السبت 26 نوفمبر 2022
20 C
بغداد

    وسط أتون الاحتجاجات الإيرانية .. “ميدل إيست آي” يتساءل عن دور مرجعيات “قم” !

    وكالات – كتابات :

    موقف رجال الدين الإيرانيين من الاحتجاجات الأخيرة أثار مزيدًا من السخط الشعبي، عليهم وهم يشعرون بذلك، ولكن عكس موقفهم من احتجاجات سابقة، يبدو أغلبهم صامتين، رغم أن بعضهم مستاءً من قمع المحتجين، ولكنهم لا يُعبّرون عن ذلك ليس فقط لأنهم خائفون من النظام؛ بل لأسباب أعقد من ذلك.

    وعمَّت المظاهرات أنحاء “إيران” احتجاجًا على وفاة؛ “مهسا أميني”، ومُطالبةً بالقصاص لها، واستنفرت الاحتجاجات مساندة الناس من مختلف شرائح المجتمع، واشتد الأمر وطأة بعد حملات القمع العنيفة التي شنَّتها السلطات على المحتجين، وأسفرت حتى الآن عن مقتل ما يزيد على: 41 شخصًا.

    ورغم أنه موضوع الساعة الذي يستحيل تجاهله. ومع ذلك، فإن موقف رجال الدين الإيرانيين من الاحتجاجات يغلب عليه التجاهل، حسبما ورد في تقرير لموقع (ميدل إيست آي) البريطاني.

    فغالب مرجعيات حوزة “قم” الشيعية؛ الذين تستمد منهم “الجمهورية الإيرانية” نصيبًا كبيرًا من شرعيتها، ظلوا صامتين تجاه ما يحدث، حتى بعد أن بلغت الاحتجاجات مدينة “قم” نفسها في الأيام الماضية، بل إن بعض شيوخ المرجعية لم يكتفوا بالصمت وأعلنوا عن مساندتهم لمؤسسة الحكم الإيرانية.

    يرى كثير من الإيرانيين أن موقف رجال الدين الإيرانيين من الاحتجاجات الأخيرة؛ المُراوِح بين تجاهل الاحتجاجات ومعارضتها، موقف فيه مجازفة بأن يفقد الناس الثقة بهم بالكلية.

    مرجع وحيد !

    كان آية الله العظمى “أسد الله بيات زنجاني”، شيخ المرجعية الوحيد الذي استنكر علنًا ما فعلته “شرطة الأخلاق”، ووصفها بأنها مخالفة للشرع ومتعارضة مع الدين.

    ولم يتطرق “زنجاني” مباشرة إلى “قانون الإلزام بالحجاب”، الذي يُطالب المتظاهرون بإلغائه، إلا أنه قال إنه لا يجوز إجبار أي أحد على إتباع مباديء الإسلام رغُمًا عنه.

    يأتي “بيات زنجاني”؛ من بين المرجعيات الشيعية البارزة، ومع ذلك فإنه كثيرًا ما يوصف بأنه مقرب من السياسيين الإصلاحيين، الذين يُعارضون الحكومة الحالية ويُريدون إجراء إصلاحات تخفِّف من القيود الصارمة المفروضة في البلاد.

    في معرض الرد على هذه الانتقادات، هاجم “الأصوليون”؛ “زنجاني”، وحرضوا السلطات على محاكمته. وقال “مجتبى ذوالنور”، نائب البرلمان عن مدينة “قم”، إن بعض الشيوخ: “أثاروا الفتنة” و”ضللوا الشباب”، وإن لم يذكر صراحة اسم “بيات زنجاني”. ونظَّم رجال دين من المؤيدين لمؤسسة الحكم مظاهرةً مناهضة للاحتجاجات في “قم”؛ الأسبوع الماضي.

    استنكر “حسين نوري همداني”، آية الله العظمى الموصوف بالتشدد، الاحتجاجات، وقال إن المتظاهرين لا يُمثلون عموم الناس، “فأهل إيران حقًا”، حسب تعبيره، دائمًا ما كانوا: “مُدافعين عن الجمهورية الإسلامية والثورة”.

    موقف رجال الدين الإيرانيين من الاحتجاجات ليس موحدًا وبعضهم مستاء..

    قال عالم دين من “قم”؛ لموقع (ميدل إيست آي)، إنه على الرغم من اختلاط المواقف لدى مرجعيات “قم” بين التشكيك في الاحتجاجات ورفضها الصريح، فإن الاستياء من مؤسسة الحكم الإيرانية بينهم ما ينفك يزداد.

    وأضاف: “أظن أن غالبية العلماء في حوزة قم، أو مجموعة كبيرة منهم، تزداد معارضتهم لمؤسسة الحكم الإيرانية، لأنها أضعفت الإسلام وهوَّنت شأن علماء الدين في عيون الناس. ولذلك فإن كثيرًا من العلماء ليس لديهم علاقات مع المؤسسة ويتجنبون التعرض لسياستها، لكي لا يحسبهم أحد ضمن التابعين لها. ومع ذلك، لا يدري الناس بهذا، وأنا أرى أن العلماء يجب أن يُصّرحوا بآرائهم”.

    يصعب عليهم تأييد تظاهرات تُعارض الحجاب !

    أقرَّ الرجل بأن علماء الدين الشيعة يصعب عليهم اتخاذ موقف حاسم يتضمن معارضةً ما لـ”قانون الإلزام بالحجاب”؛ في “إيران”، فجميع المؤسسات الدينية تحّث على إرتداء الحجاب، وتراه أحد فرائض الدين، “لكنهم كانوا يستطيعون استنكار القمع على الأقل”.

    لطالما كان لعلماء الدين الشيعة دور مهم؛ في لحظات التحول الكبرى في التاريخ الإيراني، سواء كان ذلك في: “الثورة الدستورية”؛ عام 1905، أم في: “الثورة الإسلامية”؛ عام 1979، فقد كانت المرجعيات في كثير من الأحيان رموزًا للتغيير والحشد للثورة.

    تحول كثير من العلماء إلى مسؤولين أو مؤيدين لنظام الحكم بعد “الثورة الإيرانية”؛ عام 1979، وقد جاء ذلك بثمن باهظ؛ إذ ما انفكت مكانة علماء الدين وشعبيتهم بين الناس تتآكل طوال أربعة عقود ماضية.

    رغم أن بعضهم أيَّد احتجاجات 2009..

    كانت سنة 2009؛ منعطف تحوُّل في تاريخ “إيران”؛ بعد ثورة عام 1979، فقد خرج ملايين الناس في تظاهرات عمَّت أرجاء البلاد للاعتراض على نتائج الانتخابات الرئاسية. وزعم المرشَّحان الإصلاحيان، “مير حسين موسوي” و”مهدي كروبي”، أن الانتخابات زُوِّرت وأن “أحمدي نجاد” ليس الفائز الحقيقي بمنصب الرئاسة.

    وقد أعقب ذلك قمع الاحتجاجات بشدة ومقتل كثيرين من أنصار “التيار الإصلاحي” أو اعتقالهم.

    غلب انقسام الآراء على المرجعيات في حوزة “قم”؛ آنذاك، فقد خشي كثيرون عاقبة رفع أصواتهم بالمعارضة، إلا أن بعض آيات الله العظمى، مثل آية الله العظمى الراحل “يوسف صانعي”، لم يلتزموا الصمت، وصرحوا بمهاجمة مؤسسة الحكم، و”أحمدي نجاد”، والقمع الوحشي الذي انتهجته قوات الأمن ضد المحتجين.

    دفعوا الثمن..

    على أثر ذلك؛ ضيَّقت المؤسسة على آية الله “صانعي”. فهاجم أنصار المرشد الأعلى لـ”إيران”؛ مكتبه، وأعلنت “جمعية مدرسي حوزة قم العلمية” عزله وإفتقاره إلى المعايير اللازمة لتولي المرجعية. إلا أن ذلك لم يصرف الناس عنه، بل زادت شعبيته بينهم.

    وقال عالم شيعي مطلع على شؤون الحوزة في “قم”، لموقع (MEE)، إن آية الله العظمى “موسوي أردبيلي” و”موسى شبيري زنجاني”، قدَّما التماسًا إلى المرشد الاعلى؛ آية الله “علي خامنئي”، نيابةً عن المحتجين و”موسوي”، لكن محاولاتهم باءت بالفشل.

    في ذلك الوقت، استقال آية الله العظمى “عبدالله جوادي آملي”؛ وآية الله العظمى “إبراهيم أميني”، ورجل الدين البارز؛ “رضا أُستادي”، من إمامة الجمعة في “قم”، وهو تشريف يتولى مكتب “خامنئي” اختيار من يحظى به، وقد كان لتحركهم صدى كبير بعد أحداث عام 2009.

    قال صحافي مُقّيم في “قُم”؛ للموقع البريطاني: “لم يستجب النظام لآية الله صانعي، ولا لأصوات المنتقدين من حوزة قم، وقد استدعى ذلك خيبة أمل كبيرة من الناس في رجال الدين عمومًا، وعلماء الحوزة خصوصًا”.

    قاموا بانتقاد “روحاني” في 2019 لأنه “إصلاحي”..

    أثارت انتقادات آية الله “صانعي”؛ والعلماء الذين شاركوه الرأي، في عام 2009، قلقَ المؤسسة الحاكمة في “إيران”، فاحتشدت السلطات لوضع حوزة “قم” تحت السيطرة الكاملة. وحثَّ “خامنئي” الحوزة على الانضمام إلى: “ثورية” المؤسسة (أي الإلتزام بمباديء الثورة الإيرانية من وجهة نظر النظام).

    وانتقد آية الله “محمد يزدي”، رئيس السلطة القضائية الإيرانية السابق، العلماء وآيات الله العظمى الذين لم يُسّاندوا “الجمهورية” علنًا أو نأوا بأنفسهم عن السياسة.

    لكن ذلك لا يعني أنه لم يُعد لانتقاد النظام سبيل في “قم”، إذ عندما اشتعلت احتجاجات واسعة النطاق في عام 2019؛ بسبب تردي الحالة الاقتصادية بالبلاد، انتقد علماء دين من التيار المحافظ؛ حكومةَ “حسن روحاني”، المدعومة من الإصلاحيين لاتخاذها قرار رفع أسعار الوقود، ومع ذلك لم يستنكروا حملة القمع العنيفة على المتظاهرين، والتي أسفرت عن مقتل نحو: 300 شخص.

    يرى الصحافي المقيم في “قم” أن: “انتقاد بعض آيات الله العظمى لروحاني؛ في ذلك الوقت لم يكن من أجل الناس، والواقع أنه كان يتوافق مع خطة مؤسسة الحكم لإضعاف روحاني وتقويض نفوذ الإصلاحيين. فلو كانوا يهتمون بالناس حقًا، لاعترضوا على اضطهادهم وقمع المحتجين”.

    إذا انضموا للمتظاهرين لرفضوهم لأن سمعتهم باتت مشوهة..

    ويذهب خبير في الشؤون السياسية لـ”إيران”؛ إلى أنه كلما تقلصت استقلالية حوزة “قم”، انخفضت ثقة الجمهور بمؤسسة الحكم في “إيران”: “فلو كان رجال الدين صريحين في استنكارهم لسلوك النظام ضد المتظاهرين، لكانوا على الأقل أنقذوا أنفسهم من نسيان الناس لهم. لكن الواقع الآن أنه حتى لو انضم آيات الله العظمى إلى الاحتجاجات، فإن المتظاهرين لم يقبلوا بهم قادة لهم؛ لأن سمعة رجال الدين كلهم نالها قدر كبير من التشويه”.

    وأضاف: “على الرغم من انتقادات آية الله بيات زنجاني والاستنكار الصامت من بعض العلماء في الحوزة، فإن الناس يرون أن رجال الدين عمومًا مناصرون أقوياء لنظام الجمهورية الإيرانية”.