21 مايو، 2024 7:08 ص
Search
Close this search box.

الديمقراطية التوافقية العراق انموذجا – 1 / مفهوم ونشوء الديمقراطية التوافقية

Facebook
Twitter
LinkedIn

تمهيد
….. وكان العراقيون يتصورون وياملون بانهم سينتقلون الى العالم المتحضر ويعيشون الحرية والتطور ويعوضون مافاتهم من سنوات الحرمان بعد الخلاص من النظام البعثي الصدامي الدكتاتوري الا ان هذه المعاناة لم تنته بعد سقوط النظام في 9/4/2003 على ايدي قوات الاحتلال الامريكي ومعها العديد من الدول الطامعة بكسب رضا الملاكم الامريكي والمتاملة بالحصول على حصة من خيرات العراق فقد دخل العراق في نفق مظلم سياسيا واجتماعيا وامنيا وثقافيا واقتصاديا وعلميا وتربويا ووظيفيا وحكوميا زيادة على ما كان عليه من تخلف كبير في هذه المجالات في زمن النظام البعثي.
واذا كان سبب معاناة الشعب العراقي في زمن النظام البعثي المقبور يرجع الى انتهاج حكامه سياسة التعسف والظلم والتجويع والتخويف والعداء والعقوبة والحرمان من ابسط الحقوق ضد الشعب فان المعاناة التي حصلت بعد السقوط وسيطرة قوات الاحتلال الامريكي يعود بشكل رئيسي الى نموذج (الديموقراطية التوافقية) التي اتبعت في العراق فولدت المحاصصة الحكومية والوظيفية بين مختلف مكونات الشعب واحزابه والتي نتج عنها صراع كبير بينها على الكراسي البرلمانية والمناصب الحكومية وما فيها من منافع ومصالح والذي انعكس بدوره سلبا على الراي العام الشعبي مما اعطى المبرر والدافع والموقف الداعم للجماعات المسلحة على استسهال الدماء فحدث ما حدث من خطف وتهجير واغتيال وقتل جماعي متبادل بين مختلف المكونات وخاصة بين الشيعة والسنة.
ودخلت القوى التكفيرية والاجرامية والمخابراتية الدولية الى العراق وفرقت بين ابنائه وايقضت فتنة مذهبية كانت نائمة مئات السنين وكادت ان تعصف بالبلد حرب اهلية بين الشيعة والسنة حيث حصلت اشتباكات مسلحة بين ابناء الطائفتين وانتشرت عمليات الخطف والاغتيال ورميت الجثث في المزابل والشوارع وهجرت المئات من العوائل السنية والشيعية من المناطق التي سكنتها لسنين عديدة بسبب كونها مخالفة مذهبيا لغالبية العوائل فيها ومرت على العراق سنوات من انعدام الامن والاستقرار ونهبت اموال الدولة من قبل عشرات الالوف من المواطنين ضعاف النفوس ثم من قبل الكثير من كبار المسؤولين وغالبية الموظفين وعم الفساد الاداري والمالي في الدوائر الحكومية بشكل كبير وضع العراق على راس الدول الفاسدة ماليا واداريا في العالم. 
من اجل ان اوضح معنى التوافقية وعلاقتها بالديمقراطية والية تطبيقها في العراق والسلبيات الكبيرة والكثيرة التي رافقتها فاني اقدم بعض العناوين المهمة من كتابي (الديمقراطية التوافقية العراق انموذجا) الى القراء الكرام على شكل مقالات متتالية عسى ان اساهم بها بشكل بسيط في اداء دوري تجاه الشعب العراق الحبيب اولا والى الشعوب العربية والمثقفين العرب ثانيا.
ومن الجدير بالذكر ان الكتب التي تتناول موضوع (الديموقراطية التوافقية) المؤلفة عربيا معدومة والمترجمة قليلة جدا في مكتباتنا وذلك لان الديمقراطية التوافقية حديثة النشوء وقليلة الدراسات، والمعلومات المطلوبة لهذا الموضوع في ما يخص الوضع العراقي حكومة وبرلمانا يصعب الحصول عليها من دوائر مجلس النواب العراقي والمفوضية المستقلة للانتخابات مباشرة وموقع كل منهما على شبكة المعلومات العالمية (الانترنيت) ضعيف ولم يوفر الكثير من هذه المعلومات، والمقالات العربية المنشورة على شبكة الانترنيت عبارة عن معلومات بسيطة ومكررة او انها تعليقات متشابهة على كتاب ارنت ليبهارت (الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد) الذي استعنت به للحصول على معلومات تاريخية تخص التوافقية ولكني وجدتها تفتقد الوضوح والتفصيل وخاصة فيما يتعلق بتواريخ مراحلها او الاحداث السياسية المرتبطة بها.
 
مفهوم ونشوء الديمقراطية التوافقية
 
على الرغم من التطور التاريخي للديمقراطية وما قدمته من انجازات كبيرة على الاصعدة المتعددة السياسية والاجتماعية والثقافية والانسانية الا انها عجزت عن تحقيق الاستقرار السياسي والامن الاجتماعي والتقدم الاقتصادي للكثير من الدول الاوربية ذات المجتمعات التعددية في بدايات القرن الماضي وهي التي تتكون من عدد من الشعوب المختلفة فيما بينها بالاصول القومية او بالثقافة السياسية او التي (يعيش ضمنها مختلف قطاعات المجتمع جنبا الى جنب ولكن بانفصال داخل الوحدة السياسية الواحدة)[1] او بتعريف اخر (خليط من الشعوب لانهم يتخالطون ولكن من دون تداخل واندماج)[2] لذلك فقد برزت الخلافات والصراعات بين مكونات هذه الشعوب بسبب اختلافاتها السياسية بشكل اساسي الى درجة ان النظم السياسية القائمة في وقتها ومنها الديمقراطية عجزت عن حل تلك الخلافات وايجاد الانسجام بين تلك المكونات. وقد توصل (ارنت ليبهارت)[3] من خلال دراساته التي تناولت الاوضاع السياسية لتلك الدول في وقت نشوء التوافقية ان (التجانس الاجتماعي والاجماع السياسي يعتبران شرطين مسبقين للديمقراطية المستقرة او عاملين يؤديان بقوة اليها وبالعكس فان الانقسامات الاجتماعية العميقة والاختلافات السياسية داخل المجتمعات التعددية تتحمل تبعة عدم الاستقرار والانهيار في الديمقراطيات)[4] ولذلك فان تلك الدول التعددية المجتمعات لجأت وبدافع الحاجة ومن دون تنظير مسبق الى ابتكار نظام بديل عن الديمقراطية التمثيلية او النسبية وهو (الديمقراطية التوافقية) التي يعرفها دايفيد أ. ابتر – حيث كان اول من استخدم هذه الكلمة – بانها (نوع من النظام السياسي باعتباره جمعاً لوحدات مكونة لاتفقد هويتها عند الاندماج في شكل من اشكال الاتحاد)[5] وهي ترتكز اساسا على توافق الكيانات المتصارعة على انهاء النزاعات وحل الخلافات باشراك جميع مكونات المجتمع في الحكومة بعيداً عن المبدأ الديمقراطي المتعلق بحق الاكثرية السياسية بتشكيل الحكومة ولجوء الكيانات السياسية الاخرى الى تشكيل صفوف المعارضة.
وقد بين (ارنت ليبهارت) بان النمسا وسويسرا وهولندا وبلجيكا كانت اول الدول التي اتخذت التوافق اساساً لتشكيل حكوماتها ومنهجاً ثابتاً في ديمقراطياتها وقد حققت التوافقية لهذه المجتمعات قدراً اكبر من التعايش السلمي بين مكوناتها ولفترات طويلة من خلال تشكيل ائتلافات واسعة تضمن مشاركتها جميعاً في الحكومة وتلغي سيطرة الاغلبية السياسية وذلك بمنح الاقليات حق نقض القرارات والقوانين التي تصدر عن الحكومة او البرلمان. وبعد تطبيق الديمقراطية التوافقية بسنوات بدأت الكتابات التي تتناولها بالتحليل والنقد والتقويم وكان من الاوائل في ذلك الكاتب غابريال الموند الذي قسم الانظمة السياسية الموجودة في اوربا والعالم الغربي في النصف الاول من القرن الماضي في كتابه (الانظمة السياسية المقارنة)[6] استناداً الى الثقافة السياسية السائدة انذاك في مجتمعاتها ودرجة انسجام هذه المجتمعات وانصهارها في ظل الدولة الى نمطين فدول مثل المانيا (خلال جمهورية فايمر) وفرنسا في عهد الجمهوريتين الثالثة والرابعة وايطاليا مابعد الحرب اعتبرها الموند دولاً ذات مجتمعات متعددة لكونها تتسم بتفتت الثقافة السياسية وأطلق على انظمتها اسم (النظم الاوربية القارية) ودول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا والدول الاسكندنافية وايرلندا وايسلندا ذات مجتمعات غير متعددة بسبب تجانس ثقافتها السياسية العلمانية واطلق عليها اسم (الانظمة الانكلوامريكية) [7].
   وقد طور الكاتب لوروين هذا التقسيم فصنف الديمقراطيات الغربية وفقاً لدرجة التعددية المقطعة لمجتمعاتها (أي التعددية التي تقسم المجتمع الى قطاعات مختلفة) الى ثلاث درجات حيث تقع النمسا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ في اعلى فئة من التقطيع اما البلدان الاوربية القارية (حسب تصنيف الموند وهي فرنسا والمانيا وايطاليا) اضافة الى سويسرا والولايات المتحدة فتقع ضمن الفئة المتوسطة بينما تقع بريطانيا وايرلندا والدول الاسكندنافية وفنلندا وايسلندا في درجة متدنية من تصنيفه [8].
  اما الكاتب (ارنت ليبهارت) فقد استفاد من هذه التصنيفات ومن دراسة التجربة التوافقية في دول اوربا الرائدة في هذا المجال (النمسا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ) وتوصل الى نتيجة ان الدول الاكثر انقساماً هي دول غير مستقرة وتتصاعد نسبة الاستقرار السياسي كلما قل انقسام المجتمعات وخلص الى ان العامل الايديولوجي هو الاساس في الانقسام السياسي الاجتماعي في المجتمعات المتعددة. وكذلك توصل الى تحديد سمات الديمقراطية التوافقية التي طبقت في تلك الدول وقد بينها كما يلي[9]:
1. الحكم من خلال أئتلاف واسع من الزعماء السياسيين من كافة المكونات المهمة في المجتمع التعددي ومن الممكن ان يتخذ ذلك اشكالاً عدة منها حكومة أئتلافية واسعة في النظام البرلماني، مجلس موسع او لجنة موسعة ذات وظائف استشارية هامة او أئتلاف واسع للرئيس ومن سواه من كبار أصحاب المناصب العليا في النظام الرئاسي.
2. الفيتو المتبادل او حكم (الاغلبية المتراضية) التي تستعمل كحماية اضافية لمصالح الاقلية او الاقليات.
3. النسبية كمعيار اساسي للتمثيل السياسي والتعيينات في مجالات الخدمة العامة.
4.درجة عالية من الاستقلال لكل قطاع (مكون) في ادارة شؤونه الداخلية الخاصة.
  ويتضح مما سبق بان التوافقية مرتبطة الى حد كبير بتعددية المجتمعات التي تطبق فيها وان التعددية هي الاساس في ظهور التوافقية وانتعاشها.
 
في المقالة القادمة سنذكر بعض الدول التي طبقت التوافقية مع بعض التفصيل في ما يخص التجربة اللبنانية

————

[1] الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد ص35/ ارنت ليبهارت
[2] الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد ص35
[3] واحد من كبار كتاب الديمقراطية التوافقية له كتاب (الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد)
[4] الديمقراطية التوافقية/ارنت ليبهارت ص11
[5] الديمقراطية التوافقية/ارنت ليبهارت ص244
[6] نشر عام 1956 / الديمقراطية التوافقية/ارنت ليبهارت ص18
[7] الديمقراطية التوافقية/ارنت ليبهارت ص18
[8] الديمقراطية التوافقية/ارنت ليبهارت ص32 اشارة الى كتاب لوروين (التعددية القطاعية)
[9] الديمقراطية التوافقية/ارنت ليبهارت ص47

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب