الأدوات الناعمة ضد إيران.. ما لم يُذكَر عن سيستان وبلوشستان

السبت 10 تموز/يوليو 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

إعداد/ علي فواز
تكشف “ويكليكس” وبرقيات سعودية مسرَّبة كثيراً مما خُفِيَ عن أعين المتابعين، من أنشطة إعلامية، هدفُها إضعافُ النظام في إيران، وإثارةُ الفتن المذهبية.

شكّلت انتخابات الرئاسة الإيرانية الأخيرة مناسبةً للتضليل ومحاولة التأثير في الرأي العام الإيراني، من جانب قوىً مناوئة لإيران، وتحديداً أميركا وبعض دول الخليج. المناسبة جديدة، لكنها ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة. هي محطة ضمن مشروع لا يقلّ عمره عن عمر الثورة. التأثير، عبر الأدوات الناعمة، اتَّخذ خلال السنوات الماضية أشكالاً متعدّدة، وتوسَّل عدداً من الأدوات والوسائل. محاولة إشعال الثورات الملوَّنة، والضغوط الاقتصادية بهدف إحداث ثُغَر في النظام، سارت، جنباً إلى جنب، مع رعاية المعارضة وتفعيل الأدوات الأمنية.

في موازة ذلك، شكّل الإعلام الموجَّه ضد إيران رأسَ حربة في إطار الحرب الناعمة. إعلام موجَّه إلى شرائح وفئات متنوّعة، يهدف، خارجَ إيران، إلى تشويه صورتها في أوساط الرأي العام، عربياً ودولياً. ومن أهدافه الموجَّهة إلى الداخل الإيراني، محاولةُ توهين النظام، وإثارة الفِتَن والنَّعرات.

البرقيات السعودية المُسرَّبة
الدخول الصهيونيّ المباشِر على خطّ إثارة الفِتَن والاضطرابات داخلَ إيران، كشفت عنه القناة العاشرة الإسرائيلية، في تموز/يوليو 2018. هو ليس الأول، ولا الوحيد، وإنما يمثّل إحدى المحاولات التي كُشِفت، بحيث ذكرت القناة أن الولايات المتحدة الأميركية وكِيانَ الاحتلال شكّلا مجموعة عمل وطاقماً خاصاً، من أجل القيام بخطوات، هدفُها زيادةُ الضغط الداخلي والقيامُ بأعمال شغب، بهدف زيادة الضغط على النظام في إيران.

أمّا السعودية، فسجّل وليُّ عهدها تدخُّلاً مباشِراً، وبصورة صريحة، عبر تهديد إيران خلال مقابلة عام 2017. حينَها تعهَّد، على نحوٍ يكاد يكون غير معهود في لغة الخطاب السعودي، العملَ على نقل المعركة إلى داخل إيران. تصريحات تراجع عنها محمد بن سلمان، في نيسان/أبريل الماضي، وبدا أن هناك تبدُّلاً في لهجة الرياض، عندما قال إن “إيران دولة جارة، وكل ما نطمح إليه أن تكون لدينا علاقة طيّبة ومميَّزة بها”.

هذه التصريحات الجديدة لم تنسجم مع الخطاب الإعلامي السعودي، خلال الانتخابات الأخيرة في إيران، ولا مع المشاريع الإعلامية التي ترعاها السعودية، والموجَّهة ضدّ الجمهورية الإسلامية. في هذا الإطار، تكشف “ويكليكس” وبرقياتٌ سعودية مسرَّبة كثيراً مما خُفِيَ عن أعين المتابعين والباحثين.

ففي عام 2011، مثلاً، اقترحت السفارة السعودية في لندن دعمَ القناة الفارسية “وصال فارسي” (الآن تحت اسم التوحيد)، والتي تبثّ من العاصمة البريطانية، وتعمل تحت مُلكية منشقّ إيراني سنيّ، في خطوة تكشف طريقة العمل السعودية.

