سد اليسو التركي الذي اوقع العراق في كارثة بيئية نتج عنه تجفيف نهر دجلة بشكل لم يسبق له مثيل، لم يكن بناءه سهلا على تركيا، ولم يبنى من فترة قليلة حتى يتفاجيء العراق ويقع في الكارثة، بل درست تركيا بناء السد في عام 1954، واضيف المشروع إلى الخطة الوطنية عام 1997، وتم وضع حجر الأساس للسد والبدء باشاءه عام 2006 (اي قبل 12 عام من الان)، وكان هذا السد مثار جدل اوربي كبير وتوقفات متكررة لاسباب بيئية نتج عنها سحب الدعم من بعض الدول وتراجع شركات عن الاستمرار امتثالا لاوربا.
ان اصرار تركيا ببناء السد لم يكن نوع من انواع الترف، او نوع من انواع الاستهداف للعراق، كما يقول البعض ليغطوا على فشل الحكومة وتجاهلها لهذه الكارثة، بل يهدف لتوليد الطاقة الهيدروليكية والتحكم في الفيضانات وتخزين المياه، وتوفير طاقة مقدارها 1.200 متر مكعب بسعة 10.4 بليون م3.
وللمشروع سد ملحق يسمى سد (جزرة الإنجليزية) على نفس مجرى النهر بقصد الري والطاقة، لكن كان للسد ايضا اثار سلبية لأنه سيغرق (حصن كيفا القديم) ما يتطلب إخلاء السكان المقمين في المنطقة، ولهذه الأسباب، فقد السد التمويل الدولي في عام 2008، قبل ان يعود بقوة .
وهنا ينطرح السؤال: بعد كل هذه المسيرة الطويلة للسد والجدل حوله، هل يعقل ان العراق لا يعلم؟ واذا كان يعلم … هل من المعقول انه لم يأخذ اي احتياطات منذ عام 2006، لمواجهة الازمة وهو يملك 27 سد وناظم موزعة على نهر دجلة فقط؟
انا اؤكد ان العراق كان يعلم بهذه الازمة، وكان يشارك بمؤتمرات كلها تدل على الثروة المقبلة في المنطقة والتي ستتفوق على النفط، هي ثروة المياه، وانا شخصيا شاركت قبل اعوام في احد المؤتمرات في اسطنبول التي تبحث مشكلة المياه والدول المتشاطئة، وتحدثنا مع الاتراك وقالوا لنا صراحة : النفط مقابل الماء، والسيدة السفيرة صفية السهيل، وزوجها الوزير بختيار امين اضافة لعدد من السادة الزملاء كانوا من ضمن الوفد العراقي شاهدين على ذلك.
ان ايماننا كعرب (بنظرية المؤامرة)، هي التي تجعلنا نتهم هذه الدول والحكومات التي تستغل اي ثروة او مورد طبيعي في ارضها من اجل العمل لشعوبها ولمستقبل اجيالها وتوفر لها الرفاهية، فهذه الدول يجب ان ندخلها في نظريتنا السخيفة (المؤامرة) اذا عملت اي شيء ايجابي لشعبها، ونخرجها من هذه النظرية في حال تنازلت عن تقدمها وتركع لتخلفنا وفشلنا وضعفنا الذي لا نتحدث عنه في مواجهة هذه الكوارث، ونتحدث عن مؤامرة تركية من بناء سد يوفر لشعبها طاقة كهربائية سنوية متوقع أن تصل إلى 3.833 كيلو واط في الساعة، وكان فشلنا .
لا يا سادة .. ان ما يجري اليوم ليس مؤامرة، انما دول تعمل لمصلحة شعوبها ولا يمكن ان ندين اي دولة تعمل لمصلحتها (حسب المفهوم السياسي الدارج –السياسة فن المصالح-)، انما المدان ليسوا وزراء الموارد المائية الذين تعاقبوا على مسؤولية هذه الوزارة وتنعموا بجاهها ووجاهتها فحسب، بل الحكومات العراقية السابقة والحالية، ووزاراتها ذات العلاقة مثل وزارة الخارجية التي لا نعلم اين هي من هذه الكارثة ومدى مساعدتها او اتصالها بزميلتها الموارد المائية لتجنب الازمة ؟
اذن فلنكن منطقيين باطلاق التهم ضد هذه الدول التي تعمل لمصلحة شعوبها، ولنشخص المتسبب بهذه المشلكة وندين انفسنا قبل ان نطلق الاتهامات والادانات للغير لنغطي على فشلنا، فنحن من اغتال دجلة ونحن من رفسنا نعمتنا بارجلنا.