خاص: كتبت- نشوى الحفني:
يتجه رئيس الوزراء الهندي؛ “ناريندرا مودي”، إلى “بكين”، للقاء الرئيس الصيني؛ “شي جين بينغ”، في زيارة ستكون الأولى من نوعها منذ 2018، ما يمنحها أهمية مضاعفة؛ خاصة أنها تأتي بعد سنوات من التوتر إثر اشتباكات حدودية دامية عام 2020.
وفي حين تُعدّ الزيارة محاولة لإعادة ضبط العلاقات الثنائية، فإنها تعكس في الوقت نفسه اتفاق البلدين على فلسفة: “الاستقلال الاستراتيجي” لسياستهما الخارجية.
وترفض “بكين” و”نيودلهي” الانحياز الكامل إلى الغرب أو الانخراط في تكتلات أمنية بقيادة “واشنطن”.
وتشترك “الصين” و”الهند” في عدة سمات؛ فكلتيهما ترى نفسها: “دولة حضارية” تسعى لقيادة الجنوب العالمي، كما تُطالب “بكين” و”نيودلهي” بنظام دولي متعدَّد الأقطاب أكثر عدالة.
والأولوية لدى البلدين هي التنمية الاقتصادية الداخلية، مع الحرص على أن يُنظَر إليهما كقوى: “إصلاحية” لا كقوى معادية للغرب.
رسوم “ترمب” الجمركية..
قال تقرير لشبكة (سي. إن. إن) الأميركية؛ إن الرسوم الجمركية الإضافية التي فرضّها الرئيس؛ “دونالد ترامب”، على “الهند”، دفعت بحليف “الولايات المتحدة” الرئيس في “جنوب آسيا” إلى مسافة أقرب من جارتها “الصين”، رغم ما بينهما من خلافات ونزاعات حدودية.
وأكد التقرير؛ أن: “العلاقة التي تجمدّت بعد اشتباك مميَّت في جبال الهيمالايا قبل (05) سنوات بدأت تذوب تحت وطأة الضغوط الاقتصادية للرئيس الأميركي؛ دونالد ترمب”.
وبعد دخول التعريفات الإضافية؛ أمس الأول، حيز التنفيذ، بدأ رئيس الوزراء الهندي؛ “ناريندرا مودي”، استعداداته لزيارة “الصين” لأول مرة منذ عام 2018، لحضور قمة منظمة (شنغهاي) للتعاون برعاية الزعيم الصيني؛ “شي جين بينغ”.
ذوبان الجليد بين الدولتين..
وبحسّب التقرير؛ فحضور “الهند” في هذا الحدث يُعدّ المثّال الأبرز حتى الآن على العلاقات الدافئة بين القوتين الآسيويتين، واحتمالات إعادة تنظيم علاقتهما، مما يُهدّد بإلغاء الجهود الأميركية التي استمرت لسنوات لتنمية “نيودلهي” كقوة موازنة في مواجهة “الصين” الصاعدة والمتزايدة الحزم.
في حين أن ذوبان الجليد في العلاقات المتوترة بين “الهند” و”الصين” كان جاريًا بالفعل، يقول المحللون إن سياسات “ترمب”: “أميركا أولًا” تدفع الزعيمين، اللذين بنّيا علاقاتهما السياسية على أساس متين من القومية، إلى استكشاف شراكة ضرورية.
ووصف التقرير فرض “ترمب” للرسوم الجمركية على مشتريات “الهند” من “النفط الروسي”؛ بالأمر الصعب للغاية على “مودي”، الذي كان يتمتع بعلاقة صداقة ناشئة مع “ترمب” خلال فترة ولاية الرئيس الأميركي الأولى.
خسارة “الهند” أسوأ نتيجة لـ”واشنطن“..
وقال “مانوغ كيوالراماني”؛ رئيس دراسات منطقة المحيطين “الهندي والهاديء” في مركز أبحاث مؤسسة (تاكشاشيلا) في مدينة “بنغالورو” الهندية؛ إن التهديد بالرسوم: “أضفى قدرًا من الإلحاح” على تحول “نيودلهي” نحو استقرار علاقتها مع “بكين”. ومع ذلك؛ قال إن ذلك ليس: “الدافع الرئيس” لإعادة ضبط العلاقات، حيث تسعى كل من “الهند” و”الصين” إلى استقرار علاقتهما بما يخدم مصالحهما الوطنية.
وعملت الإدارات المتعاقبة في “البيت الأبيض” على تعزيز العلاقات الاستراتيجية مع “الهند” من خلال نقل التكنولوجيا والتدريبات العسكرية المشتركة، بالتعاون مع أكبر ديمقراطية في العالم لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد في منطقة المحيطين “الهندي والهاديء”.
وقال محللون إن خسارة “الهند” ستكون: “أسوأ نتيجة” للولايات المتحدة.
انفراجة على يد “ترمب”..
وعقب اجتماع بين وزير الخارجية الصيني؛ “وانغ يي”، ورئيس الوزراء؛ “مودي”، في “نيودلهي”، الأسبوع الماضي، أقر الجانبان بالتحسَّن الأخير في علاقتهما المتوترة.
وقال الزعيم الهندي: “لقد حققت العلاقات (الهندية-الصينية) تقدمًا مطردًا بفضل احترام مصالح وحساسيات كل منهما”. “ستَّساهم العلاقات المسَّتقرة والمتوقعة والبناءة بين الهند والصين بشكلٍ كبير في السلام والازدهار الإقليمي والعالمي”.
