في ظل أزمة سياسية معقدة يعيشها العراق تأتي هجمات امس الثلاثاء التي ضربت عدة أسواق في بغداد ومنها سوق عريبة وأدت إلى وقوع مئات القتلى والجرحى ، كمؤشر خطير على انتكاس وتردي الوضع الأمني ولترفع من مستويات التوتر في الشارع العراقي ولتزيد من حالة الغموض واللايقين بمآلات الوضع في العراق .وجاءت هذه الهجمات بعد هجمات مماثلة دامية استهدفت مدينة الصدرمعقل التيار وحاضنته الشعبية في وقت سابق , والتي أعلن تنظيم الدولة-داعش مسؤوليتة عنها.ولم تكن هذه المرة الأولى التي يستهدف فيها التنظيم الأسواق والمساجد والمقاهي وغيرها من التجمعات المدنية لكن للهجمات هذه المرة دلالات وأهداف متعددة من شأن تحققها أن يعصف بالأوضاع الحرجة التي يعيشها العراق
اعادت الهجمات الأخيرة إشكالية الأصلاح الى الواجهة من جديد بعد الجمود الذي أعقب أقتحام المتظاهرين للمنطقة الخضراء ومقرالبرلمان. وبالعودة الى الوراء قليلاً ندرك أن التيار الصدري وأنصاره يعيشون حالة من الإحباط والاحتقان نتيجة فشل الكتل السياسية الممثلة في الحكومة والبرلمان في إحراز اي تقدم في عملية الإصلاح التي دعا لها زعيم التيار الصدري والتي انتهت باقتحام البرلمان كردة فعل طبيعية على التسويف والمماطلة الذي تمارسه الطبقة السياسية في خطوة رمزية ذات دلالة عميقة تنبئ عن طبيعة الأزمة التي يتعرض لها النظام السياسي وحجم التصدع والتآكل الذي تواجهه شرعيته .وبالتالي فإن من شأن الضغط على التيار واستهداف حاضنته الشعبية أن يؤدي إلى تفجير الأوضاع وانتشار الفوضى الأمر يسعى اليه من قام بالهجمات .فحالة الاحتقان التي تعيشها جماهير التيار وتراجع شعبية الحكومة إلى حدود متدنية جدآ نتيحة الفشل في معالجة الأوضاع المتردية والأنانية السياسية التي تتبعها الكتل السياسية ووقوفها موقف المتفرج مما يحصل وحالة الاستقطاب الطائفي كلها عوامل قد تؤدي الى انزلاق الوضع الى مستويات خطيرة سيكون لها تداعيات كبيرة على أستقرار النظام السياسي واستمراره.
ويسعى تنظيم الدولة-داعش من وراء تركيز الهجمات على الأسواق والتمركزات السكانية والتجمعات المدنية إلى إحراز أهداف سياسية عدة من قبيل ضرب الإرادة السياسية للدولة واصابتها بالشلل من خلال اشاعة أجواء الخوف والرعب ومحاولة التأثير على السياسيات الحكومية ,كما تهدف الهجمات أضعاف الروح المعنوية للشعب وكسر إرادة القتال باستهداف الحاضنات الشعبية للمقاتلين ومحاولة شد الإنتباه الحكومي وتحويله إلى قضايا هامشية وحرفه عن التركيز عن هدف الاستراتيجي المنصب على ضرورة القتال ضد تنظيم الدولة في الجبهات ونقل المعركة إلى داخل المدن وهي استراتيجية يتبعها التنظيم لفك الضغط على قواته في جبهات القتال والتي تشهد تراجعا في الآونة الأخيرة .فضلا عن سعيه بالتدفع باتجاه حصول صراع شيعي –سني وتفجير حرب أهلية .فتنظيم الدولة-داعش يحاول الاستشمار في الأزمة السياسية القائمة بين التيار وخصومه في العملية السياسية التي يرى مراقبون أنها أزمة شيعية –شيعية أو كما يراد لها أن تكون بعد تنصل الأطراف الأخرى في العملية السياسية من مسؤولياتها .ومهما يكن من أمر فأن حدة الخلاف الشيعي- الشيعي أصبحت واضحة لكل ذي عينين وبالتالي فأن الهجمات الأخيرة جاءت لتعميق هذا الشرخ والدفع باتجاه خيارات تصعيدية قد لا يستثنى منها وقوع صراع مسلح .
