زيارة “شي” المرتقبة تخشاها “واشنطن” .. هل غيرت السعودية طريقها تجاه الصين ؟

زيارة “شي” المرتقبة تخشاها “واشنطن” .. هل غيرت السعودية طريقها تجاه الصين ؟

وكالات – كتابات :

تستشرف الباحثة المتدربة؛ “أكاسيا نيوغي”، آفاق علاقات “الصين” و”السعودية”، وذلك في تقرير نشره موقع (منظمة السلام العالمي)، وهي منظمة غير ربحية تعمل على تعزيز الحلول والبدائل السلمية للقضايا المعقدة في جميع أنحاء العالم، وهي كذلك منصة للخبراء الناشئين في مجال العلاقات الدولية والتحليل السياسي وحفظ السلام والدبلوماسية والتنمية.

تستهل الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أن “المملكة العربية السعودية” دعت الرئيس الصيني؛ “شي جين بينغ”، لزيارة “الرياض”، في آيار/مايو 2022، وفقًا لمقال نشرته صحيفة (وول ستريت جورنال)؛ نُشر في 14 آذار/مارس 2022.

الصين والسعودية: تحالف جيوسياسي محتمل..

وتلفت الكاتبة إلى أن خبراء في علاقات الشرق الأوسط يتوقعون أن تمُثل هذه الزيارة خطوة إستراتيجية للمملكة نحو تعزيز العلاقات الإستراتيجية مع شريكها التجاري القديم في الشرق. وستُشكِّل هذه الزيارة، في سياق الغزو الروسي الأخير لـ”أوكرانيا” والتوترات المتنامية في العلاقات “السعودية-الأميركية”، تمهيدًا للتحالفات الجيوسياسية بين البلدين.

بدأت علاقات “السعودية” مع “الصين”؛ في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي؛ عندما رتبت المملكة سرًّا صفقة أسلحة مع “الصين” لدعم الأولى بأسلحة يمكن استخدامها للدفاع أثناء الحرب “الإيرانية-العراقية”. وتبادلت “الصين” صواريخ متوسطة المدى مع “السعودية”، في وقت لم تكن أي دولة غربية على استعداد للقيام بذلك. ومنذ إبرام صفقة الأسلحة هذه، حافظت “الصين” و”السعودية” على علاقات تجارية إيجابية.

ومع ذلك؛ فقد تحولت العلاقات بين الدولتين إلى حدٍّ كبير بعيدًا عن الأسلحة والأمن الإستراتيجي، واتجهت نحو التركيز على مجالي الطاقة والتجارة. وتُعد “الصين” حاليًا أكبر مستورد لـ”النفط الخام” في العالم، والشريك التجاري الأكثر حيوية لـ”السعودية”، والتي تُعد بدورها أكبر مصدر لـ”النفط الخام” في العالم، وفقًا لمعهد (بروكينغز).

توتر العلاقات مع “أميركا”..

وأوضحت الكاتبة؛ أن زيارة “شي جين بينغ”، المحتملة لـ”السعودية” قد لا تبدو غريبة في ظل الظروف العادية، وذلك في ضوء العلاقات التاريخية بين البلدين. ومع ذلك، جذبت التوترات العالمية الأخيرة مزيدًا من الاهتمام إلى اجتماع الرئيس الصيني مع ولي العهد السعودي؛ الأمير “محمد بن سلمان”. وعلى وجه التحديد، قد يكون لدور “السعودية”؛ بوصفها وسيطًا محتملًا في الغزو الروسي المستمر لـ”أوكرانيا” بحسب الكاتبة، جنبًا إلى جنب مع علاقات المملكة المتقلصة مع “الولايات المتحدة”، تأثيرات كبيرة على ما سينجم عن زيارة “شي”.

وكانت “الولايات المتحدة”؛ طوال التاريخ الحديث، الحليف السياسي الإستراتيجي الرئيس لـ”السعودية”. وقد استمر ذلك طوال فترة رئاسة؛ “دونالد ترامب”، الذي دعم المملكة علنًا وحافظ على علاقة ودية مع ولي العهد “محمد بن سلمان”. ومع ذلك، خلال فترة رئاسة “ترامب”، إزداد ضغط منظمات حقوق الإنسان الغربية على الحكومة الأميركية لممارسة ضغوط على النظام السعودي، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها المملكة. ففي ظل حكم الملك “سلمان” ونجله، الزعيم الفعلي، أطلقت “السعودية” تدخلًا عسكريًّا: “كارثيًّا” في الحرب الأهلية اليمنية، والتي كان لها: “خسائر مروعة في صفوف المدنيين ودفعت البلاد إلى حافة المجاعة”، بحسب صحيفة (لوس أنغلوس تايمز).

