خاص: ترجمة- د. محمد بناية:
بدأت العقوبات الغربية ضد “روسيا” بشأن “أوكرانيا”؛ في العام 2014م، في أعقاب ضم “شبه جزيرة القرم” إلى “روسيا”. كان لهذه العقوبات؛ في ذلك الوقت، تأثير ملحوظ على “آسيا الوسطى”. بحسب ما استهل “معهد الدراسات الشرقية الاستراتيجية” الإيراني في تحليله الذي أعده ونشره.
ومع ذلك؛ فإن الموجة الجديدة من العقوبات المفروضة على “روسيا”؛ بعد شباط/فبراير 2022م، والتي تُعد واحدة من أكبر وأشد تدفقات العقوبات في الفترة المعاصرة، خلقت توقعات بحدوث تأثيرات أعمق وأكثر جدية.
في السياق ذاته، اختلفت ردود أفعال دول “آسيا الوسطى” تجاه هذه العواقب والنتائج، وطبقت سياسات جديدة في برامجها الاقتصادية.
في هذا التقرير، نُحاول تحليل هذه التأثيرات واتجاهاتها من خلال دراسة بعض المؤشرات الاقتصادية.
تحليل التداعيات الاقتصادية..
يُعرف الاقتصاد الوطني للدول من خلال الناتج المحلي الإجمالي، ويُعد هذا المؤشر المعيار الأكثر دلالة لتقييم الاتجاهات الاقتصادية للدول.
وقد لاحظنا، بعد الحرب الأوكرانية، نموًا ملحوظًا، وغياب أي مسار هابط في الناتج المحلي الإجمالي لدول وسط آسيا خلال الفترة (2021-2023م)؛ وكان متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال هذه الفترة كالتالي: (15.4%) بالنسبة لـ”كازاخستان”، و(14.3%) بالنسبة لـ”أوزبكستان”، و(16.1%) بالنسبة لـ”طاغيكستان”، و(10.3%) بالنسبة لـ”تُركمانستان”، و(23.2%) بالنسبة لـ”قيرغيزستان”.
وهذا النمو بنسبة أكثر من: (10%) في الناتج المحلي الإجمالي لدول “آسيا الوسطى”، إنما يعني أن تأثير الحرب الأوكرانية على اقتصاد هذه الدول كان إيجابيًا، أو وجود عوامل نمو أخرى كانت بمثابة أرضية لتغطية مكونات الانخفاض الناجمة عن الحرب في “أوكرانيا”.
في حين أن جميع دول “آسيا الوسطى” قد شهدت باستثناء “أوزبكستان” اتجاهًا تنازليًا بعد عقوبات العام 2014م استمر حتى العام 2016م.
ويبدو أن الوضع كان مشابه أيضًا بالنسبة للتضخم. وكان المتوقع، بالنظر إلى ارتباط عُملات دول “آسيا الوسطى” بالعُملة الروسية، أن تشهد هذه الدول موجة تضخم كبيرة بالنظر إلى انهيار قيمة الروبل بنحو (100%) خلال العام 2022م، لكن الطريف أن مسّار التضخم قد اتخذ منحى هابط باستثناء “قيرغيزستان” و”أوزبكستان”.
فقد تراجعت مؤشرات التضخم في “قيرغيزستان وطاغيكستان”، اللتان تعتمدان بشكلٍ كبير على الاقتصاد الروسي بسبب اعتماد الناتج المحلي الإجمالي على تحويلات العمال المهاجرين. ورغم النمو بنسبة (0.5%) في “أوزبكستان” خلال العام 2022م، فقد عاد التضخم في العام 2023م؛ إلى المسار الهابط؛ بل ووصل إلى أقل من مستوى تضخم عام 2021م.
لكن شهدت “كازاخستان” فقط، خلال هذه الفترة، ارتفاعًا نسبيًا في معدلات التضخم وصل إلى (14.5%) ولعل السبب يرتبط بالتطورات بعد كانون ثان/يناير 2022م، والتغييرات الجذرية في الهيكل السياسي للبلاد.
وعليه فقد تم احتواء العواقب الاقتصادية للحرب على “أوكرانيا” فيما يخص معدلات التضخم. بينما أظهرت تغيرات أسعار العُملات الوطنية مقابل الدولار نتائج مختلفة، ففي العام 2022م، انخفضت العُملات الوطنية لدول “آسيا الوسطى” باستثناء (المنات) التُركمانستاني، مقابل الدولار الأميركي، لكن وفي منتصف العام نفسه، عاد مسار انخفاض قيمة العُملات الوطنية لدول المنطقة إلى نفس المسار الذي كان عليه خلال الفترة (2020-2022م)، والذي تأثر بشكلٍ رئيس بالسياسات النقدية والمالية ونظم الصرف المحلية.
من ثم يمكن القول: كان للصدمة التي تعرض لها الروبل مقابل الدولار تأثير نفسي ملحوظ على قيمة العُملات الوطنية في “آسيا الوسطى”، قبل أن تستقر سريعًا.
وفي مجال التجارة أيضًا، يمكن الوصول إلى نتائج تحليلية مهمة. وتثبت التقديرات الأولية أن إجمالي التجارة الخارجية لجميع هذه الدول شهد نموًا نسبيًا في فترة ما بعد الحرب الأوكرانية.
كما سجلت صادرات “أوزبكستان وطاغيكستان وتُركمانستان” نموًا مستدامًا؛ بينما شهدت “قيرغيزستان وكازاخستان” تراجعًا نسبيًا في الفترة (2022-2023م) أما بالنسبة للواردات، فقد شهدت جميع هذه الدول باستثناء “تُركمانستان” نموًا ملحوظًا.
لذلك لم يكن للحرب الأوكرانية، بشكلٍ عام، تأثير واضح على اتجاهات التجارة الخارجية لهذه الدول، رغم تأثيرها العميق على المجال الجيواقتصادي، وخاصة نقل البضائع عبر “روسيا” ومن خلال بنيتها التحتية.
النتيجة..
تُشير المؤشرات الاقتصادية الرئيسة في “آسيا الوسطى”، مثل الناتج المحلي الإجمالي، والتضخم، وسعر الصرف مقابل الدولار، وبيانات التجارة الخارجية، إلى محدودية تأثر الاقتصادات الإقليمية جراء تطورات الحرب الأوكرانية؛ وخاصة العقوبات الغربية ضد “روسيا”.
وباستثناء العام 2014م، لم تترك هذه العقوبات تأثيرًا متسلسلًا على هذه المنطقة، وبالتالي فإن تغيير نظام العقوبات الغربية ضد “روسيا” لن يؤثر سلبًا مباشر مباشر على اقتصادات هذه الدول.