خاص / بغداد – كتابات
في العام 2001 أعلن في بغداد عن الدورة الخامسة لمهرجان المسرح العراقي وهي ستمتد من 28 شباط (فبراير) – 6 آذار (مارس)، فيما اختارت “دائرة السينما والمسرح” التابعة لوزارة الثقافة عنواناً للدورة هو “نحو مسرح يليق بالعراقيين ويستنهض همم المبدعين“.
وفي حينها قال مدير عام الدائرة الشاعر فاروق سلوم في تصريحات صحافية ان اللجنة العليا للمهرجان وجهت الدعوة الى الفرق المسرحية والأهلية في بغداد والمحافظات للمشاركة في المهرجان بنصوص مسرحية حدّد لها سلوم ان “تستلهم توجيهات” الرئيس صدام حسين تلك التي أعرب عنها أثناء لقائه بفريق عمل مسرحية “اكتب باسم ربك”.
وكان الرئيس العراقي أوصى ان يكون خطاب تلك المسرحية “قدوة” و”نهجاً” للمسرحيات في العراق، لا سيما انها حاولت عرض قضية الحصار ومآسيها بطريقة عاطفية، من دون اثارة الأسئلة عن جوانب موضوعية وفكرية تضمنتها نتائج الحصار على الصعيدين الإنساني والإجتماعي في العراق.وانطلاقاً من هذا الإطار يضيف فاروق سلوم قائلاً: “ستكون دورة المهرجان تظاهرة للمسرح الجاد الذي يعبر عن التصاق المسرح العراقي بقضايا الوطن والأمة، وفي اطار من الابتكار والابداع الذي يرقى الى مستوى التحدي والجهاد الكبير الذي خاضه شعبنا على مدى أكثر من عشر سنوات ضد العدوان والهيمنة والحصار“.
والى العروض المسرحية، سينطوي المهرجان على جلسات نقدية تعقد بمشاركة أبرز نقاد المسرح في العراق لتسليط الضوء على العروض المشاركة شكلاً ومضموناً على صعيد النص والتمثيل والاخراج. اضافة الى اقامة ملتقى مسرحي يناقش ضمن محاور متعددة شعار المهرجان وبمشــاركة اطراف الحــركة المســرحية والأسماء الأساسية من فنانين ومؤلفين ومخرجين ونقاد وفرق مســرحية. كذـلك سيتضمن معارض وثائقية وأخرى فوتوغرافية تكشف مراحل من مسيرة المسرح العراقي.
المشاعر الولائية!
الجانب الذي يكشفه الحدث وتصريحات السيد فاروق سلوم، يعمق سيطرة الدعاية الفكرية والحزبية للسلطة، أيا كانت تلك السلطة على الثقافة العراقية ونتاجها، وهو ما كشفه انهماك مسرحيين عراقيين في “مؤتمر المسرح الحسيني الأول” الذي عقد في العام 2009 تملقا لثقافة السلطة الحاكمة، فيقول الدكتور قاسم مؤنس من كلية الفنون الجميلة، “يحمل المؤتمر قضية مهمة تمثل تاريخ العراق، قضية انسانية تأسس لمسرح يستوعب الطقوس ـ والمشاعر الولائية ـ محاولة لترسيخ الجانب الحسيني الديني فنيا، وقد حرص اساتذة مهمون في الحركة الفنية المسرحية للنهوض بهذه المهمة وسترافق ان شاء الله هذا المؤتمر عروض مسرحية تعرض التجربة عمليا“.
وبلغة النخبة المثقفة التي تحاول التغطية على خواء دورها، يستخدم الدكتور يوسف رشيد وهوناقد مسرحي واستاذ في كلية الفنون الجميلة، عبارات ضخمة لكنها في الحقيقة لا تعني كما في عبارة “اشتراطات الوعي الكلي” قائلا في تصريح عن مؤتمر المسرح الحسيني بكونه يمثل “الخطوة الاولى لمشروع فني يهدف الى تأطير شكل المسرح حسيني حيوي كمسرح فاعل يختلف النص المسرحي من حيث نوع التطهير الذي يمكن ان يثيره هذا النوع من المسرح لكون الانفعال يمتلك اشتراطات الوعي الكلي“.
وفي الإطار التلفيقي ذاته يقول الدكتور علي كاطع خلف من قسم اللغة العربية ـ كلية الاداب ـ جامعة الكوفة “تعود جذور المسرح الى أصول دينية وفي العصور الوسطى نشأت المسرحية بموضوعات مأخوذة من الأنجيل … وعدم امتلاك الاسلام لهذا الفن كان وما زال مثار استغراب ولذلك يرى البعض انه موجود والقسم الآخر يتنكر لوجوده بينما هناك ظواهر مسرحية كثيرة مثل مسرح الحكواتي وخيال الظل ومسرح السمار والمسرح الاحتفالي وغير ذلك، وتناسوا الشعائر الحسينية التي لم يكتب لها التطور لتتحول الى فن مسرحي متكامل“.