وترى “بكين”؛ وفقًا لـ”يون صن”، مدير برنامج الصين في مركز (ستيمسون) للأبحاث في “واشنطن”، أن: “هذا الانفراج بدأه ترمب بالتأكيد”.
قال “صن”: “لم تُعدّ الهند قادرة على التظاهر بأنها لا تزال تحظى بدعم قوي من واشنطن”. لذلك، ترى “بكين” أنه نظرًا لتراجع “الولايات المتحدة”، يتعين على “الهند”: “إعادة تقيّيم سياستها الخارجية وتحسّين علاقتها مع الصين”.
تدهور العلاقات مع “الولايات المتحدة”..
وبحسّب مجلة (فورين بوليسي) الأميركية، انشغل العالم في تشرين أول/أكتوبر 1962، بأزمة الصواريخ الكوبية بينما اندلعت حرب حدودية بين “الصين” و”الهند”.
ورغم مرور أكثر من ستة عقود، يُعيدّ التاريخ نفسه بطريقة مختلفة.
ففي الوقت الذي تتركز فيه الأنظار على مسّار الحرب الأوكرانية وإمكانية التقارب بين “الولايات المتحدة” و”روسيا”، تتطور العلاقة بين “الصين” و”الهند” لتُصبّح ذات وزن أكبر بكثير مما كانت عليه في الماضي.
تجلّى هذا التوافق بين “الهند” و”الصين” في تصويتهما المتشَّابه داخل “الأمم المتحدة”، ودعمهما لنُظُم بديلة عن البُنية المالية الغربية، إلى جانب تقاربهما مع أنظمة غير ديمقراطية في “آسيا وإفريقيا”. على حد تعبير المجلة الأميركية.
وأشارت (فورين بوليسي)؛ إلى أن أحد العوامل المحورية وراء التقارب بين البلدين هو تدهور علاقاتهما مع “الولايات المتحدة”.
وترى “الصين” أن “واشنطن” شريك غير موثوق، في حين توترت علاقة “الهند” مع “الولايات المتحدة” بسبب الانتقادات الغربية لسجلها الديمقراطي وحقوق الإنسان، فضلًا عن خلافات تجارية وسياسية، مثل اغتيالات يُشتبه بضلوع “نيودلهي” فيها بالخارج.
وتُضيّف أن الوضع ازداد سوءًا مع فرض إدارة الرئيس الأميركي؛ “دونالد ترمب”، تعريفات جمركية قاسية على “الهند”، ووصفها: بـ”الاقتصاد الميت”، وهو ما جاء بالتزامن مع التقارب المفاجيء بين “الولايات المتحدة” و”باكستان”.
وهذا التراجع في العلاقات “الأميركية-الهندية” دفع “نيودلهي” إلى إعادة تقيّيم دورها داخل منظمة (شنغهاي) للتعاون، بعدما كانت مترددة في إضفاء أهمية كبرى على المنظمة؛ لكنها تنظر إليها اليوم كمنصة بديلة لتعزيز التعاون الإقليمي في مواجهة الغرب.
إحياء محور “روسيا-الهند-الصين”..
ومن أبرز النقاط التي يُراقبها المحللون إمكانية إحياء محور “روسيا-الهند-الصين”؛ الذي تأسس في تسعينيات القرن العشرين، كمنصة لتنسّيق المواقف ضد الهيمنة الغربية.
وإذا حدث هذا فسيكون إشارة على استعداد أكبر لدى الدول الثلاث على التنسيّق بشأن قضايا كبرى مثل إصلاح النظام المالي العالمي وتسوية التجارة بالعُملات المحلية، وتقليل الاعتماد على الدولار.
شكوك متبادلة..
رغم بوادر الانفراج بين “الهند” و”باكستان”؛ لا تزال الشكوك المتبادلة قوية، فالنزاع الحدودي بين البلدين لم يتم حله، إضافة إلى عددٍ من القضايا الشائكة مثل مستقبل “إقليم التبت”، ومشروعات “الصين” المائية الضخمة، وعلاقتها “الوثيقة” مع “باكستان”؛ والتي تظل جميعها نقاط خلافية رئيسة.
من جانبٍ آخر؛ يُثّير التنافس على النفوذ في “جنوب آسيا”، الحذر في “نيودلهي”، حيث تُقيّم “بكين” شراكات اقتصادية وأمنية متنامية مع جيران “الهند”.
إشارات لتجاوز الخلافات..
ومع ذلك؛ هناك إشارات على استعداد الطرفين لتجاوز الخلافات فزيارة وزير الخارجية الصيني الأخيرة إلى “نيودلهي” تضمنت اتفاقًا على: “إطار عادلٍ ومعقول” لتسّوية مسألة الحدود، إضافة إلى إجراءات لتسهيل حركة الأفراد واستئناف الرحلات الجوية المباشرة.
وفي الوقت نفسه؛ تلعب الحاجة الاقتصادية دورًا حاسمًا، حيث تسعى “الهند” لأن تُصبّح مركزًا صناعيًا عالميًا لكنها لا تستطيع الاستغناء عن المكونات والمواد الخام الصينية.
وأخيرًا؛ قد لا يُمثّل هذا التقارب تحالفًا استراتيجيًا صلبًا، إلا أنه يُظهر أن الرهان الغربي على “الهند”: كـ”موازن استراتيجي” للصين لم يُعدّ واقعيًا.
فعلى العكس؛ قد يتحرك البلدان نحو سياسات خارجية أكثر تنسيقًا، بما يُعزّز النظام الدولي متعدَّد الأقطاب ويُضعف ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأميركية لاحتواء “بكين”، وفق المجلة.