وكالات – كتابات :
تناول الدكتور “محمود الخفيف”؛ الخبير الاقتصادي بالأمم المتحدة؛ استقالة إحدى مسؤولي “البنك الدولي” الشهر الماضي؛ لأسباب مازالت تدور في فلك الإشاعات والتكهنات؛ محللاً أسبابها التي استشفها من وقائع ووثائق محددة صادرة عن المنظمة المالية الأممية فيما يخص ملف المساعدات الدولية وأموال المنح العالمية، كاشفًا “الخفيف”؛ في مقاله المنشور بصحيفة (الوطن) المصرية، عن الكثير من الحقائق والمعلومات الهامة التي تجري داخل المؤسسات المالية الأممية.

استقالة في “البنك الدولي”..
يستهل الخبير بـ”الأمم المتحدة” مقاله: في 05 شباط/فبراير الماضي؛ أعلنت الاقتصادية؛ “بيني غولدبرغ”، استقالتها من منصبها ككبيرة الاقتصاديين لـ”البنك الدولي”، وذلك بعد أقل من عامين من توليها هذا المنصب المؤثر.
وبالطبع بدأت الصحافة والميديا الغربية تتكهن بأسباب الاستقالة. وما يُشاع أن الاستقالة سببها خلاف بين السيدة؛ “غولدبرغ”، وإدارة البنك بخصوص عدم نشر البنك لدراسة تُشير إلى أن جزءًا ملحوظًا من أموال مساعدات البنك والدول المانحة يتم تسربه من الدول النامية والفقيرة، المتلقية لتلك المساعدات، إلى حسابات مصرفية خاصة فى بنوك الغرب؛ وبالتحديد إلى دول توصف: بـ”الملاذات الآمنة” للأموال.
وعلى أية حال قد يكون هذا صحيحًا أو غير صحيح، فاستقالة كبيرة الاقتصاديين ليس بالأمر المهم، فذلك لن يُغير من التوجهات الليبرالية الجديدة المتوحشة لـ”البنك الدولي”، والتي تؤدي إلى ترسيخ التبعية الاقتصادية للدول النامية؛ التي تتبني وصفة السياسات الاقتصادية للبنك والصندوق الدوليين. بحسب ما يرى “الخفيف”.
ارتفاع نسب الودائع في “الملاذات الآمنة” مع صعود أسعار النفط..
لينتقل الخبير الأممي في مقاله إلى الجزء الهام في تلك الواقعة؛ قائلاً: والمهم هنا هو ما تُشير إليه نتائج تلك الدراسة، وطبقًا لما نُشر في الصحافة الغربية؛ تعود فكرة الدراسة إلى ما قبل عام 2015، حين قام كل من: “يورغن أندرسن”، من كلية إدارة الأعمال النرويجية، و”نيلز يوهانسن”، من جامعة كوبنهاغن، ببحث أكاديمي أفاد أن ارتفاع أسعار “النفط” يتبعه مباشرة تسرب الكثير من الأموال إلى خارج الدول النفطية؛ مع ارتفاع في الودائع التي يحتفظ بها مواطنون من هذه البلدان في حسابات مصرفية في الغرب، في دول مثل: “سويسرا” أو الدول التي يمكن أن تكون: “ملاذًا آمنًا” للأموال المسربة.
وعندما عرضت نتائج هذا الدراسة في “البنك الدولي”؛ عام 2015، كان من بين الحضور عضو في قسم الأبحاث بالبنك؛ “بوب ريكرز”. فاشترك الثلاث اقتصاديين لدراسة ما إذا كان هناك شيء مشابه يحدث في الدول النامية؛ بعد ضخ المساعدات والمنح من الدول والجهات المانحة.
وكانت نتائج دراستهم صادمة ومثيرة لاستغراب هؤلاء المؤمنين بحسن نية “البنك الدولي” والدول الغربية المانحة – يواصل “الخفيف”. فقد أوضحت النتائج أنه فى حالة: الـ 22 دولة محل البحث، خلال الفترة الممتدة من: 1990 إلى 2010، بعد وصول مساعدات لتلك الدول من “البنك الدولي” والجهات والدول المانحة الأخرى؛ (ومعظمها دول الغرب)، تحدث قفزة في ودائع صفوة وأغنياء البلدان؛ (المستفيدة من المساعدات)، بالمصارف الأجنبية وبالتحديد مصارف الدول الغربية التي توصف بكونها: “ملاذات آمنة” للأموال.
وبلغ حجم التسريبات في المتوسط حوالي: 7.5% من مساعدات البنك والدول المانحة لهذه: الـ 22 بلدًا، وفي الدول الأشد فقرًا بلغ معدل زيادة ودائع أغنياء الدول الفقيرة في مصارف دول الغرب؛ (والتي هي أيضًا الدول المانحة)؛ إلى حوالي: 15% من حجم المساعدات والمنح.

موضحًا: وهذه النتيجة تُشير إلى أن حصة لا يُستهان بها من المساعدات يتم سرقتها عن طريق الإفساد والفساد لتعود إلى الدول المانحة في الغرب.
حظر دراسة “كاشفة” !
ولكن عندما قدم اقتصاديو قسم الأبحاث بـ”البنك الدولي” الدراسة؛ – يتابع الكاتب – تم تأجيل نشرها بحجة أنه يجب أن تخضع لمراجعة داخلية. ووفقًا للصحافة الغربية؛ تم حظر النشر من قبل كبار المسؤولين، وذلك على رغم من أنها روجعت مرات عديدة وبصرامة من قبل باحثين آخرين من البنك.