تُضيف الكاتبة: من المعروف أن القيادة السعودية تضطهد وتُعاقب المعارضين السياسيين الذين يتحدثون علانية ضد نظامهم. ولعل المثال الأساس والأكثر أهمية من الناحية السياسية على تلك الممارسة هو الاغتيال الوحشي؛ لـ”جمال خاشقجي”، الصحافي الذي انتقد الحكومة السعودية علانية في مقالاته لصحيفة (واشنطن بوست). وردًّا على ذلك، تحدث الرئيس؛ “جو بايدن”، طوال حملته الانتخابية والانتخابات اللاحقة ضد الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السعودية، وخاصة ضد ولي العهد. وعندما سُئل “بايدن”؛ في الانتخابات التمهيدية للحزب (الديمقراطي) عن مستقبل علاقات “الولايات المتحدة” مع “السعودية”، بالنظر إلى الإجراءات الموضحة أعلاه، قال “بايدن”: “أوَدُّ أن أوضِح أنَّنا، في الواقع، لن نبيع المزيد من الأسلحة لهم، بل سنجعلهم يدفعون الثمن، وسنجعلهم منبوذين”.

وقد وفَّت إدارة “بايدن” بهذه الوعود السياسة. وكان المثال الأول على ذلك هو نشر إدارة “بايدن” لتقرير استخباراتي؛ في عام 2021، والذي ربط ولي العهد بوفاة “خاشقجي”. وكذلك رفض “بايدن” التحدث مع ولي العهد؛ وحاول فقط تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع الملك “سلمان”. وبالإضافة إلى ذلك، وفقًا لتقرير صادر عن مركز (ويلسون)، أزال “بايدن” المتمردين “الحوثيين” في “اليمن” من قائمة المنظمات الإرهابية وعلَّق بيع الأسلحة “الهجومية” للحكومة السعودية. ومع ذلك، تواصل “الولايات المتحدة” المشاركة في مبيعات الأسلحة للدولة السعودية.

ما وراء الاتجاه نحو “الصين” ؟

ونوهَّت الكاتبة إلى أن تداعيات تدهور العلاقات بين “واشنطن” و”الرياض” لم تتضح بعد، ومع ذلك، وفقًا لـ”ستيفن كالين”، كبير مراسلي الشرق الأوسط لصحيفة (وول ستريت جورنال)، الذي يُتابع العلاقات “الأميركية-السعودية” عن كثب، فقد يكون هذا الاتجاه هو دافع “السعودية” للتطلع إستراتيجيًّا نحو “الصين”.

وقال “كالين”، في ظهوره ضيفًا في (بودكاست) الأحداث الجارية الذي تُبثه (وول ستريت جورنال): “يشعر السعوديون بأن السياسة الأميركية لا يمكن التنبؤ بها ومستقطبة لدرجة أنهم لا يستطيعون التأكد حقًّا مما إذا كانت الإدارة القادمة ستكون صديقة أو معادية لهم”. وبالإضافة إلى ذلك، يقول “كالين” إن القيادة الصينية، التي تظل كما هي لفترات أطول من الزمن، تُقدم خيارًا أكثر قابلية للتنبؤ للحكومة السعودية. ويرى “كالين” أنه وفي حين أن “السعودية” لن تتجاهل بالضرورة علاقتها الرئيسة مع “الولايات المتحدة”، فسيكون هناك دفعة متزايدة من أجل “تنويع” العلاقات الدبلوماسية.

وقد يكون هذا “التنويع” في العلاقات الخارجية مصدر قلق متزايد للمجتمع الدولي، لا سيما بالنظر إلى الأزمة الحالية في “أوكرانيا”. ووفقًا لمقال آخر نشرته صحيفة (وول ستريت جورنال)، رفضت “السعودية” بالفعل الاصطفاف مع “الولايات المتحدة”، التي: “أرادت حشد الدعم الدولي لأوكرانيا واحتواء الارتفاعات في أسعار النفط”. وتُعد “السعودية” دولة محورية للمجتمع الدولي في هذه الأزمة، والأهم من ذلك أنها أكبر مُصدر لـ”النفط”. ومع تعرض العالم لنقص كبير في الطاقة، وارتفاع أسعار “الغاز”، وتحديدًا في “الولايات المتحدة”، هناك ضغط متزايد من الدول الغربية على المملكة لإنتاج المزيد من “النفط الخام”، ذلك أن الدولة قادرة حاليًا على إنتاج أكثر من مستوياتها الحالية.

