الطغوانية (من طغى وهي مجاوزة الحد) طبع بشري , ونزعة الظلم متجذرة في أعماقه , وهو في طبعه وحش مفترس يرتدي ثياب الآدمية , “والظلم من شيم النفوس فإن تجد…ذاعفةٍ فلعلةٍ لا يظلم ” , “ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون , إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ” , ” وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون” , وإن الإنسان لظلوم كفار”.
ومسيرة الدنيا محكومة بالطغاة منذ فجر التأريخ وحتى اليوم الحاضر.
فميل البشر لصناعة الطاغية متأثل فيه , فهو يحرره من المسؤولية , ويغذي نزعة التبعية والخنوع وإرادة ” حشر مع الناس عيد ” أي القطيعية.
فمعظم البشر يكره عقله ويسعى لتعطيله وإحلال عقل آخر مكانه , ولهذا نجد السلوك الداعي إلى تقديس الأموات , ونسب الأقوال إليهم لكي يتم العمل بموجبها , بعيدا عن إعمال العقل.
فالطغيان يحكم , وبدونه لا توجد دول وحكومات , وأي إدّعاء آخر ضحك على الذقون , فالقائلون بالديمقراطية ماذا يحصل في ديارهم , أ ليس الإعلام هو الطاغية الذي يسوق الناس إلى حيث يريدون ويصنع آراءهم , ويجبرهم على الخضوع لهم بكامل إرادتهم , وبعد أن تنتهي الإنتخابات يكتشفون بأنهم كانوا كالمنوَمين وبالأكاذيب يسكرون.
وفي المجتمعات التي تمكنت فيها العمائم المؤدينة المتاجرة بالدين , صار لكل منهم قطيعا يوجهونه إلى حيث يريدون , ويجبرونه على إنتخاب هذا دون ذاك , فتمضي الأمور على حالها , لأن المصالح الغنائمية يجب أن تبقى مؤمَّنة.
فالتي نسميها ديمقراطية تعبير آخر عن الطغيان المبرمج الفاعل في حياة الناس والمتحكم بوجودهم , والأدلة على ذلك كثيرة , ففي بعض بلدان الأمة التي كانت تحت طاغية واحد , أصبحت تحت رحمة عشرات الطغاة الذين يستخدمون الدين لإفتراس البشر , وسوقهم إلى جحيمات الأيام , وهم يتمتعون بدنياهم , ويشجعونهم على القهر والحرمان وتحمل الظلم , لكي يفوزوا بجنات النعيم المتخيلة , المسوقة بالآليات اللازمة لسحق البشر.
فالطغيان طبيعة بشرية لا تخص مجتمعا دون غيره , وبعض المجتمعات توظف الدين لتأمين الإستبداد والعبث بمقدرات البلاد والعباد , وبهذا تؤسس لحالات قاسية متفوقة على أي طغيان.
ويبدو أن الدين يؤهل البشر للسقوط من حبائل التبعية والخنوع , وتعطيل العقل مما يساهم في تقليد الطاغية , الملتحي والمعمم الذي سيحقق ما مطمور في النفس الأمّارة بالسوء , فيكون القطيع ممثلا له , وبهذا يتحول الملايين من البشر إلى بضعه أعداد , فصوتهم صوت سيدهم , وكأن البشر يعشق جلاديه!!
د-صادق السامرائي