وما يُشاع أن هذا الحظر هو ما دفع كبيرة الاقتصاديين بالبنك إلى الاستقالة، ولكن لا أحد يدرى إذا كان هذا السبب الحقيقي للاستقالة أم هناك سبب آخر. على أية حال، قام أحد المشاركين في الدراسة بنشرها على صفحته في شبكات التواصل الاجتماعي، وكان من شأن هذا أن دفع “البنك الدولي” إلى الإسراع بنشرها بعد بضع ساعات على موقعه الرسمي على الإنترنت.
وهنا يجب التركيز على أمر هام ألا هو أن هذه الدراسة ركزت فقط على تسرب أموال المنح والمساعدات إلى ما يُسمى: بـ”الملاذات الآمنة”، ولم تأخذ في الحسبان التسربات المالية من مصادر أخرى؛ مثل التسربات من الدول النفطية أو الدول المصدرة للمواد الخام، وكذلك لم تشمل التسربات إلى البلدان الغربية الأخرى التي لا توصف: بـ”الملاذ الآمن”، أو التسربات المباشرة عن طريق شراء عقارات في الغرب أو في غيره أو ما شابه. وكل هذا يعنى أن حجم التسربات المالية الكلية أكبر وأضخم بكثير مما تُشير إليه الدراسة.
صناعة “تمويل التنمية”..
إن هذه الدراما حقيقية ويومية ترجع بطولتها لكل الدول الغربية المانحة ووكالات التنمية الخاصة بها، وإلى وكالات التنمية الدولية؛ وعلى رأسها “البنك الدولي” و”صندوق النقد”.
فهم يعلمون جيدًا أن ما أشارت إليها الدراسة هو من طبيعة صناعة ما يُسمى: بتمويل التنمية، التي هم سادتها ومصمميها، ويعلمون أن في آخر الأمر سترجع أموال الدعم؛ (المسماة بالمنح أو القروض الميسرة)، مرة أخرى لبنوكهم وخزائنهم. وبالنسبة لهم فصناعة التنمية وتمويلها هي (business) عملية رابحة رابحة رابحة – على حد تأكيد الخبير الاقتصادي – من كل الجهات وتكلفتها بخسة بخسة بخسة.
فمن ناحية يتم تلميع وتثبيت صورتهم، لدى شعوبهم وشعوب العالم النامي، كقوم كرام ديمقراطيين ونظاف وغير فاسدين وأصحاب ضمير حي، ومن ناحية ثانية الفاسدون هم من العالم الثالث وأغنيائه وصفوته وقادته الذين يستولون على أموال المنح، ومن ناحية ثالثة تعود كل الأموال مرة أخرى إلى بنوكهم في الغرب؛ وقد تتضاعف في الأثناء؛ (بشكل مباشر كما أوردت الدراسة أو بشكل غير مباشر)، وقد تستولي عليها حكومتهم: “بالقانون” أو بغيره، ومن ناحية رابعة يتم تثبيت فكرة إحتقار الذات والإنبهار والانسحاق للغرب لدى شعوب العالم الثالث.
وفي حقيقة الأمر إنهم هم المصدر الرئيس للفساد من حيث الحجم والكمية. وبالإضافة إلى ذلك تُعمق مثل هذه المساعدات من تبعية الدول النامية التي يرهقها تراكم وتزايد الديون الخارجية ويفقدها القدرة على الإنفكاك من الهيمنة السياسية والاقتصادية للغرب.
الهدف: نحو “التبعية” الكاملة..
ويواصل الدكتور “الخفيف” تصويبه نحو الأهداف الحقيقية وراء تلك “الصناعة” التي تحترفها المصادر المالية العالمية؛ إن ما يُمارس ويحدث فى الدول التى تتبع وصفات وشروط “البنك” و”الصندوق”، والتي تُرسخ توجهات الليبرالية الجديدة “المتوحشة”، ما هي إلا عملية ابتسار للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لتلك الدول؛ وقطع الطريق على عملية النمو والنضوج السياسي التي تؤدي إلى مشاركة حقيقة من قبل الشعوب في اتخاذ القرارات المهمة لبلادهم، وبالتالي تؤدي إلى كسر التبعية للغرب والوصول إلى تنمية حقيقة والإبتعاد عن تنمية التبعية.
إن ما أوضحته دراسة “البنك الدولي” يؤيد ويدل على صحة أطروحات المفكر والاقتصادي المصري؛ “د. سمير أمين”، فيما يخص نظرية التنمية غير المتكافئة وفكرة المركز والأطراف؛ (التوابع).
فخروج الأموال من الدول النامية؛ (الأطراف أو التوابع)، إلى المركز (الدول الغربية الرأسمالية الغنية)، يؤدي بالضرورة إلى تنمية غير متكافئة أو غير متساوية أو متفاوتة بين المركز والأطراف، هذا بدوره ضروري لإستدامة قدرات المركز على استغلال الأطراف؛ (التوابع)، وضمان لاستمرار تبعية الأطراف للمركز.
وكذلك تُشير الواقعة إلى أن “البنك الدولي” يُفضل عدم نشر البحوث التي تكشف حقيقة وطبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، إلا إذا اضطرته أحداث خارج سيطرته؛ كما حدث مع الدراسة التي تطرق لها هذا المقال.