هذه لم تكن الوثيقة الوحيدة التي يتمّ نشرها في إطار النشاط السعودي الموجَّه ضدّ إيران، وضمنه النشاط الإعلامي.

ففي تشرين الأول/أكتوبر من عام 2019، نشرت صحيفة “الأخبار” اللبنانية وثائقَ سعودية مسرَّبة، هي عبارة عن خُطَط أعدّها مستشارو محمد بن سلمان، وعُرِضت على إدارة ترامب أوائل عام 2017.

تحتوي الوثيقة على مُخَطَّطَين متوازيين، اختير لهما اسمان رمزيان، هما: “نمرود” و”العنكبوت”. الهدف هو “إعادة توجيه عدم الاستقرار إلى داخل الحدود الإيرانية، في الحدّ الأدنى، والعملُ على تمكين نظام في إيران يخدم مصالح المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية، في الحدّ الأقصى”.

نطاق عمل “نمرود” يتمحور حول النشاط الإعلامي في الأساس. ويفصّل السعوديون فيه أعمالهم التي أنجزوها فعلاً، أو التي يخطّطون لإنجازها في المستقبل، ومنها إنشاء محطّات وحسابات ووسائل إعلامية باللغة الفارسية، وهي موجَّهة إلى الرأي العام الإيراني، أو إنكليزية مختصّة بالشؤون الإيرانية، وموجَّهة إلى الرأي العام الغربي.

أمّا مشروع “العنكبوت”، فيهدف إلى استخدام أدوات الحرب الناعمة، في مدّة لا تتجاوز ثلاث سنوات. ومن الوسائل المعتمَدة في هذا المشروع، تنظيمُ حروب سياسية واقتصادية ومالية وسيبرانية وإعلامية ونفسية وقانونية.

ما كُشِف من نشاط إعلامي سعودي موجَّه ضد إيران ليس سوى جُزء من مقاربة سعودية أشمل، تتعلّق بطريقة التعامل مع وسائل الإعلام عبر العالم. في هذا الإطار، نشر موقع ويكيليكس عدداً من المراسلات الدبلوماسية السعودية، تحت عنوان “برقيات سعودية”. وكشفت تلك التسريبات معلومات سرية بشأن سيطرة السلطات السعودية على الأخبار، وتحكمها في مُخرَجات الإعلام عبر العالم.

لماذا سيستان وبلوشستان؟
في إطار تعليقه على نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، عَدَّ المرشد الإيراني، السيّد علي خامنئي، نجاح العملية فوزاً “للأُمة الإيرانية” التي استطاعت مواجهة “الدعاية الإعلامية للأعداء”. دعاية، من جملة أهدافها، خفضُ نسبة المشاركة في الاقتراع، وتوهينُ الديمقراطية الإيرانية، ونزعُ الشرعية عن النظام أمام الرأي العام، داخلياً وخارجياً.

في إطار هذه الجهود، التي تتعدّى الانتخابات، ولا تشكّل الأخيرة سوى محطة في مسارها، تَحْضُر غالباً لغةٌ مذهبية يُراد تسويقها عن إيران، وتحديداً في المحافظات التي تقطنها أغلبية سنية. في الخطاب المناوئ لطهران، عبر مِنَصّات وقنوات مُعَدّة لهذا الغرض، تَحْضُر لغة التمييز، طائفياً وعِرقياً وقومياً. ومن المعروف أن المحافظات، التي تتركَّز فيها كثافة سكانية من الطائفة السنية، هي المحافظات الطَّرَفية، مثل سيستان وبلوشستان وكردستان وخوزستان وأذربيجان.

يُلاحَظ، في هذا السياق، تركيز وسائل إعلام خليجية، إلى جانب قنوات مُوجَّهة ومدعومة، أميركياً وخليجياً، في تغطيتها، على وجود تمييز تجاه سكان هذه المحافظات، عِرْقياً ومذهبياً، وعلى وجود حالة اعتراض شعبية داخلها، متغافلةً عن جوانب أُخرى أساسية، لا تكتمل الصورة من دون استحضارها. تَحْضُر هنا محافظتا سيستان وبلوشستان، كمثالٍ، بحيث يتم تصدير صورة إهمال وتمييز مقصودَين تجاه هذه المنطقة، بسبب مزاعم طائفية. غالباً ما يجري ترويج مزاعم إعلامية، في هذه المحافظة، عن نقص مقصود في خدمات المياه المخصَّصة للريّ وللاحتياجات المنزلية، كما جرى الحديث عن تململ ومقاطعة للانتخابات، اعتراضاً على سُوء الخدمات والتمييز ونكث الوعود المقدَّمة من الحكومات المتعاقبة.

راهن تحالف الحرب والتطبيع على هذا الإقليم بالتحديد ليكون صوت المعارضة للنظام والمقاطعة للانتخابات، وأيضاً استخدام العنف في مواجهة السلطة والجمهورية بشكل عام. لكن المفاجأة الكبرى في هذه الانتخابات أن أهل السنّة في إيران صوتوا بكثافة قاربت بحسب بعض القديرات الـ70%. المفاجأة الأخرى أن الغالبية صوتت لصالح الرئيس الثوري إبراهيم رئيسي. وإذا كانت نتائج الانتخابات بشكل عام شكّلت انتكاسة كبرى لتحالف الحرب والتطبيع في المنطقة ولإعلامه التحريضي، فان نتائج سيستان وبلوشستان مثّلت بلا شك صدمته الكبرى.

هذه الانتخابات كذّبت كل ما كان يُعمل عليه، من وجود انقسام مذهبي في إيران وغياب وتغييب السنة.

خصوصية المنطقة من منظار الأمن القومي
التمحيص في خصوصية هذه المحافظة يُتيح نافذة أخرى للنظر بعيداً من المزاعم الطائفية. فمن حيث طبيعتها المناخية، تُعَدُّ هذه المحافظة من أكثر المناطق الإيرانية جَفافاً بسبب قلّة الأمطار، بينما يجري تصوير الأمر، في الإعلام الخليجي، على أنه أزمة مياه متعمَّدة، ويتحوّل في وسائل إعلام التضليل إلى حرمان أهالي المنطقة من المياه.

الأهم من ذلك موقعُها الجيوسياسي، والذي يحظى بأهمية خاصة، من منظار الأمن القومي الإيراني. تطلّ سيستان وبلوشستان على بحر العرب وخليج عمان خارج مضيق هرمز. وهي المحافظة التي تشكّل حدود إيران الوحيدة مع باكستان. كما تتجاور مع أفغانستان عبر نافذة صغيرة، مقارنة بالحدود الطويلة مع باكستان، لكنها نافذة تشكّل أحد المعابر غير الشرعية لتهريب المخدِّرات من أفغانستان إلى إيران.

تُجاور المحافظةَ، من جهة باكستان، مقاطعةُ بلوشستان الحدودية، التي تقطنها أغلبية ضئيلة من العِرق البلوشي، إلى جانب العرقية الباشتونية. وظلّت باكستان تنظر إلى بلوشستان بتشكُّك بسبب مشاعر أهلها القومية، وبسبب وجود امتداد لهم في أفغانستان، وفي محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية المجاورة.

سبق أن اتَّهمت إسلام آباد الهندَ بالتدخُّل دعماً لجماعات مسلَّحة بلوشية، رداً على ما تقول إنه دعم باكستاني لجماعات مسلّحة في إقليم كشمير. كما اتَّهمت، قبل سنوات، جماعاتٌ مسلَّحة بلوشية، مثل “جيش تحرير بلوشستان” و”الجبهة الموحَّدة لتحرير بلوشستان”، إسلامَ آباد بأنها كانت وراء استهداف زعمائها. في المقابل، استهدف مسلَّحون بلوش أيضاً رموزاً في الدولة الباكستانية.

هذا الواقع المعقَّد، ديموغرافياً وعِرْقياً وأمنياً، يمتدّ إلى إيران، حيث تحتضن سيستان وبلوشستان الإيرانيةُ عدداً كبيراً من المواطنين من أصول بلوشية.

تَحْضُر هذه المسألة إذاً، لا من خلال ثنائية مذهبية، سنية شيعية، مزعومة، بل عبر جماعة “جند الله”، التي تنشَطُ ضدَّ الحكومتين المركزيتين، في إسلام آباد (ذات الأغلبية السنية) وطهران (ذات الأغلبية الشيعية) وجماعات أخرى تُصنف إرهابية في البلدين ومدعومة من أجهزة استخبارية. وظهرت جماعة “جند الله” عام 2002، وهي تتبنّى العمل المسلّح، وتسعى للانفصال وتأسيس الدولة البلوشية، في أجزاء بلوشتسان الثلاثة، في كل من إيران وباكستان وأفغانستان.

يقول الصحافي الأميركي، سيمور هيرش، في مقال نشرته مجلة “نيويوركر”، تحت عنوان “تهيئة ساحة الحرب”، ويعود إلى عام 2008، إن الكونغرس وافق على طلب الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، الرامي إلى تمويل عمليات سرية هدفها ضرب استقرار إيران، وتشمل دعم الأقليات، مثل الأهواز العرب والجماعات البلوشية.

في العودة إلى الوثائق المسرَّبة، والتي نشرتها جريدة “الأخبار” اللبنانية، تتَّضح مجموعة من الأعمال السعودية ضدّ إيران، بعضها تمّ فعلاً. ومن بين تلك الأعمال اختراق تنظيم بلوشي فاعل، والحصول على معلومات استخبارية وعسكرية مهمة من الداخل الإيراني. وتزعم الوثيقة السعودية أنّ هذا الاختراق حقّق الإبطاء في تنفيذ النظام الإيراني، لمشروع خط أنابيب الغاز عبر أراضي بلوشستان.

عدا عن ذلك تعززت الخصوصية الأمنية لهذه المنطقة بعد احتلال أميركا أفغانستان، بحيث وقعت في إقليم بلوشستان الباكستاني عمليات استهدفت خطوط الإمداد الأميركية والأطلسية، بعد أن استخدمت القوات الأميركية وقوات الناتو بلوشستان مركزاً لوجستياً لإمداد عملياتها العسكرية في أفغانستان. وتُجاور بلوشستان إقليمَ هلمند الأفغاني الذي كان يُعدُّ مركزاً لعمليات طالبان ضد قوات الناتو، لذلك كانت إسلام آباد تخشى من أن أي تصعيد للحملات ضد هلمند وأجزاء أخرى من أفغانستان سوف يُجبِر مسلَّحي طالبان والقاعدة على استخدام بلوشستان ملاذاً موقَّتاً.

هذه التعقيدات، على الرَّغم من تشابكها، يحاول الإعلام المناوئ لإيران أن يختصرها في بُعد مذهبي، بينما يُغَيّب عن أجندته أن محافظة، مثل سيستان وبلوشستان، لم تكن مشاركتها في الانتخابات الأخيرة أقلَّ من المستوى الوطني العام بل تفوقه.

وعلى الرَّغم من الظروف الصعبة، والتي أدّت إلى تدنّي نسبة المشاركة، مقارنةً بدورات سابقة، فإن كتلة ممثّلي سيستان وبلوشستان في البرلمان الإيراني، وعددهم ثمانية نواب، أعلنت مسبقاً تأييدها إبراهيم رئيسي قبل يوم الاتخابات.
المصدر: الميادين نت



الانتقال السريع

النشرة البريدية