القول إن التداعيات الحرة التي يملكها الذهن في عملية التأويل تجعل من التواصل الاستعاري تواصل مرزا (encoded) يجب فك شفرته، بل إنه تواصل بالغ الحساسية بالنسبة للسياق، فانتقاء حيز استعاري دون آخر يتم فقط من أجل نقل المعنى، لكنه يجعل من القارئ (المتلقي / المخاطب) مؤولة نموذجيا، لهذا السبب فإن دراسة الاستعارة تعطينا فرصة جيدة للبحث عن الفرق بين المعنى اللامتغير والمعنى الحرفي، مما يعطي الانطباع أن تأويل الإستمارة تتحكم فيه العديد من القوى الداخلية وتحديدا المعطيات الثقافية، ولنقل المعطيات التي لها صلة بالتجربة، إذ يظهر المعنى الاستعاري من خلال توظيف مجموعة من التداعيات التي ترافق العناصر اللغوية في ذهن مستعمل اللفة، وهي التداعيات الراسخة التي تجعل التواصل الاستعاري تواصلا واعيا شديد الحساسية في السياق.

    إشكالية المعنى والتأويل

    فإذا كانت معظم الدراسات أو الأبحاث اللسانية  قد حاولت أن تقارب الاستعارة من زاويتي نظرمختلفتين خصوصا عندما نتحدث عن مشاكلها، فإنها قد وزعت ذلك على مشكلين اثنين، مشكل المعنی ومشكل التأويل، واعتبرت أن مشكل المعنی کیان مستقل عن التأويل، بل إن تحديد أي معنی استعاري يتطلب البحث عن التداعيات اللغوية والمعجمية والدلالية التي يتم التأشير عليها قبل الوصول إلى المعنى، وأن المعنى الذي نحصل عليه جاء بعد ولادة قيصرية للكثير من الخلفيات الراسخة والمركزة في الذهن، في حين يبقى التأويل مستوى آخر أعلى درجة وأكثر تعقيدا، خصوصا عندما يرتبط هذا المبدأ بالقراءة الجيدة للمعني مع إمكانية تفسيره وربطه.

    التصور الاستعاري للزمن

    لكن بالإضافة إلى ذلك فهناك إشكالية ترتبط أيضا بالتصور الاستعاري للزمن وهى الإشكالية التي تتصل بمشاكل المعجمية وبالتحديد مشكلة المعجمية السليمة للزمن، وهى مشاكل تتعلق بالأساس بفكرة استقلالية الفكر عن اللغة، على الرغم من إمكانية أن يأخذ مكانه في غيابها، وهو موقف يسير في اتجاه معاكس للحدس المشترك الذي يعتبر أن الفكر يأخذ مكانه في اللغة، لكن مع ذلك فيمكن أن نفترض أن الصورة اللغوية تقدم وسيلة للفكر ليكون في متناول الوعي، فإذا لم تكن مستعدا للتعامل مع اللغة والذكاء والوعي والذات والتفاعل الاجتماعي والثقافي، فإنك لن تفهم المعنى، ولن تتمكن من الوصول إلى المعجمة (lexicalization) السليمة للزمن.

    الدلالة المعجمية

    لكن مع ذلك فإن كل هذه المقاربات تتفق على أن كل معاني الألفاظ في اللغة لها دلالة معجمية، وهي دلالة نابعة من المستوى التصوري الذي ينسق التقاطنا للتجربة فنعبر عنها باللغة، وهو مستوى تصوري متسق ومطرد مثله مثل القواعد النحوية، بل إن هذا المستوى التصوري يدخل في إطار المعرفة النحوية العامة المتوافرة عند الإنسان، وعلى النظرية الدلالية، باعتبارها الوعاء والمجال الفرعي للنظرية اللغوية، مع الأخذ في الاعتبار أن المبادئ الدلالية العامة هى التي تتحكم في المعجمة، وترصد القواعد التي تتيح لنا التوسع في معاني الوحدات المعجمية للزمن، بل يجب أن تصل إلى مستوى أعمق من ذلك من خلال امتلاكها القدرة على إزالة الالتباس والتباين والغموض فيما يتصل بدلالة التصور الاستعاري للزمن.

    التأويل الزمني

    لكن مع ذلك فإن الإشكال الحقيقي الذي يمكن أن يعاني منه التأويل الزمني هو نقوم بهذا وفقا انسق للأفعال في علاقته بالسمات المميزة الطبيعة الزمن، مما يعطي الانطباع أننا سنخطئ إذا ما حاولنا أن نفسر الاستعمالات المألوفة لهذه الأفعال خارج ما يقتضيه التأويل المناسب والقراءة المستهدفة، أما العبارات التي تقع على التخوم فما هي إلا شواذ لا يمكن أن يقاس عليها، تساعد على إحياء كل أشباح نظرية المعرفة، ففي الوقت الذي يجب أن تأخذ على عاتقها إيجاد السبل لمنسقة التأويل الزمني لهذه الأفعال، فإنها تبحث عن معيقات قليلة لا يمكن أن تساهم في تطوير اللغة بقدر ما تساهم في تكريس البحث غير المجدي الذي لا طائل من ورائه. ولكن في كل الأحوال فإن ربط اللغة بالتأويل يعود بالأساس إلى النسق الذي يفرض علينا أحيانا أن نقرأ الزمن من زوايا مختلفة ، إذ يفرض علينا أيضا أن نجعل من المعرفة والبلوغ والكتابة والحب. طبقات فعلية لا يمكن أن تقوم إلا بالنظر إلى طبيعة الزمن الذي تقع فيه، بل إنها أفعال تفحص )checking)وفق خاصيات زمنية محضة من قبيل التواتر، السيرورة، السيرورة المحدودية اللامحدودية، المدة، الفترة… الخ، إننا نجعل من التصورات رموزا إيحائية تساعدنا على فهم تصوراتنا للزمن، وتساهم أيضا في رسم خطاطة تقنية عن طبيعة الحمولة الاستعارية التي نبني من خلالها نسقنا التصوري.

    وجهة النظر الشخصية للباحث

    على الرغم من المحاولات العديد للوصول لأفكار يمكن تعميمها علميا ونقديا حول التصور الاستعاري للزمن، وبما يتعلق بهذا التصور الاستعاري من إدراك اللغة إلى إدراك الذهن، إلا أن هذه المحاولات أهملت في جانب كبير منها ما يتعلق بخبرة المستقبل وتفاعل هذه الخبرة مع المعاني التي قد تتضمنها التصورات الاستعارية للزمن على اختلافها.

    ومع الأخذ في الاعتبار أنه و على الرغم من أن التصور الاستعاري للزمن ظل عنصرا لا يمكن تجاهل تأثيره على طريقة فهم التصورات الاستعارية على مستوى اللغة وأيضا على مستوى التجريد، إلا أنه لا يمكن في نفس الوقت تجاهل ما يرتبط بخبرة المتلقي، وهى الخبرة التي سوف تؤثر في نهاية المطاف على طريقة فهم المتلقي للتصورات الاستعارية التي يتعرض لها من خلال نسق الأفعال المرتبطة بالزمن ، ووفقا لطريقة تفسير ما يرتبط بهذا النسق من أفعال أو من أقوال تتضمن تصورت استعارية أو مجازية حتى في حالة ارتباط هذه التصورات بمفردات معجمية .

     

     

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا