أسرار وحكايات من زمن فات (2) .. المنصور قلاوون .. وعودة عصر الاضطهاد الديني !

    خاص : بقلم – عبدالناصر محمد :

    جلس “قلاوون” على تخت ملك “مصر”، في شهر رجب سنة 678 هجرية 1279 ميلادية؛ بعد أن أطاح بالملك “الطفل” العادل “سيف الدين سلامش”، البالغ من العمر (07 سنوات) فقط، وهو الإبن الثاني للسلطان الظاهر “بيبرس البندقداري”؛ وتلقب بالملك “المنصور قلاوون”.

    في بداية حكمه؛ لم يُدرك “قلاوون” أن الإسلام هو دين التسامح والعدل والإنصاف مع المسلمين ومع غير المسلمين؛ ولم يتبع “عمرو بن العاص”، رضي الله عنه، في عدم التفرقة بين أبناء الشعب الواحد أيًا كانت ملتهم أو دينهم.. “عمرو”؛ ذلك الصحابي الجليل؛ نجح في تخليص الشعب المصري، بكل طوائفه، من براثن الاحتلال الروماني الغاشم بعد نحو ألف سنة من الظلم والإستعباد والقهر والهوان والاضطهاد.

    حين استقرت لـ”عمرو” الأمور، بعد فتح “مصر”؛ بدأ في طمأنة خواطر الناس، وكانوا معظمهم من الأقباط وإستمال قلوبهم إليه؛ ونجح فى اكتساب ثقتهم به واستعان بأفاضل الأقباط وعقلائهم في تنظيم شؤون البلاد، وأطلق نظامًا ديمقراطيًا حقيقيًا قائم على العدل والمساواة.. لم يُجبر أحد من أقباط أو يهود “مصر” على الدخول في الإسلام، بل ترك لهم حرية العبادة وقام بإصلاح وصيانة الكنائس المتضررة من جراء المعارك الضارية التي جرت رحاها ضد الرومان، ليضرب مثلاً رائعًا في إرساء قواعد المواطنة وحرية العبادة.

    أما المنصور “قلاوون” فقد بدأ، منذ اللحظة الأولى من جلوسه على عرش البلاد؛ فى إظهار العداء لأهل الذمة من غير المسلمين، وهم النصارى واليهود المصريين؛ والذين كانوا يُشكلون أقلية ضخمة ذات أهمية في المجتمع المصري، خلال العصر المملوكي، حتى قدرهم بعض الرحالة الغربيين الذين زاروا “مصر”، آنذاك، بنحو عشرون ألفًا في “القاهرة” وحدها؛ نصفهم من الأقباط والنصف الآخر من اليهود.

    وقد اتسمت علاقة السلطان “قلاوون”، بأهل الذمة، بالشدة والقوة بل والجبروت؛ وإن كانت لا تخلو أحيانًا من اللين وتخفيف الأعباء عن عاتقهم، خاصة حين يتدخل كبرائهم مستعينين بكبار المشايخ المسلمين من أصحاب الحيثية والشعبية بين صفوف المجتمع، فكان يرضخ السلطان أحيانًا لتوسلاتهم ويأمر بالتخفيف عنهم، ولكن سرعان ما كان يعود من جديد لممارسة سياسة الاضطهاد معهم.

    عقب توليه السلطة أبطل المنصور “قلاوون”، مقرر النصارى – أي فرض على النصراني ضريبة مقدارها دينار مقابل عدم إلتحاقه بالجيش – ثم أمر بصرف كُتاب “بضم الكاف” الجيوش المنصورة من النصارى واستبدلهم بكُتاب مسلمين؛ وأصدر مرسومًا بهدم “دير الخندق”، الذي كان يقع بظاهر “القاهرة”، خارج “باب الفتوح” – في آخر حي “الحسينية” الآن – وكان يومًا مشهودًا اجتمع عليه عدد كبير من أهل الذمة والمسلمين على حد سواء، الكل يندد بهذه الفعلة النكراء وكانوا في حالة تذمر شديد وكادوا يعلنوا العصيان لولا الخوف من بطش المماليك.

    وأمر “قلاوون” في إطار سياسة التمييز العنصري، جميع النصارى واليهود؛ بأن يركبوا الحمير وأن يعلقوا زنانير “أجراس” في وسطهم وألا يُحدث نصراني أو يهودي مسلمًا وهو راكبًا على دابته؛ بل عليه أن ينزل من عليها قبل الحديث إلى مسلمًا، وحرم عليهم إرتداء الملابس المصقولة أي اللامعة أو الشفافة.

    وفى 08 ربيع الآخر سنة 684 هجرية 1285 ميلادية؛ أصدر “قلاوون” مرسومًا بتولي الشيخ “المسلم” المهذب، “أبو الحسن المتطبب”، رئاسة اليهود بمختلف طوائفهم؛ وأمره بإصلاح فاسدهم.. وفى شعبان 688 هجرية 1288 ميلادية؛ أصدر “قلاوون” مرسومًا بحظر استخدام الأمراء أيًا من اليهود أو النصارى.

    وفيما يتعلق بوقف البيمارستان، “المستشفى”، الذي أسسه السلطان “قلاوون” – والذي لايزال صرحًا شامخًا إلى الآن في “شارع المعز” – فقد أصدر أمرًا لناظر هذا الوقف بعدم السماح ليهوديًا أو نصرانيًا بالعلاج فيه، وألا يكون بين الأطباء أو المشرفين أو أرباب الوظائف المختلفة أحد من اليهود أو النصارى.

    وكان “قلاوون” ينزل من العقاب مع أهل الذمة من النصارى واليهود ما يتسم بالوحشية والغلظة، حيث يذكر أنه أمر بدفن نصرانيًا حيًا لتزوجه من مسلمة، أما تلك الزوجة التعسة فقد جدع أنفها – أي قطعها -.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا