كتب – محمد بناية :
بغداد مدينة كبيرة، وتعتبر ثاني أكبر مدن غرب آسيا. مما اهلها لعدة مميزات خاصة، تلك المميزات التي برزت بشكل أوضح عشية سقوط “صدام حسين”. ولطالما كانت الديمغرافية “السنية – الشيعية – المسيحية” في بغداد أحد أبرز تحديات المواطنين والساسة على السواء. ولقد بلغت هذه التحديات ذروتها في العام 2006.. بعد تنامي الأنشطة الإرهابية لـ”أبو مصعب الزرقاوي” زعيم القاعدة في العراق. وحتى العام 2003, لم يكن أحد يعلم على وجه الدقة كثافة الشيعة والسنة في بغداد، ولم تكن احصائيات الحكومة العراقية موثقة ولم تكن هناك احصائيات مستقلة. لكن الجميع يعلم أن تعداد الشيعة أكبر من السنة في العراق، وبالتالي فأعداد الشيعة في بغداد أكبر من أهل السنة. لكن لم يكن هذا الأمر مهماً يوماً ما ولم يكن أحد يسأل هل جاره سني أم شيعي؟.. ولم يكن أي شيعي يأبى السكنى في المناطق ذات الكثافة السنية والعكس. كذا لم يكن المسيحيون يأبهون لمسألة الإقامة إلى جوار السنة أو الشيعة.
كل شئ تغير في بغداد عام 2003..
يضيف الكاتب الصحافي “على موسوي خلخالي”، عبر مقاله الذي نشره تحت عنوان: “فشل بث الكراهية في بغداد” بصحيفة “الدبلوماسية” الإيرانية، مؤكداً على انه “تغير كل شئ في العام 2003.. واتخذت السلطة شكلاً آخر بعد انتقالها إلى الشيعة؛ وكأنها كانت غلطة لا تُغتفر أرادت الدول العربية فرض ضريبتها على الشعب. سقطت السلطة داخل بغداد في يد الشيعة، وكان العرب يعتبرون بغداد كـ”العرض” بالنسبة لهم، وكانوا يعتقدون في ضرورة بقاء السلطة بأيدي السنة”. وينقل خلخالي عن المواطن العراقي “أبو مصطفى الياسري” قوله: “كانت زوجتي سنية وكنا نعيش معاً في هدوء. وكانت الحكومة حينها تضم طوائف مختلفة.. فـ”الصحاف” كان شيعياً وكان هناك الكثير من القيادات السنية بخلاف المسيحي “طارق عزيز”… لكن كل شئ تغير فجأة منذ العام 2003.. وفشلنا في فهم الأجواء التي كانت سائدة آنذاك. كان الحديث يدور دوماً عن الشيعة والسنة في كل مكان نذهب إليه. وفي العام 2006 علمت أن صهري والذي كان سنياً قد انضم إلى تنظيم القاعدة. فانفصل عن ابنتي وحاول كثيراً فصلي عن زوجتي لكنه فشل.. حتى عدت إلى البيت يوماً ما فوجدت زوجتي مقتولة وتم التمثيل بجثتها”.
لكن لماذا؟.. ومن يحاول نشر الكراهية؟.. وما هي المكاسب جراء نشر الكراهية؟…
يستطرد الياسري: “توجهت إلى منطقة الأعظمية وكانت ذات أغلبية سنية.. لكن كان هناك وجود شيعي كالبيت الذي توجهت إليه في الأعظمية. وفي الفترة 2006 – 2008 شهدت الأعظمية احتدام الأنشطة الإرهابية”.
بدوره يقول الأستاذ بجامعة التكنولوجيا في بغداد الدكتور “أحمد الغلباني”: “كان هناك جسر يربط الأعظمية بالمناطق المهمة في العراق. وكنت أرى هذا الجسر من شرفة منزلي. ورأيت بنفسي مليشيات القاعدة تقوم بزرع القنابل على جانبي الطريق عند مدخل الجسر وقاموا بقتل الجنود الأميركيين. حينها لم يكن أحد يجرأ على إخبار قوات الأمن. لأن جيراني كانوا قد أخبروا قوات الأمن بتفخيخ العناصر الإرهابية لأحد المنازل – قبل ثلاثة أيام من حادث الجسر – وبالفعل داهمت قوات الأمن المنزل وأبطلت مفعول القنبلة. في اليوم التالي وجدنا رؤوس كل أفراد الأسرة مقطوعة، وكان أحد الضحايا طفلة صغيرة في عامها السادس.. والمثير للعجب أن الإرهابيون كانوا يعلمون جيداً التوجه المذهبي للسكان، وبعدها علمت أن عناصر البعث هي من أمدتهم بهذه المعلومات”. مضيفاً الغلبان: “يوماً ما استيقظت على حادث قطع رؤوس 44 شيعي ومع ورقة على أجسادهم كتب عليها ما نصه إن “بغداد ملك السنة”… لكن حالياً لم يعد السنة يشكلون أغلبية في الأعظمية. فلقد غادر معظم أهل السنة المدينة، بعضهم تركوا منازلهم خاوية والبعض الآخر باع منزله”.
تقسيم العراق أمر محتوم.. ولكن تبقى بغداد !
ويبدو أن القاعدة وحلفائهم فشلوا في تحقيق ما أرادوا. فحين نجح تنظيم داعش في الاستيلاء على الموصل، قال رئيس مجلس العلاقات الخارجية “ريتشارد هاس” في تصريح صحافي: “تقسيم العراق أمر محتوم.. لكن تبقى فقط مسألة بغداد، لكن هذا السيناريو لم يتحقق قط. ويعتقد الكثيرون: “أن الحرب الطائفية في العراق والدور الذي يقوم به داعش والقاعدة يهدف بالأساس إلى تقسيم العراق”. وفي هذا الصدد يقول النائب العراقي الأسبق في الأمم المتحدة “صلاح عمر العلي”: “بدأ الأمريكيون التفكير في تقسيم العراق عقب انتهاء حرب الكويت. وكانت الـ”سي. آي. إيه” قد عرضت للمرة الأولى هذا الاقتراح على “حسين كامل” صهر صدام حسين لكنه رفض قائلاً: لا أريد المساهمة في تقسيم بلادي”.
وطبقاً للإحصائيات غير الرسمية يعتنق 70% من المواطنين في بغداد المذهب الشيعي، بعد أن قرر الكثير من أهل السنة مغادرة المدينة. ويقال إن الأجهزة الأمنية الأجنبية تخطط حالياً لتركيز أهل السنة في المحافظات الغربية من العراق. ويبدو أن الدول التي تدعم الجماعات الإرهابية تقبل بهذا المقترح بعد فشل مخططاتهم بشأن بغداد. ويعتقد الكثيرون أن “الرؤية التصالحية السعودية الجديدة” حيال العراق هو اعتراف نسبي بالفشل. وهم يريدون الآن تدعيم قوة أهل السنة في المحافظات السنية بالعراق. ولذا يتخوف الكثيرون من مصير الموصل في مرحلة ما بعد داعش.. فهل لايزال السناريو الخطير موجوداً في عقيدة الأجهزة الأمنية؟