كانت هناك لوحة مكتوبة بالأنكليزية تواجهني كلما خرجت من البيت في نيروبي ( كينيا ) لأستدير وأنا أدخل الطريق الرئيسي الموصل للسفارة تقول : (( Hurry slowly )) , أي اسرع ببطء , أكيد انه من رجاحة العقل وكماله التأني وعدم العجلة , وأخذ الوقت الكافي لأيِّ أمرٍ من الأمور, والتأني تؤدةٌ وترفُّقٌ , لا تصدر إلا عن حلمٍ , فالعجول في الغالب يفتقد إلى الحلم والرفق , ومن ثمار الأناة أنها تُكسب صاحبها وقاراً , وتُورث المحبَّة , فالعجلة من الشيطان , ومن تعجل في أمرٍ فإنَّه لم ينظر في عواقبه , ولم يتثبت منه.
روى ابو داود قول النبي : (( التؤدة في كل شيء خيرٌ إلا في عمل الآخرة )) , وقديما قال الشاعر : (( لا تعجلنَّ فربَّما عجل الفتى فيما يضره , ولربما كره الفتى أمراً عواقبه تسره )) , وقال عامر بن الطفيل : ((إذا ما القوم كظهم الخطاب ××× فإن مطية الحلم التأني )) , وقول صفي الدين الحلي :(( ولا تكدّر بهم نفسا مطهرة ××× فالبحر من يومه لا يعرف الكدرا .. ظنوا تأنيك عن عجز وما علموا ××× أن التأنيَ فيهم يُعقبُ الظفرا )) , فما هو خلق الأناة ؟ الأناة في اللغة هي الحِلْم والوَقار, وأَنِيَ وتَأَنَّى واسْتأْنَى : تَثبَّت , ورجل آنٍ -على فاعل- أَي : كثير الأَناة والحِلْم , وتقول للرَّجل: إنَّه لذو أناةٍ , أي: لا يَعجَل في الأمور, وهو آنٍ: وقور , واصطلاحاً : التَّأنِّي والأناة هو: التَّثبُّت وترك العَجَلَة.
يعتبر التفكير العميق على مهل من ركائز النجاح في تقويم الشخصيات الإنسانية , حيث تعود عليهم بقرارات سليمة ممحصة لا تشوبها شائبة , وتقضي بضبط النفس البشرية , والتعامل بالحلم والأناة حتى في المواطن التي تستوجب السخط والتشدد والغضب , وإن مجاهدة النفس والتمهل والتأني , تقي كثير من الأخطاء التي تقع على شفا حفرة أحد القرارت , فالتروي والسير على نهج الحياة بخطوات متريثة دلالة على رجاحة العقل ورزانته , وهذا ما يعصم الإنسان من الوقوع في الزلات والهفوات , فالتأني كله خير ومأثور المآب , حيث قال ابن القيّم : ((إذا انحرفت عن خلق الأناة والرفق انحرفت , إما إلى عجلة وطيش وعنف , وإما إلى تفريط وإضاعة , والرفق والأناة بينهما )) , والمتأني المترفّق في جوانب معيشته , يظفر في مباراة الحياة , مهما كانت مستعصية المراس .
إن مذهب الحياة متعرج ومحفوف بالمنعطفات , وأكثر ما يهلك الإنسان هو الاستعجال , فهي صفة مذمومة تسابق القضاء , وتظهر عجلة الإنسان في سورة يونس آية رقم (11): (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) , وفي آية رقم (11) من سورة الإسراء: (وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا) وما قصة موسى والخضر إلا موعظة رائعة , بمنهج آسر, يفطّن الذهن , ويلفت العقل إلى ما في التريث والتأني والتدبر من مكسب ومنفعة , وأن الاستعجال والاندفاع يوقع صاحبه بالخسارة والضياع , فالخضر طالب موسى بالصبر والحلم والأناة , وقال أحد الحكماء: ((إياك والعجلة , فإنها تكنّى أم الندامة, لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم ويجيب قبل أن يفهم , ويعزم قبل أن يفكر, ويحمد قبل أن يجرب , ولن تصحب هذه الصفة أحدا إلا صحب الندامة وجانب السلامة)) .
نتذكربيت القطامي : (( قَدْ يُدرِكُ المُتَـأَنِّي بَـعْضَ حَاجَتِهِ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَـلُ )) , يُريدُ به أنَّ صَاحِبَ الأَنَاةِ يَنَالُ بِأَنَاتِهِ غَرَضَهُ وَحَاجَتَهُ , وَيَدْفَعُ الاسْتِعْجَالُ صَاحِبَهُ إلَى مَزَالِقِ الزَّلَلِ , فَيَتَجَاوَزُ إدْرَاكَ مُبْتَغَاهُ , بِمَا كَانَ عَلَيهِ مِنْ زَلَلٍ , قَالَ الجَاحِظُ فِي رِسَالَتِهِ فِي الجِدِّ وَالهَزْلِ : والأنَاةُ أبْلَغُ فِي الحَزْمِ , وأبْعَدُ مِنَ الذَّمِّ , وأحمَدُ مَغَبَّةً , وأبْعَدُ مِنْ خُرقِ العَجَلَ , وقديما قَالتِ العَرَبُ: العَجَلُ بريدُ الزَلَل , وللنَّابِغةِ الذُّبْيَانِيُّ , قَولُهُ : (( الرِّفْقُ يُمْنٌ وَالْأَنَاةُ سَعَادَةٌ فَاسْتَأْنِ فِي رِفْقٍ تُلَاقِ نَجَاحَا )) .