ومع ذلك، رفضت “السعودية” القيام بذلك، إلى جانب “الإمارات العربية المتحدة”، وهي دولة ريعية أخرى. والسبب الرئيس لذلك هو أن “السعودية” ترغب في الإلتزام بالمباديء التوجيهية التي حددتها “منظمة البلدان المصدرة للنفط”؛ (أوبك). وأقامت (أوبك) تحالفات في مجال الطاقة مع “روسيا”، مما دفع السعوديين لبناء علاقات أوثق مع الحكومة الروسية. وأمتنعت كل من “الصين” و”السعودية” عن التوقيع على خطاب “الأمم المتحدة” الذي ينتقد الغزو الروسي لـ”أوكرانيا”. ومن المحتمل جدًّا أنه إلى جانب التعاون الاقتصادي المتزايد بين هذه الدول، قد تبدأ التحالفات الإستراتيجية في التطور – والتي، إذا حدثت، ستكون تهديدًا متزايدًا للنفوذ الغربي في جميع أنحاء العالم.

بالإضافة إلى ذلك، رفض كلا جانبي التحالف “السعودي-الصيني”؛ إدانة كل منهما الآخر لانتهاكات حقوق الإنسان؛ ففي حين ارتكبت “السعودية” الفظائع الموضحة آنفًا، واصلت “الصين” الإبادة الجماعية لمسلمي “الإيغور”. ولم تتطرق “الصين” للانتهاكات في “السعودية” ولم تُعاقبها عليها، وفعلت المملكة الشيء نفسه فيما يتعلق بالإبادة الجماعية المستمرة التي تُمارسها “الصين” بحق مسلمي “الإيغور”. وقد تؤدي القوة الاقتصادية والسياسية المتزايدة لهذه البلدان، ولا سيما مع استمرار صفقات الأسلحة بين البلدين، إلى زيادة تفاقم هذه الأزمات؛ بحسب مزاعم الآلة الدعائية الأميركية التي لا يخرج التقرير عن قطيعها.

دور “أميركا” في المنطقة..

وأشارت الكاتبة إلى أن “الولايات المتحدة” تُعيد حاليًا تركيز تحالفاتها الإستراتيجية لتكون أكثر تركيزًا نحو “آسيا”، وتحديدًا مع “الصين”. وفرضت إدارة “بايدن” بالفعل عقوبات على “الصين” بسبب معاملتها لمسلمي “الإيغور”. وفي حين أن هذه الجهود، بالإضافة إلى العقوبات المفروضة على “السعودية”، هي خطوات في الاتجاه الصحيح بحسب رأي الكاتبة الموجه، إلا أن هناك مسألة أكبر تؤثر في النتيجة. فطوال هذه الفترة من العقوبات والسياسة ضد “السعودية”، انتقد عديد من السعوديين الدور التاريخي لـ”الولايات المتحدة” في الشرق الأوسط. وعلى وجه التحديد، ألقى السعوديون باللوم على التدخل الغربي في عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي الكبير داخل المنطقة.

وتُضيف الكاتبة: بعد انسحاب القوات الأميركية من “كابول”؛ في عام 2021، هناك شعور متزايد لدى أولئك الذين يعيشون في الشرق الأوسط بأن “الولايات المتحدة” قد تخلت عن المنطقة بوصفها شريكًا إستراتيجيًّا. وقد يكون هذا سببًا آخر لقيام دول مثل “السعودية” بالانتقام من “الولايات المتحدة” عبر التحالفات الجيوسياسية.

وتختم الكاتبة تقريرها فتقول: بعد زيارة “شي” المرتقبة لـ”السعودية”، سيكون لدى إدارة “بايدن” نظرة ثاقبة على مستقبل التحالفات الجيوسياسية بين الدول الشرقية. ومن الضروري أن تواصل “الولايات المتحدة” معاقبة تلك الحكومات على الجرائم الإنسانية التي ترتكبها، ولكن من الضروري كذلك أن تصون العلاقات الدبلوماسية للحفاظ على الانخراط طويل الأمد في كل من منطقتي الشرق الأوسط وآسيا. وهذا يُمثل أهمية كبيرة على وجه التحديد فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية، وذلك لأن بناء علاقات أفضل مع “السعودية” قد يمنع المزيد من التحالفات الجيوسياسية للمملكة مع “روسيا”، وذلك لمنع المزيد من الدعم الاقتصادي لغزوها؛ بحسب مزاعمها.

أخبار ذات صلة

أخبار ذات صلة