26 فبراير، 2025 2:09 م

البعد الآخر لمشاركة سلاح الجو الإسرائيلي في مراسيم تشييع “حسن نصر الله”

البعد الآخر لمشاركة سلاح الجو الإسرائيلي في مراسيم تشييع “حسن نصر الله”

*تكاد تجتمع كافة القوى والأحزاب السياسية ومعظم المجتمع اللبناني بأن شرعية سلاح حزب الله قد انتهت الساحة الواحدة بعد الظهر من يوم الاثنين 14 شباط 2005.

 

 في يوم الأحد ، 23 شباط 2025، لم يُدفن السيد “حسن نصر الله” وحده تحت التراب، بل دُفنت معه مرحلة بأكملها، مرحلة امتدت عقوداً وانتهت سرديتها نهائياً. لم يكن الدفن مقتصراً على “حزب الله” كتنظيم مسلح شبع عسكري ، بل شمل معه انهيار مشروع الهلال الشيعي” الإيراني، بكل ما حمله من استقواء بالسلاح ، واستباحة للدم اللبناني والسوري، وطموحات توسعية تجاوزت حدود الدولة اللبنانية نحو أحلام إعادة “إمبراطورية الهلال الشيعي” والتي رأيناها قد تلاشت كالحلم في لحظةٍ فارقة .
اللافت لنا بأن رمزية هذا الحدث, قد ترجمت بصورة أو بأخرى , ومن خلال بأن أول من أعلن نهاية هذه المرحلة كان “حزب الله” نفسه وعبر خطاب الشيخ “نعيم قاسم / الأمين العام الجديد” والذي بدأت من خلال جمل وعبارات خطابه ونبرات صوته إقرار ضمني بتحول جذري في مسار التنظيم . وجاء تأكيد هذا التحول كذلك من قبل رئيس الجمهورية “جوزيف عون” الذي استقبل وفداً إيرانياً وخاطبهم بكلام صريح وواضح وكان صدمة لهم بانت على وجوه الوفد , قائلاً لهم بأن : لبنان تعب من حروب الآخرين على أرضه، وأفضل مواجهة لأي خسارة أو عدوان هي وحدة اللبنانيين أنفسهم ” لم يكتفِ الرئيس “عون” بهذا التصريح المفاجئ ، بل أعاد كذلك توجيه البوصلة السياسية أمام الوفد الإيراني نحو العمق العربي ، ومؤيداً بالوقت نفسه ما توصلت اليه من قرارات قمة العاصمة “السعودية / الرياض”  ومذكّراً الجميع في خطابه بأن :” لبنان دفع ثمناً باهظاً دفاعاً عن القضية الفلسطينية” وهذه كانت إشارة ذكية وواضحة للوفد الإيراني إلى رفض استمرار استنزاف لبنان لصالح أجندات خارجية ومصالح دول أجنبية على حساب المصلحة اللبنانية.
هذا الموقف الجريء للرئيس ” عون” قد أعاد دون شك لقصر “بعبدا” هيبته الوجودية والتي كانت غائبة عنه منذ عقود ، وبعد سنوات اتسمت فيها تصريحات بعض الرؤساء السابقين بالمواربة والتردد، بل وحتى الخوف الذي كان يتسرب عبر نبرات أصواتهم . ومن المهم لنا بأن كلام الرئيس “عون” لم يترك مجالاً للشك أو للتأويل، معلناً عودة سردية ورمزية الصورة الحقيقية كصوت هادر وصرخة سمع أصداها جميع اللبنانيين ، بأنه لن يكون لبنان بعد اليوم كأداة طيعة سهلة الانقياد في يد أطراف خارجية وإقليمية تسعى الى فرض أجندتها على حساب الوطن والمواطن.

في اعتقادنا وحسب متابعتنا عن كثب للحدث , بأنه حاليآ أو في المستقبل المنظور , ليس من مصلحة قيادات “حزب الله” الذي يعاني بدوره من وضع شبه منهار، أن يلتزم بعد اليوم بتوجيهات أجندة المرشد الأعلى الإيراني “خامنئي” والمتعلقة واستمراريته  بلغة المواجهة والتصعيد ، وحتى وأن أكد في خطابه على أن :”المقاومة لن تنتهي بل ستستمر حتى تحقيق هدفها الأسمى” هذا الهدف الاسمى يجب أن لا يكون على حساب اللبنانيين الذين اكتواء طوال العقود الماضية بمثل هذه الشعارات التي لا تغني ولا تسمن من جوع , ولكن يبدو لنا بأن تصور القيادات الإيرانية لا تزال يراهنون على استمرارية “حزب الله” في أداء دوره التقليدي بالمواجهة العسكرية، دون أدنى اعتبار للتغيرات الجذرية وفي الظروف المحيطة به، أو للأوضاع الاقتصادية البالغة الصعوبة التي يكابدها المجتمع اللبناني حاليا . 

أن الحقيقة التي يرفض “حزب الله” الاعتراف بها وما يزال يكابر، تتمثل لنا من أنه يعيش اليوم مرحلة لفظ أنفاسه واحتضاره الأخيرة، وأنهم يجب أن يعرفوا بان النفوذ الإيراني في لبنان قد انتهى بلا رجعة، وتزامنًا مع مراسم تشييع دفن السيد “حسن نصر الله” قد انتهت سردية حقبة الحرب بالوكالة. وإن الذين قد يراهنون على إعادة إحياء هذه المرحلة في لبنان قد أصبحت مسألة شبه مستحيلة، بل وشديدة التعقيد. وفي حال استمرت القيادة المتبقية للحزب الله في السعي وراء هذا الهدف، فإنها ستدفع به نحو عزلة تامة داخلية وخارجية، ومن حيث لا تدري هذه القيادات مُطلقةً بذلك رصاصة الرحمة على وجوده.
مع رمزية التشييع دفنت الأوهام وأصبح هناك من يرى بأنها وولادة مرحلة جديدة لبنانية، ومن يرفض رؤية هذه الحقيقة الساطعة كالشمس في وضح النهار، ويختار طوعاً العيش في حالة إنكار، ومتشبثاً بأوهام زائفة لن تتحقق. عليه أن يراجع نفسه ولان “حزب الله” الذي أنفق مليارات الدولارات على مدى عقود، وبنى بيتاً أوهن من بيت العنكبوت، واجه خسائر بشرية ومادية هائلة دون مقابل يُذكر. شعاراته العقائدية والدينية التي لطالما رفعها عالياً تبددت كالرماد في يوم عاصف، تجلى ذلك بوضوح في رمزية مشهد التشييع، حيث بدأ الحدث وكأنه كمراسم وداع ليس لشخص فحسب، بل لمشروع بأكمله.
لكن السؤال المحوري اليوم هو: ما الذي ينتظر لبنان في المرحلة المقبلة؟ ملامحها ما زالت ضبابية، وقد يتجه الحزب إلى توجيه سلاحه نحو الداخل اللبناني في محاولة لاستعادة نفوذه المفقود

أمام الدولة اللبنانية اليوم فرصة تاريخية لإعادة تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فهل ستتمكن من استثمار هذا التحول لاستعادة سيادتها وإنقاذ ما تبقى من كيانها؟
وفي المقابل رأينا بان إسرائيل تؤكد حضورها برسالة من سماء لبنان وفوق مكان التشييع حيث لم تكتفِ بمراقبة مراسم التشييع من بعيد، ومن على شاشات التلفزة، بل شاركت أيضآ بطريقتها الخاصة، حيث أرسلت رسالة مباشرة وصاخبة عبر تحليق طائراتها الحربية على علو منخفض فوق العاصمة بيروت والملعب البلدي أثناء الجنازة. لم يكن هذا التحليق مجرد استعراض عسكري، بل رسالة استراتيجية واضحة للداخل والخارج اللبناني مفادها بأن: إسرائيل تتمتع بحرية الحركة في الأجواء اللبنانية، وقادرة على استهداف أي هدف في أي لحظة تشاء.

أما بالنسبة لنا لكلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ “نعيم قاسم ” والذي تم بث خطابه الثوري الانفعالي من مكان غير معلوم لحشود المشيعين؟ وعبر شاشات نصبت في مكان التشييع والذي أراد ان يلملم قدر الامكان ما تبقى له من رصيد جماهيري بقوله , إن :” الحزب ما زال قويا وإن المقاومة موجودة وقوية عددا وعدة ولا تفسروا صبرنا ضعفا، فنحن لن نقبل بالاحتلال ونحن نتفرج وأن المقاومة باقية ومستمرة وموجودة وفلسطين بوصلتنا. ورد عليه بعد لحظات وزير الخارجية الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” في منشور كتبه على “منصة إكس” أن:” الطائرات التي تحلق فوق مراسم دفن نصرالله تبعث برسالة واضحة وحاسمة: كل من يهدد بتدمير إسرائيل أو يشن هجومًا عليها، فإن هذا المصير سيكون نهايته. ستكون مهمتكم تنحصر في إقامة الجنازات، بينما سنواصل نحن تحقيق الانتصارات“. 

سردية هذا المشهد التراجيدي العنفواني بين “الشيخ / الوزير” اختزلت وكشفت لنا عن عمق جدلية رمزية الصراع مخيلة الطرفين : من جهة ، حاولت قيادات الحزب بتحشيد الجماهير للمشاركة في التشييع وكأنه استفتاء شعبي مستغلين حالة التعاطف وتأكيدا منهم باستمرار الحاضنة الشعبية المؤيدة للحزب، ومن جهة أخرى، ردت إسرائيل عن طريق طيرانها الحربي بالتأكيد بان قدرتها العسكرية ما تزال قادرة على اختراق هذا الحضور وتهديد كذلك أينما وجدت قياداته المتبقية.

 الواقع على الأرض يشير لنا صراحة إلى أن مراسم التشييع لم تكن سوى اللحظة المفصلية والفارقة التي

 دُفنت فيها سردية “المقاومة والممانعة” و “المواجهة العسكرية” مع إسرائيل، تاركةً وراءها لبنان والذي أصبح يواجه بدوره تحديًا جديدًا يتجلى في الحاجة الملحة إلى إعادة صياغة هويته الوطنية للمجتمع، بعيدًا عن أوهام الحاضر وأحلام وتطلعات الماضي البالية، مع التركيز على تحسين جودة المستقبل المنظور لمجتمعه.

أحدث المقالات

أحدث المقالات