لقد اكسبت الهجمات الأخيرة التيار الصدري وجماهيرة زخماً أكبر من ذي قبل للمضي قدماً في عملية الأصلاح الشامل كما أن أجواء الأحتقان والتذمر الشعبي ستوفر الأرضية المناسبة للتيار لأتخاذ قرارات أكثر صرامة وواقعية للتعامل مع طبيعة الأزمة الراهنة ورفع سقف مطالبه لترتقي مع ظروف المرحلة التي ربما تتمثل بدعوة الجماهير للنزول الى الشارع والمطالبة بتغير رئيس الوزراء .الأمر الذي يقتضي تحقيقه توافق واسع بين الكتل السياسية وهو ما يمثل صعوبة بالغة , ذلك أن أطرافاً في التحالف الوطني ترفض التماهي مع خطوات التيار وهو ماينذر بصراع شيعي – شيعي.وربما وقوع صدام مسلح واستدعاء هذه الأطراف لأجنحتها العسكرية للحفاظ على استحقاقاتها الحزبية.هذه المخاوف قد تجد لها ما يبررها , ففي وقت سابق وفي اطار الأزمة السياسية الراهنة نزلت تشكيلات عسكرية غير حكومية الى الشارع في وسط بغداد ومداخلها بعد أقتحام المتظاهرين للمنطقة الخضراء وتحدثت عن ان هدف نزولها هو الحفاظ على الامن والاستقرار في بغداد من أي تهديدات محتملة !
الامرالذي فسره مراقبون على أنها خطوة استباقية تهدف إلى قطع الطريق على أي تغير للوضع القائم بالقوة.
ان التداعيات السياسية للأوضاع في العراق لن تقف عند هذا الحد بل أن أي صراع قادم سيكون له انعكاساته الميدانية على الجبهات أذ أن فرص تاثر الفصائل المنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي ,بالصراع السياسي ستكون كبيرة خصوصاً أن علمنا ان لهذه الفصائل ميولها وتوجهاتها السياسية المختلفة,الأمر الذي سيكون له أعظم الأثر في سير العمليات والجهد العسكري ضد تنظيم الدولة قد يتسبب في جمود في العمليات العسكرية في أحسن الأحوال وربما انتكاسات على الأرض وتراجع للقوات المشتركة.
وتأسيساً على ما تقدم .يمكن القول أن الطريقة التي تنتهجها الطبقة السياسية في التعاطي مع الأزمة السياسية وتردي الوضع الأمني لم تعد مجدية في منع وقوع زلزال سياسي قادم قد يفضي إلى مالا تحمد عقباه. فقطاعات كبيرة من الشعب أصبحت على قناعة أن النظام السياسي والعملية السياسية المنبثقة عنه قد أصبتحا عبئاً ثقيلاً عليه وأنهما زادا من أسباب شقائها ,وهذا أمر في غاية الخطورة يؤشر على تآكل شرعية النظام السياسي .لذا فخطوات حقيقية عاجلة وملموسة يستشعرها المواطن هي السبيل الوحيد لمنع الانهيار والانزلاق نحو الفوضى.وعليه فأنه لابد من أساليب ثورية لمعالحات جذرية للمشكلات المتازمة التي يعيشها الشعب لتخفيف معاناته وتحقيق الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة التي كفها الدستور في ضمان حقوقه وحرياته الأساسية .
وفي النهاية يمكن القول , أن عجز الدولة وتقاعسها عن حماية مواطنيها قد يدفع باتجاه انشاء جماعات محلية” لجان شعبية” أو استدعاء تشكيلات مسلحة لحفظ الأمن والاستقرار في مناطقها وربما يتم استنساخ التجربة في مناطق أخرى وهو ما يعد مؤشراً خطيراً على انهيار الدولة وسنكون عندها أمام أوضاع شبيهة بتلك التي شهدها العراق بين عامي 2006 و2007 والتي شهدت فوضى شاملة وعلى كافة الصعد.