26 فبراير، 2025 9:18 ص

النرجسية الثورية والغباء السياسي: كيف تسقط الحركات في فخ الأوهام؟

النرجسية الثورية والغباء السياسي: كيف تسقط الحركات في فخ الأوهام؟

في عالم السياسة، تتكرر الأخطاء نتيجةً لعوامل متعددة، أبرزها النرجسية الثورية والغباء السياسي. قد يعتقد البعض أن هذين المفهومين متشابهان، إلا أن هناك فرقًا جوهريًا بينهما، رغم إمكانية تداخلهما في بعض السياقات. فالنرجسية الثورية تنبع من تضخم الذات والرغبة في السيطرة على السردية الثورية، بينما الغباء السياسي يعكس سوء التقدير وضعف التحليل السياسي للواقع.

النرجسية الثورية تُصيب الأفراد والجماعات الذين يؤمنون بأنهم مركز التغيير، ويعتبرون أنفسهم المخلصين الوحيدين للأمة أو القضية التي يتبنونها. هؤلاء يميلون إلى تضخيم دورهم وتقديم أنفسهم كأبطال تاريخيين لا يخطئون، مما يجعلهم غير قادرين على استيعاب النقد أو تقبّل التغيير في استراتيجياتهم. هذا يؤدي في كثير من الأحيان إلى تبني سياسات جامدة تقود إلى عزلة سياسية، وتفكك الحركات الثورية نتيجة الخلافات الداخلية.

على سبيل المثال ماو تسي تونغ والثورة الثقافية في الصين (1966-1976) : دفع ماو، مدفوعًا بشعوره بأنه القائد المطلق للثورة، البلاد إلى اضطرابات ضخمة عبر حملة ضد “أعداء الثورة”. هذه السياسة ألحقت ضررًا كبيرًا بالصين وأدت إلى فوضى اقتصادية واجتماعية، ومع ذلك، لم يعترف ماو بأخطائه. ووقع في الامر نفسه  فيدل كاسترو وكوبا بعد الثورة: رغم نجاح كاسترو في إسقاط نظام باتيستا عام 1959، فإن نرجسيته الثورية دفعته إلى تجاهل التحذيرات الاقتصادية والتمسك بسياسات جامدة، مما أدى إلى تدهور الاقتصاد الكوبي لعقود. والحال ذاته مع روبيرتو موغابي وزيمبابوي: بعدما قاد البلاد إلى الاستقلال، استمر موغابي في التشبث بسياساته رغم الكوارث الاقتصادية والانتقادات الواسعة، مما أدى إلى انهيار الاقتصاد الزيمبابوي تمامًا.

على الجانب الآخر، الغباء السياسي يتمثل في اتخاذ قرارات غير عقلانية أو سطحية دون فهم عميق للواقع السياسي، وقد يكون ناتجًا عن الجهل، أو العناد، أو الاستهانة بالتحديات. من سماته الأساسية عدم القدرة على قراءة المعطيات السياسية بشكل صحيح، ما يؤدي إلى قرارات متسرعة وغير محسوبة العواقب. كما حصل  في غزو هتلر للاتحاد السوفيتي (1941) – عملية بارباروسا ، رغم التحذيرات التاريخية من مخاطر غزو روسيا في الشتاء، قرر أدولف هتلر غزو الاتحاد السوفيتي دون تجهيز إمدادات كافية أو خطط واقعية لمواجهة الطقس القاسي. أدى الغزو إلى استنزاف الجيش النازي، وتحول الحرب لصالح الحلفاء، مما ساهم في انهيار ألمانيا النازية في النهاية وايضا تورطت  امريكا في الحرب الفيتنامية (1955-1975) – ووقع في مستنقع لا نهاية له  حين دخلت الولايات المتحدة الحرب الفيتنامية لدعم حكومة جنوب فيتنام ضد الشيوعيين. وعلى الرغم من الإنفاق الضخم والخسائر الكبيرة، لم تستطع أمريكا تحقيق نصر حاسم، مما أدى إلى انسحابها عام 1975 وسقوط سايغون. هذا القرار اعتُبر أحد أسوأ الأخطاء في السياسة الخارجية الأمريكية.  والغباء نفسه وقع فيه  جورج بوش الابن وغزو العراق (2003) حيث استند الغزو الأمريكي للعراق على مزاعم بوجود أسلحة دمار شامل، والتي تبيّن لاحقًا أنها غير صحيحة.أدى الغزو إلى فوضى أمنية، وظهور جماعات إرهابية مثل “داعش“، والميليشيات الموالية  الى ايران وغيرها من الجماعات المسلحة وعدم استقرار مستمر في المنطقة. ايضا ما حصل  الى محمد مرسي وإدارة مصر بعد الثورة (2012-2013): أخفق مرسي في بناء توافق وطني بعد ثورة كانون الاول ، وانحصر في سياسات إقصائية، مما زاد الاستقطاب وأدى إلى انهيار حكمه في أقل من عام.

غالبًا ما يقود النرجسي الثوري حركته إلى الغباء السياسي بسبب عناده وإيمانه المطلق بصواب رؤيته. فعندما يرفض الاعتراف بالواقع أو الاستماع إلى مستشاريه، فإنه يتخذ قرارات كارثية تدمر مشروعه السياسي.  العقيد معمر القذافي والثورة الليبية (2011): تمسك القذافي بخطاب شعبوي ثوري رغم انهيار الأوضاع، وبدلًا من تقديم تنازلات سياسية، اختار المواجهة العسكرية ضد شعبه، مما أدى إلى سقوطه ونهايته الدرامية. وكذلك الحال نيكولاس مادورووفنزويلا: رغم انهيار الاقتصاد وتزايد المعارضة، رفض مادورو تقديم أي إصلاحات جذرية واستمر في اتباع سياسات فاشلة، مما فاقم الأزمة في البلاد.

في السنوات الأخيرة، ظهرت العديد من الحركات السياسية التي تحمل سمات النرجسية الثورية، حيث يرفض قادتها الاعتراف بالحقائق أو تقديم تنازلات، ما يؤدي في النهاية إلى فشل هذه الحركات أو تحولها إلى أنظمة قمعية. وحتى في الدول الديمقراطية، نجد أن الغباء السياسي يؤدي إلى قرارات كارثية، مثل سوء التعامل مع الأزمات الاقتصادية، أو الفشل في إدارة الأوبئة، أو اتخاذ قرارات شعبوية قصيرة النظر تلحق أضرارًا بعيدة المدى بالدولة والمجتمع.

في السياسة، لا يكفي أن تكون لديك مبادئ عظيمة أو رؤية ثورية، بل يجب أن تكون قادرًا على التكيف مع الواقع واتخاذ قرارات ذكية. فالتاريخ مليء بأمثلة لثوريين فشلوا بسبب نرجسيتهم، وساسة انهاروا بسبب غبائهم السياسي. التحدي الحقيقي هو تحقيق توازن بين الإيديولوجيا والبراغماتية، بين الطموح والواقعية، لضمان بقاء أي حركة سياسية واستمرار تأثيرها الفعلي.

أحدث المقالات

أحدث المقالات