الثلاثاء 6 ديسمبر 2022
16 C
بغداد

    هل تشتري إسرائيل أمنها ؟ .. ترسيم الحدود البحرية مع لبنان: بين أوامر “بايدن” وغليان تل أبيب !

    وكالات – كتابات :

    تتجه اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين “لبنان” و”إسرائيل”؛ إلى محطتها النهائية، فيما يبدو نجاحًا لإدارة “جو بايدن”، فلماذا وافقت “تل أبيب” الآن على ما رفضته على مدى عقد من الزمان، وكيف يُمثل الاتفاق انتصارًا لـ”بيروت” ؟.. بحسب تقرير لموقع (ميدل إيست آي) البريطاني.

    كان رئيس الوزراء الإسرائيلي؛ “يائير لابيد”، قد أعلن الأحد 02 تشرين أول/أكتوبر 2022، موافقة حكومته على مقترح أميركي لحل النزاع البحري مع “لبنان”، بينما أعلنت “بيروت” موافقتها؛ الثلاثاء، رغم تقديم مقترح بإدخال تعديلات على المسودة الأميركية، من المتوقع ألا يكون لها تأثير على مسار المفاوضات، ما يعني احتمال أن يتم ترسيم الحدود رسميًا في أقرب وقت.

    ترجع جذور النزاع على الحدود البحرية بين: “لبنان” و”إسرائيل”، إلى عام 2007، عندما وقَّعت الأولى اتفاقية فتح الحدود البحرية مع “قبرص”، وهو ما فتح الباب أمام احتمال تعديل حدود المنطقة البحرية بين “إسرائيل” و”لبنان”. ورغم أن “البرلمان القبرصي” صدَّق على الاتفاقية عام 2009، فإن “لبنان” لم يُصدّق عليها حتى الآن.

    وفي عام 2010، وقَّعت “إسرائيل” و”قبرص” اتفاقية تنفيذية لتحديد المنطقة الاقتصادية الحصرية بينهما، واعتمدت “قبرص” فيها على اتفاقيتها مع “لبنان”؛ عام 2007، في تحديد الحد الشمالي لحدودها البحرية.

    وكنتيجة لهذه الاتفاقية؛ حدث تداخُل بين الحدود البحرية الشمالية التي تقول “إسرائيل” إنها حدودها من جهة؛ وبين الحدود البحرية الجنوبية لـ”لبنان” من جهة أخرى، وانتقد “لبنان” الاتفاقية البحرية بين: “إسرائيل” و”قبرص”، مُعتبرًا إياها اعتداءً على حقوقه السيادية الخالصة في تلك المنطقة.

    ورغم ذلك قامت “إسرائيل” بإيداع تلك الإحداثيات البحرية؛ المتنازع عليها، لدى “الأمم المتحدة” على أنها حدود “تل أبيب” البحرية، وكان ذلك في تموز/يوليو 2011. وتبلغ مساحة المنطقة المتنازع عليها: 860 كيلومترًا مربعًا، يوجد فيها حقل (كريش) للغاز الطبيعي.

    وساطة أميركية مدتها عِقد من الزمان..

    ترجع جهود الوساطة الأميركية في النزاع البحري بين: “لبنان” و”إسرائيل”، إلى بداية الأزمة، وكان “فريدريك هوف”؛ الدبلوماسي الأميركي، الذي كان مُكّلفًا بالوساطة بين “إسرائيل” و”لبنان”؛ من عام 2010 حتى 2012، قد قال لموقع (ميدل إيست آي) البريطاني: “قبل أكثر من 10 سنوات، قضيت أنا وفريقي في الخارجية الأميركية وقتًا طويلاً للغاية لدراسة كيف توصل لبنان وإسرائيل إلى تلك الإحداثيات، واقتنعنا أن كلاً منهما لديه وجهة نظر سليمة رغم استخدامهما معايير مختلفة”.

    تبلغ مساحة المنطقة المتنازع عليها: 860 كيلومترًا مربعًا؛ بحسب الخرائط المودعة من جانب “لبنان” و”إسرائيل”؛ لدى “الأمم المتحدة”، وهي منطقة غنية بـ”الغاز الطبيعي”، وتقع بين الخطين: (23) و(29).

    كان الوسيط الأميركي؛ “هوف”، قد صرح بأنه عرض على؛ “نجيب ميقاتي”، عام 2011، الذي كان رئيسًا لوزراء “لبنان” وقتها، أن تحصل “بيروت” على: 55% من عائدات المنطقة المتنازع عليها، وتحصل “تل أبيب” على: 45%، لكن تم رفض المقترح من جانب الطرفين، وكان ذلك الاقتراح يُعرف بعدها بأنه: “خط هوف”.

    وفي عام 2017؛ اكتسب النزاع الحدودي البحري أهمية خاصةً بعد أن وقَّع “لبنان” اتفاقًا لاستكشاف وإنتاج “الغاز الطبيعي” مع تحالف من الشركات الدولية؛ مُكّون من (توتال) الفرنسية و(إيني) الإيطالية و(نوفاتيك) الروسية، وذلك في المربعين: (4) و(9).

    وعام 2020، عادت الوساطة الأميركية مرة أخرى، بعد أن وصل النزاع البحري إلى مرحلة خطيرة من التوتر، في ظل بدء “إسرائيل”، من خلال شركة (إنيرجين) اليونانية، الاستعداد لاستخراج “الغاز الطبيعي” من حقل (كاريش) وتهديد (حزب الله)، المدعوم من “إيران”، باستهداف سفن التنقيب في المنطقة، باعتبار ذلك اعتداء على حقوق “لبنان” البحرية.

    ومنذ ذلك الوقت؛ يتنقل الوسيط الأميركي؛ “آموس هوكشتاين”، بين “لبنان” و”إسرائيل”، في محاولة لإبرام اتفاق من شأنه أن يُمهد الطريق للتنقيب عن موارد الطاقة البحرية ونزع فتيل مصدر محتمل للصراع في المنطقة.

    ومع تولي “جو بايدن”؛ المسؤولية في “البيت الأبيض”، منذ كانون ثان/يناير 2021، استمرت جهود الوساطة الأميركية؛ بقيادة “هوكشتاين”، دون أن تلوح في الأفق بوادر اتفاق بين “بيروت” و”تل أبيب”، لكن الأسابيع القليلة الماضية شهدت تكثيفًا واضحًا لتلك الجهود، لأسباب يتعلق أغلبها بـ”بايدن” نفسه، بحسب الصحافة الإسرائيلية.

    لماذا وافق “لابيد” على ترسيم الحدود البحرية مع “لبنان” ؟

    “لابيد؛ استسلم في الصفقة البحرية مع لبنان، لكنه لم يستسلم لحسن نصرالله”، تحت هذا العنوان نشرت صحيفة (هاآرتس) العبرية تحليلاً، ألقى الضوء على كواليس الموافقة الإسرائيلية على المقترح الأميركي، رغم أن ذلك المقترح لا يحمل جديدًا عما عرضته “واشنطن” منذ البداية.

    كانت مصادر مُطلعة قد كشفت لـ (ميدل إيست آي)؛ أن “إسرائيل” وافقت على الشروط اللبنانية بخصوص ترسيم الحدود البحرية، وبالتالي سيكون لـ”بيروت” الحق في التصرف في كل من الخط (23)، بالإضافة إلى حقل (قانا) كاملاً.

    كان “بايدن” و”لابيد” قد تحدثا هاتفيًا؛ يوم 31 آب/أغسطس الماضي، وهو أمر طبيعي بين الحليفين بطبيعة الحال، لكن ما لم يكن طبيعيًا هو أن البيان الذي أصدره “البيت الأبيض”؛ حول تلك المكالمة، حمل فقرة لم تكن موجودة في البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي.

    “كما أكد الرئيس على أهمية إنهاء مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان؛ خلال الأسابيع القليلة القادمة”، بحسب ما رصده تحليل (هاآرتس)، الذي فسر تلك العبارة على أنها: “بكلمات أخرى أخبر بايدن؛ لابيد، بأنه (أي الرئيس الأميركي) قد نفد صبره من التأخيرات في هذا الملف، وأنه سيُرسل مبعوثه؛ (هوكشتاين)، إلى المنطقة لتوقيع الاتفاق، كي تنطلق عمليات تطوير حقل (كاريش) الإسرائيلي وحقل (قانا) اللبناني للغاز الطبيعي”.

    وترى الصحيفة العبرية أن “إسرائيل” لم ترضخ لمطالب (حزب الله)، كما يزعم رئيس الوزراء السابق؛ “بنيامين نتانياهو”، لكنها (أي تل أبيب) استجابت لطلب من “البيت الأبيض”، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لطبيعة العلاقة بين دولة عظمى؛ (الولايات المتحدة)، وأحد حلفائها الصغار، أي “إسرائيل”، التي تعتمد على الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري الأميركي.

    الخلاصة في تحليل (هاآرتس)؛ هي أن “إسرائيل” تحتاج للدعم الأميركي في جبهاتها الرئيسة، وفي المقابل لا بد لـ”تل أبيب” أن توافق على ما قد تطلبه “واشنطن”، ولهذا وافق “لابيد” على: “طلب” بايدن، حتى وإن أراد (لابيد) أن يُبقي القصة برمتها طي الكتمان.

    وتتكون مسودة المقترح الأميركي من عشر صفحات؛ تتضمن ترتيبًا يتم بموجبه إنتاج “الغاز” من قِبل شركة بترخيص لبناني في حقل (قانا) المتنازع عليه، مع حصول “إسرائيل” على حصة من الإيرادات، واقترح مسؤولون لبنانيون علنًا دورًا لشركة (توتال إنرجيز)، وقال مصدر مطلع لـ (رويترز)؛ إن مسؤولاً إسرائيليًا كبيرًا التقى بممثلين للشركة في “باريس”، الإثنين 03 تشرين أول/أكتوبر.

    كان “إلياس بوصعب”؛ نائب رئيس “مجلس النواب” اللبناني، قد أعلن الثلاثاء؛ أنه قدم لسفيرة “الولايات المتحدة” في لبنان: “تعديلات” تُريدها “بيروت” على المقترح الأميركي، دون الخوض في تفاصيل، مضيفًا أنه لا يعتقد أن التغييرات المقترحة ستؤدي إلى خروج الاتفاق عن مساره، مؤكدًا أنه في حين أن الرد لا يعني الموافقة على المسودة، فإننا: “أنهينا المفاوضات”.

    وبحسب “بوصعب”، حصل “لبنان” على جميع المناطق (البلوكات) البحرية؛ التي يعتبرها تابعة له: “لبنان لن يدفع قرشًا من حصته في حقل (قانا) لإسرائيل، وهذا من صلب الاتفاقية ولا حقوق لإسرائيل من (قانا)”.

    أما “لابيد”، فقد وصف الاتفاق بأنه يُعطي لـ”إسرائيل”: “الأمن بنسبة: 100%، وحقل (كاريش) للغاز الطبيعي بنسبة: 100%، وحتى جزء من مداخيل لبنان من حقل (قانا)”. وما يقصده “لابيد” بالأمن هو أن عمليات التنقيب الإسرائيلية في حقل (كاريش) ستكون آمنة من تهديدات (حزب الله) باستهدافها، وفي المقابل ستبدأ شركة (توتال) الفرنسية عملياتها في حقل (قانا)، حيث كانت الشركة قد رفضت البدء قبل توقيع اتفاق ترسيم الحدود بين “بيروت” و”تل أبيب”.

    لماذا “طلب” بايدن توقيع الاتفاقية الآن ؟

    للرئيس “جو بايدن”؛ دوافع شخصية وراء دخوله على خط أزمة ترسيم الحدود البحرية بين: “لبنان” و”إسرائيل”، في هذا التوقيت، وبهذه الصورة الحازمة، التي تجسدت في صورة: “أمر” مباشر إلى “لابيد” بإنهاء المفاوضات وتوقيع الاتفاق، وهذه الدوافع لا تُخفى على أحد، بحسب الصحافة العبرية.

    فتجاهل الرئيس الأميركي مواصلة الجهود لدفع قطار التطبيع بين “إسرائيل” ودول عربية أخرى، عكس ما قام به الرئيس السابق؛ “دونالد ترامب”، عندما أدت مساعيه إلى توقيع: “الإمارات والبحرين والمغرب والسودان”؛ “اتفاقيات إبراهام”، مع “تل أبيب”، جعل “بايدن” يُريد أن يُحقق إنجازًا في الشرق الأوسط.

    ولا يُريد الرئيس إضاعة: “وقته ووضعه السياسي” في محاولة تحقيق سلام بين دولة الاحتلال والفلسطينيين، لكنه وجد في أزمة الحدود البحرية بين “إسرائيل” و”لبنان” ملفًا يمكن أن يُنهّيه بنجاح، خصوصًا أن فجوة الخلافات بين العدوين ليست واسعة، وكلاهما يحتاج إلى إغلاق ملف النزاع لأسباب اقتصادية مُلّحة، أي أن الاقتصاد أهم كثيرًا من الأمن والسياسة في هذا الملف تحديدًا.

    أما عن دوافع “بايدن”؛ فليس من الصعب “تخمينها”، كما يقول تحليل (هاآرتس). يُريد الرئيس الأميركي أن يُحافظ على تماسك الحلف الغربي الداعم لـ”أوكرانيا”، ويخشى أن يتشقق هذا التحالف تحت وطأة أزمة قطع الغاز الروسي عن “أوروبا”، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء، وتخريب خط أنابيب (نوردستريم).

    وفي هذا السياق أيضًا، تمثل أي إضافة للغاز أو النفط إلى الأسواق العالمية متنفسًا بالنسبة للأميركيين، يمكن ترجمته في صورة توفير مزيد من الأموال لتوظيفها في الدعم العسكري لـ”أوكرانيا”. لهذا أراد “بايدن” إعادة إحياء “الاتفاق النووي”؛ مع “إيران”، ما كان سيعني رفع العقوبات عن “طهران” وضخ ملايين البراميل من “النفط” في الأسواق، ولهذا أيضًا قام بزيارة “السعودية”، في تموز/يوليو الماضي.

    ولهذا أيضًا يُريد “بايدن” توقيع “إسرائيل” و”لبنان” اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، كي يبدأ كل منهما في استخراج “الغاز الطبيعي”. صحيح أن ذلك “الغاز” لن يجد طريقه إلى الأسواق العالمية على الفور، لكن مجرد توقيع الاتفاقية يُرسل إشارات إيجابية للأسواق ويُهدّيء من جنون الأسعار.

    أما في “تل أبيب”، فقد أثارت موافقة “لابيد” وحليفه؛ “بيني غانتس”، وزير الدفاع، عاصفة من الهجوم من جانب معسكر “نتانياهو”، وذلك قبل أسابيع من الانتخابات البرلمانية المقررة؛ نهاية تشرين أول/أكتوبر الجاري.

    ورصد تحليل لصحيفة (جيروزاليم بوست)، عنوانه: “إسرائيل تتخلى عن نصيبها من الكعكة”، ردود الأفعال الإسرائيلية عقب الإعلان عن قرب التوصل للاتفاق، والتي أصبحت قضية انتخابية يأمل “نتانياهو” استغلالها لإظهار “لابيد” و”غانتس” على أنهما: “خاضعان لبايدن وقدما تنازلات لـ (حزب الله)، ويرون أن لابيد تجاهل (التنازلات) التي قدمتها تل أبيب لبيروت، وذلك بأوامر مباشرة من بايدن”.

    الخلاصة هنا هي؛ أن جميع أطراف النزاع مستفيدة من الاتفاق المنتظر توقيعه بوساطة أميركية، وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي تتنازل فيها “إسرائيل” اقتصاديًا، والسبب: “الأمن”.