وبدلا من مناقشة أكاديمية رصينة لمشكلات تحيق بالثقافة العراقية وأبرزها صعود قيم التحريم التي تطال الفنون الرفيعة، يبحث عماد العبيدي من كربلاء “المقتربات الدرامية بين التشابيه الحسينية ومسرح الشارع ” مؤكدا إن “التشابيه جمع تشبيه والتمثيل معناها الذي يقرب التشابيه من فن التمثيل المسرحي لشرح فاجعة كربلاء، واصولها الدرامية الاولى غير واضحة الملامح لأنها مرتبطة بنشأة التشابيه ذاتها وهي نشأة مجهولة بسبب الاقصاء المتعمد من ذوي السلطة لأهل البيت (ع) ومحبيهم منذ واقعة الطف الخالدة الى اليوم بطرق مختلفة“.
وليس بعيدا عن لغة التملق هذه جاء بحث “التعازي الشيعية بين الشعائرية والتمسرح“، للأديبعبد علي حسن ـ بابل، “لعدم وجود التناقضات الداخلية عند المسلم ولعدم اكتشاف امكانيات اللغة المسرحية غاب المسرح من مفردات التعامل الفني الا في قيم التعازي الشيعية التي اعطت الاسلام الشكل الدرامي المرتكز على الصراع بين الشرعي واللاشرعي نهوض الحسين عليه السلام بوجه الانحراف الاموي“.
أستاذ جامعي أم روزخون؟
وعلى المنوال ذاته تبحث الدكتورة سلوى محسن حميد الطائي من بابل في “الدلالات الللونية للأزياء في الطقوس الحسينية“، فهي ترى إن “(الراية البيضاء) دلالة الطهارة والنقاء و(الراية الخضراء) رمز العلويين ويروي تاريخيا انه علم أبي الفضل العباس يوم الطف وعمامة الامام الحسين عليه السلام وغطاء رأس الرضيع وقماطه و (الراية الحمراء) دلالة الدم والقتل وترفع يوم العاشر من محرم واما الزي الاحمر من الوان البهرجة وهو زي (الشمر عمر بن سعد،يزيد، ودلالة عسكر ابن سعد ويميز ابن سعد عنهم بالخوذة ذات الريش الملون رمز القيادة وتستخدم هذه الالوان دلالات فاللاعلام والرايات السوداء دلالة الحزن والالم وهو زي المسبيات و(الزي الابيض والبني) زي الشهداء من أصحاب الحسين عليهم السلام ويتم اختيار الحصان بهذا اللون ليمثل (الميمون) فرس الحسين مع تلوين السرج باللون والصبغة الحمراء دلالة على الدماء التي سالت وكذلك يكون الابيض والفضي لونا السيوف وتلطخ سيوف العسكر بالاحمر وتصنع الكف من القماش الابيض وتصبغ باللون الاحمر ويرفع فوق عمود يحمله بعض الافراد ليمثل كف ابي الفضل عليه السلام الدروع والخيام المنصوبة والمهد الخالي ادوات خاصة للتشابيه فنجد ان طبيعة الانتقاء والقصدية للأدوار والالوان فطريا باختلاف اسلوب التعبير“.
والسؤال هنا ما الفرق بين دور الأستاذ الجامعي الذي يفترض أن يكون دورا تنويريا مشتبكا مع قضايا الراهن العراقي المعقة، وبين الروزخون والقارىء لمرويات التعزية الحسينية؟ ليأتي المخرج والناقد المسرحي ياسر عبد الصاحب البرّاك من ذي قار ويؤكد دور المثقف وقد صار تابعا لثقافة السلطة التي تستخدم مأثرة الإمام الحسين للتغطية على فشلها ونهبها البلاد “إختلف الباحثون في تجنيس التعزية، فمنهم من رأى فيها مجرّد شعيرة دينية أو طقساً مذهبياً، وآخرون ذهبوا إلى أنه يمكن إعتبارها مسرحاً متكاملاً أسموه (مسرح التعزية)، بينما وصفها البعض بكونها ظاهرة درامية في المسرح العربي أو شكلاً شبه مسرحي“.
ويبحث البراك في “خصوصية التعزية كونها أحد الشعائر الحسينية التي تُمارس في ذكرى عاشوراء“، ثم “الخصائص الجمالية للتعزية بوصفها فعلاً أدائياً يتخذ من العقيدة الإسلامية قاعدة فكرية له وإختلافاتها البنيوية عن الدراما مقترحاً ضرورياً لدراسة التعزية إنطلاقاً من خصائصها الداخلية، وليس إسقاط المفاهيم والرؤى الخارجية عليها لأنها تُعبّر عن ثقافة أمّة ومجتمع معيّن“.
لنلاحظ هنا تزاوج لغة النخبة المثقفة العراقية القائمة على استخدام العبارات الفخمة ولكنها الخالية من كل معنى، مع هشاشة الحدث ومعناه القائم على شيء محدد: محاباة السلطة واستلهام ثقافتها الدعائية الفجة.