شهدت وسيلة الكتابة انتقالة مهمة وخطيرة بدأت بولادة اول قلم ،حيث استحوذعلى اهتمام الجميع ولا سيما فئة الكتاب والمفكرينوالتربويين.. فقد سهلت عليهم الى حد بعيد مجالات الكتابة واستنساخالمدونات، وتدوين النصوص، بل والتأليف الذي انطلق بوتائر متسارعةفي مختلف ميادين المعرفة. ومنهم، كاتبنا القدير موضوع مقالناالاستاذ هاتف الثلج، الكاتب المتنور ، المتعدد الابداعات ..الذي اصبحقلمه، رفيقه على مدار اللحظات، ينفس بمداده ما يختلج في صدره منآهات حارقة، ومشاعر جياشة، مخزونة في صدره، يفرغ عن طريقه مايحتويه رأسه من افكار كثيرة … حبرها في مكاشفاته اومشاكساته ..التي جمعها في خمسة اجزاء.. وعلى الرغم من كل ذلك، فانه يقسوعلية احياناً، بل يكون قاسياً جداً، فقلمه الوحيد القادر على تخفيفآلامه ، ف هاتف وقلمه صديقان، كلاهما يشارك الآخر افراحه،واحزانه. فقلمه صديقه الذي ينصت الى شكواه، وأنيسه الذي يشاركهفرحته، وان غلبت هاتف الحيرة، لجأ اليه، وان ملكته الحسرة، شكىاليه.
وصديقنا ابوحيدر ، وهذه كنيته ، لا يخفي على قلمه سر، فقد فتح لهقلبه، وصار يسرد له عما يجول في نفسه من كلمات موحشة تهز كيانه،وعندما يشعر بأن اليأس قد قيد يديه، واغلال الغم قد اثقلت جسده،يبدأ بنشر آهاته المكبوتة على السطور، وآلامه المدفونة في مشاعرهعلى الورق.
بعد ان اصبحت الكتابة للثلج هاتف ، حياته، تسري في شرايينه،وتتغلغل في نبضات احساسه، يلجأ اليها في كل وقت ولا تفارقه،خاصة في المساء، حسبما سُرّ لي، حتى اعتاد ان يسهر وحيداً الا منورقته وقلمه، ويظل ساعات طويلة مع سكون الليل الذي يخيم علىاجواء غرفة مكتبته، ملاذه الدائم، حينها يشجعه قلمه ويهمس عقلهبالكتابة، فتبدأ انامله بخط كلمات مكاشفاته ، فكل الارهاق يهون، وكلالآلام تهون، مادام قلمه هدفه الابداع في الخلق والصدق في التعبيرعن ذوات الاخرين.
فهاتف ، الكاتب، كما نعرفه نحن اصدقاؤه وقراؤه ، ينحني بخشوعامام قلم الابداع اذا كان نظيفاً، ويهتف للقلم الذي يمسح دموعالحزن، اذا كان في خدمة الحق والعدالة، وليس مع الذين يتصورونان القلم في خدمة الحق والباطل على السواء. فعمر القلم الصادقاكبر من عمر البشر، فعندما يبحر (قلم ابو حيدر) في محيطات اللغةبحثاً عن مواطن الكلمة الصادقة، وموانئ الفكر الهادفة، حينها يجدلذة في مقاومة التيارات المضادة في سبيل الوصول الى ما يصبوااليه.
فقلم هاتف – الذي لم يعد له مكان الا في جيبه من دون جيوب كلالعراقيين– كما عهدته انا وبقية الاصدقاء، يخترق دهاليز الذاكرة عنوة،ويدخل القلب بعد ان يفتح صمامات بشوق وهدوء، ويحمل في ثناياالروح، بشرى، حتى يدعنا نغني اغنيات الصباح الفيروزية ببهجة،ونرقص على انغام ايقاعاتها التي خطت عناوين جديدة جميلة.
مرة، كشف لي ابو حيدر ، انه حاول الكتابة، الكتابة عن اي شيء، لميتمكن، شيء ما استشعر به، فعصفه بمداه، حاور نفسه، يكلمها تارةويعابثها، وتارة يسايرها. استمر في محاورتها، ونسى كل ما حوله،ونظر بعينين لا تريان شيئاً سوى غشاوة بيضاء كثيفة، وهز كتفه لامبالياً، وبين حين وآخر تواردت خواطره آلاف الخواطر، تتصارع فيعقله الغائب عن سطحيات الامور، اقتفى أثر الارواح الشاردةوالساكنة، وتأتيه الاصوات مزيجاً غريباً كنداءات من عوالم اخرى،توجهه على انها نفسه التي تحدثه وتستجوب ما بداخله عمق يسمعهومن يرد على اسئلته: ماذا اكتب اليوم؟ اي الكلمات؟ يجلس وينزويوحده، ويظل سارح وسط خيالات هي مجموعة اطياف تمر من امامه.
احياناً، يجد نفسه بلا فكرة مسبقة ولا استعداد مسبق، فيمسك قلمه ،فيجده يكتب وكأنه قلم سحري، فقناعته تدله عليه، وقلمه يستدل علىطريقته…
الكتابة عند هاتف الثلج اشبه بالحب، لا تخضع لقوانين ولا مواعيد ولااعداد، وقد يفاجأ بحالة من السيولة الفكرية بعد حالة من القحطواليأس تماماً كما يفاجئ اي واحد منا الحب بعد ان يظن انك قداحكمت اقفال قلبك بعد ان خاض آخر تجاربه.
احياناً، كما ذكر لي ابو حيدر ، يريد ان يكتب رغم استعداده لذلك،وفي هذه الحالة كما يشخص يعاني من حالة رفض او يأس شديد،وهذه الحالة يصاب بها كل شخص يحاول ان يكون صادقاً مع نفسهاو يحس ان الكتابة فعل ورصد وتعرية وتغيير وتحد وجهاد وتعبير عنواقع اكبر من الذات.
ترى، يسألني الاستاذ الثلج : هل اطلعنا او اطلع البعض على ماكتبته بقلمي النزيه؟ وهل اطلعوا على ما سطرته الاقلام المأجورة التيبالتأكيد هي من غير انواع قلمي التي تبحث عن التزييف بعد انفقدت الضمير؟ وشتان بين قلمي الحقيقي وذاك الآخر المختلف. فمنيشوه الحقائق وينطق الكذب ويلهث وراء الزيف، يسقط. ومن يسبحوسط مناخ قائظ ليكسب بالخديعة نقطة، فهو غافل، والخديعة ما عادتتنطلي حتى على السذج من الناس.
البعض يا صديقي العزيز ، يدور في حلقه مفرغة في قراءة ما يكتبهالبعض والرد عليه. ويعتقد البعض ان من دونه اغبياء وجهلة وهوالوحيد الذي يمتلك مملكة الفهم والاستيعاب والذكاء، وينسى هؤلاءكلهم ان اغلبية الناس مسحوقة ومشغولة ولم يعد لديها الوقت لتقرأحتى جريدة بائسة بتفاهاتها.
آه، يا قلم الثلج، عندما حاولت ان اكتب عنك، خفت ان لا اوفيك حقك. فانت الذي امدت اخي وصديقي هاتف بالشجاعة الكافية التي منخلالها اصبح قادراً على مواجهة اختلاف وجهات النظر، فكلماتي هذهالتي اكتبها فيك قليلة في حقك، فكثير من تحولت حياتهم بسبباقلامهم المتزنة التي لم تنحرف عن طريق الصواب، اما صاحبك هاتف ، فليس منهم بل شخص اصبح يعشقك انت القلم مثل عشقه لسهرالليالي من اجل رفد مدادك. فقد قامت صداقة كبيرة بينك وبينه ان لمتكن عشقاً، فالعاشق يتشبه بمعشوقه، اما ابو حيدر فيتشبه بكويتخيلك متقلداً الوسام الذي بوده ان يمنحه اياك. فقد عبرت معهحاجز الخوف والتردد الى عالم ابداء الرأي والمشاركة وعدم الخوف فيقول الحق خشية من لومة لائم غبي وحقود وحسود، فلك يا قلم هاتف الثلج ان تتخيل حالة صاحبك وهو بعيد عنك، انها حالة اشبه ما تكونبحياة الصحراء، فكل شيء فيها مخيف ولا يتحرك.
ليتك تعرف يا قلم هاتف شعور صاحبك عندما تجبره الظروف ويكونمجبراً على الابتعاد عنك، انه شعور من فقد عزيزاً لديه، فقد تعاهدتمان تكونوا سوية ولا تفترقوا الى الابد.
ان كلماتي التي اكتبها تعجز عن وصف شعور صديقي هاتف ومدىتعلقه بك، انه شعور الرسام عندما يمسك بريشته، يغرق معها فياحلامه وطموحاته، وهاتف الثلج كذلك معك.
لقد عرف صديقنا هاتف احلام العالم المسمى بعالم الخيال، مبحراًمعه الى اعماقه، مستمداً منه المادة لتحفظ اجمل عبارات الثناءوالتقدير لقلمه ، متمنياً ان تظل صداقته لك الى الابد وان لا يكون هناكفرق بيد هذه العلاقة.
بالتأكيد، انه عندما يجد هاتف ان واقعه اليومي لم يعد تجدي معهالكتابة ولا الكلمات، سيقرر – لا سمح الله– وبأرادته ان يريح قلمه ويضمه الى مجموعاته من الانتيكات والتحفيات والى ما يجمعه منتراثيات شعبية، اذا احس انه مطلوب منه ان يغير مدادك ويزيفهوبالتالي حقيقة الواقع، لانه بدء يرى البعض يبيعون اقلامهم وافكارهملمن يدفع اكثر او اولئك الذين يحاولون ان يظلوا الجماهير ويلونهابتجاويف يسمونها ثقافة ثورية، بينما جمهرة الناس مشغولة بتوفيرلقمة الخبز التي تزداد صعوبة الحصول عليها كل يوم. اما الاهم منذلك فهو، ان الجماهير تعرف مقدار الزيف الذي يبيعه البعض. لذلكهي ترفض ان ينطلي عليها كل هذا الهراء وتدير ظهرها للذين يدعونانهم يتحدثون باسمها وهم يتحدثون بأسم المال والسلطان وتكتبالجماهير بطريقة واسلوب مختلف وتلتهم كتباً من نوع آخر، وتقدساناساً من نوع مختلف.