الأحد 27 نوفمبر 2022
22 C
بغداد

    من التضخم إلى تدهور العُملات .. “أزمة 2008” شبح يطارد كوابيس أميركا وأوروبا !

    وكالات – كتابات :

    يبدو أن تكرار الأزمة المالية العالمية، التي حدثت عام 2008، أصبح بمثابة شبح يُطارد المستثمرين الدوليين والمحللين الاقتصاديين.

    فلقد حملت كثير من أخبار الاضطراب الاقتصادي الحالي، التي انتشرت طوال الأسبوع الماضي، هذا العنوان: “لم يحدث ذلك منذ (أزمة) 2007 – 2008″، أو: “لأول مرة منذ الأزمة العالمية في عام 2008″، حسبما ورد في تقرير لموقع (سي. إن. إن إنترناشيونال) الأميركي.

    لماذا يخشى الاقتصاديون من تكرار الأزمة المالية العالمية ؟

    ولكي نعلم إلى أي مدى يُخيف سيناريو تكرار الأزمة المالية العالمية الاقتصاديين في العالم، تُجدر الإشارة إلى أنه في “الولايات المتحدة” فقط أدت الأزمة المالية العالمية عام 2008؛ إلى فقدان: 8.8 مليون وظيفة، وارتفعت نسبة البطالة إلى: 10% بحلول نهاية 2009، وتبخرت: 19.2 تريليون دولار من ثروات الأسر، وانخفضت أسعار المساكن بنسبة: 40% في المتوسط، بل زادت عن ذلك في بعض المدن الأميركية، وانخفض مؤشر (ستاندرد آند بورز-S&P 500) بنسبة: 38.5% عام 2008، واختفت: 7.4 تريليون دولار من قيمة الأسهم بين عامي: 2008 – 2009، أو: 66200 دولار لكل أسرة أميركية في المتوسط.

    وخلال الأسبوع الماضي، دقت شخصيات بارزة، من رئيس “منظمة التجارة العالمية”؛ (WTO)، إلى الاقتصادي الأميركي الحائز على جائزة (نوبل)؛ “بول كروغمان”، ناقوس الخطر بشأن احتمال حدوث انكماش عالمي.

    في استطلاع نشره “المنتدى الاقتصادي العالمي”؛ ومقره “سويسرا”، يوم الأربعاء الماضي، قال: 07 من كل: 10 مشاركين في عينة من: 22 اقتصاديًا بارزًا في القطاعين الخاص والعام؛ إنهم يعتقدون أن الركود العالمي كان محتملاً إلى حدٍ ما، على الأقل في عام 2023.

    وفي الوقت نفسه، رفعت شركة (Ned Davis Research)، وهي شركة أبحاث مقرها ولاية “فلوريدا” الأميركية، معروفة بنموذج احتمالية الركود العالمي، احتمالية حدوث ركود عالمي العام المقبل إلى: 98.1%، وهي أعلى نسبة منذ الانكماش المرتبط بوباء (COVID-19)؛ في عام 2020، والأزمة المالية العالمية في: 2008 – 2009.

    العوامل التي تدفع لهذا الاحتمال..

    في حين أن الحرب في “أوكرانيا”، وإغلاقات “الصين” الوبائية الصارمة، والتضخم الجامح، كلها تُفسد الآفاق الاقتصادية، يشعر المستثمرون بالقلق بشكلٍ خاص من احتمال قيام “مجلس الاحتياطي الفيدرالي” الأميركي برفع أسعار الفائدة بقوة، لدرجة قد تجعل أكبر اقتصاد في العالم يتجه نحو الركود، الأمر الذي يجر بقية العالم، إلى تكرار الأزمة المالية العالمية؛ التي حدثت في عام 2008.

    تاريخيًا، وجدت “الولايات المتحدة” والبنوك المركزية الأخرى؛ صعوبة في إدارة مهمة رفع أسعار الفائدة دون توجيه ضربة قاسية للنمو الاقتصادي، لأن رفع الفائدة يُزيد تكلفة الاقتراض والاستثمار للشركات والأسر.

    فترات الركود السابقة، والتي تُعرَّف عادةً على أنها ربعين متتاليين من النمو السلبي، تم إلقاء اللوم عليها على جهود “بنك الاحتياطي الفيدرالي” لتهدئة التضخم المرتفع، بما في ذلك فترات الركود المتتالية في أوائل الثمانينيات.

    وقد اتهم النقاد، بمن فيهم الاقتصاديون المشهورون مثل: “غيريمي سيغل”، “بنك الاحتياطي الفيدرالي” الأميركي، هذه المرة بالانتظار لفترة طويلة جدًا لبدء رفع أسعار الفائدة، مما أدى إلى لجوئه لارتفاعات جذرية مؤخرًا للتعويض عن تقاعسه السابق، حسبما ورد في تقرير لموقع قناة (الجزيرة) الإنكليزية.

    على الرغم من الأمل في حدوث: “هبوط ناعم” للاقتصاد، أقر رئيس “مجلس الاحتياطي الفيدرالي” الأميركي؛ “غيروم باول”، مؤخرًا بأن مسؤولي “مجلس الاحتياط الفيدرالي”: “لا يعرفون” ما إذا كانت جهودهم لكبح التضخم ستؤدي إلى الركود، أو مدى شدة هذا الركود المحتمل.

    تجاوزت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات؛ نسبة: 4% لمدةٍ وجيزة، وهو مستوى لم نشهده منذ عام 2008. وأدى ذلك إلى زيادة معدلات الرهن العقاري إلى أعلى مستوى لها، أي نسبة: 6.7%، لأول مرة أيضًا؛ منذ تموز/يوليو 2007. وفي “بريطانيا”؛ إنهارت قيمة “الجنيه الإسترليني” إلى أدنى مستوى لها أمام “الدولار”، حتى قال أحد المصرفيين في “لندن”؛ لصحيفة (فايننشال تايمز): “لقد خشيت عند لحظة معينة هذا الصباح أن تكون هذه بداية النهاية. لم يكن الأمر بشدة أزمة إفلاس بنك (ليمان) في عام 2008، لكنه أوشك على ذلك”.

    إن توقيت هذه الأحداث كلها واجتماعها معًا مُخيّف بعض الشيء، فيومُ 29 أيلول/سبتمبر من هذا العام، يوافق مرور: 14 عامًا على اليوم الذي إنهارت فيه أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم؛ عام 2008، وقد أعقبه أشد أزمة مالية يشهدها العالم منذ أزمة: “الكساد العظيم” في ثلاثينيات القرن الماضي.

    من الطبيعي أن يسوقنا هذا التشاؤم والاضطرابات التي تلوح في الأجواء إلى السؤال عن مآل ما يحدث، وإذا كان التاريخ على وشك أن يُعيد الأزمة مرة أخرى.

    هناك اختلاف في الظروف بين المأزق الحالي وأزمة 2008..

    للرد على ذلك؛ يُجدر بنا أن نوضح أولاً أن أسواق الاقتصاد تعافت تمامًا من أزمة 2008، وإن استغرق الأمر سنوات، فضلاً عن أن أسباب المخاوف الاقتصادية والمالية المنتشرة في جميع أنحاء العالم الآن تختلف اختلافًا تامًا، ومن أوجهٍ كثيرة، عن الأسباب التي أفضت إلى أزمة: “الكساد العظيم”؛ على حد زعم التقرير الأميركي.

    لكن لأن آثار أزمة 2008 لا تزال كامنة في أذهان كثيرين، وذكرياتها تُستدعى طوال الوقت بين أغلب الناس، فإن الاقتصاديين والخبراء يشتد توترهم عندما تضطرب الأمور على نحو مشابه لما حدث من قبل، وعلى غرار ما حدث في الأسابيع الماضية.

    الخوف هو المزاج السائد بين الناس الآن، فالاقتصاد متعثر بسبب التضخم، وتكلفة الاقتراض مرتفعة لأن الاقتصاد يُعاني آثار الضربات المتوالية التي لحقت به ويُهيّمن عليه الخوف من أزمات أخرى، سواء جاء الأمر من إعصار كارثي، أم قوة عظمى تُعلن الحرب على جارتها، أو برنامج تخفيض جذري للضرائب دون توفير مصادر التمويل اللازمة (تنتهي إلى زيادة التضخم)، أو – لا سمح الله – جائحة أخرى.

    نتيجة لذلك؛ فإن فرص الاستثمار المُربحة شحَّت على المستثمرين في الوقت الحالي، فالأسهم والسندات في هبوط، ويقول كثير من المحللين إن السوق معرضة للاستمرار في التقلب إلى أن يعود التضخم تحت نطاق السيطرة.

    وانخفض مؤشر (S&P 500)، وهو أحد المقاييس الأوسع لصحة الشركات الأميركية، بنسبة: 2.1%، مسجلاً مستوى منخفضًا جديدًا لهذا العام. ولم يُعد مؤشرا (Dow) و(S&P 500) بعيدين عن أدنى مستوياتهما منذ تشرين ثان/نوفمبر 2020.

    03 من أكبر اقتصادات “أوروبا” مقبلة على ركود طويل..

    خارج “الولايات المتحدة”، لا تُقدم الرياح الاقتصادية المعاكسة سببًا كبيرًا للتفاؤل.

    قالت “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”؛ (OECD)، مؤخرًا إنه من المتوقع أن تشهد: “ألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة”، وهي 03 من أكبر اقتصادات “أوروبا”، ركودًا طويلاً العام المقبل، ويرجع ذلك إلى حدٍ كبير إلى مشكلات إمدادات الطاقة الناجمة عن العملية الروسية العسكرية على “أوكرانيا”.

    وتتوقع “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” أن تنمو “منطقة اليورو”؛ بنسبة: 0.3% فقط في عام 2023، مما يُشير إلى أن العديد من اقتصادات الكتلة ستكون في حالة ركود طوال فترات العام.

     

    “آسيا” ستتجنب الانكماش..

    في حين أنه من المتوقع أن تتجنب منطقة آسيا والمحيط الهادئ الانكماش، أصبحت عمليات الإغلاق والقيود على الحدود التي تفرضها الصين “خالية من COVID” عبئاً خطيراً على إمكانات النمو في المنطقة.

    يوم الثلاثاء، خفض “البنك الدولي” توقعاته الاقتصادية لمنطقة “آسيا” و”المحيط الهاديء” إلى: 3.2%، انخفاضًا من: 5%؛ في نيسان/إبريل الماضي، وخفض توقعاته لـ”الصين” إلى النصف تقريبًا إلى: 2.8%.

    قال “ترين نغوين”، كبير الاقتصاديين في مجال اقتصادات “آسيا” الناشئة في مؤسسية (Natixis) في “هونغ كونغ”، إن الاقتصادات الآسيوية لن تسلم من تداعيات ارتفاع أسعار الفائدة، على الرغم من أن المنطقة كانت تتطلع إلى أنها ستُعاني من التباطؤ، وليس الإنهيار؛ على حد زعمه.

    ويستمر التقرير الأميركي في سرد مزاعمه؛ نعتقد أن النمو الآسيوي سيتباطأ، بالفعل، حسبما قال “نغوين”؛ لقناة (الجزيرة) الإنكليزية، موضحًا أنه بالنسبة للاقتصادات الأكثر تعرضًا للدورة التجارية العالمية، مثل: “كوريا الجنوبية وتايوان”، فإن تأثير ضعف الطلب الخارجي سيُصبح أسوأ.

    في اقتصادات “آسيا” الناشئة؛ باستثناء “الصين”، سيؤدي تشديد الأوضاع المالية إلى تراجع الاستثمار. “ومن المتوقع أن يتباطأ الاستهلاك”.

    قال “هارفي”، الأستاذ في جامعة “ديوك” الأميركية، إنه على الرغم من أن لديه: “ثقة أكبر بكثير” في أن “أوروبا” ستقضي 2023 في حالة ركود، مقارنة بـ”الولايات المتحدة”، فإن العالم يواجه توقعات اقتصادية غير مستقرة.

    الخوف الأكبر يأتي من “أميركا”..

    فالتضخم ظاهرة عالمية، وغالبًا ما ترتبط ارتفاعات التضخم بالركود الاقتصادي، وإذا دخلت “الولايات المتحدة” في حالة ركود، فمن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى ركود عالمي – لا سيما بالنظر إلى أن “أوروبا” من المحتمل أن تكون بالفعل في حالة ركود.

    وتعتمد كثير من الاقتصادات التصديرية في العالم، لاسيما في “آسيا” وبصورة أقل “أوروبا”، على السوق الأميركية الواسعة، وبالتالي أي ركود في “أميركا” سينعكس على بقية العالم بسرعة.

    لماذا يجب علينا ألا أن نشعر بالذعر ؟

    لكن أزمة “الكساد العظيم” التي لنا فيها عبرة جديرة بالاستحضار الآن، هي نفسها سبب ألا يشعر العالم  بالذعر، حسب “جين سهادي”، الكاتبة البارزة في موقع (CNN Business) المتخصص في الشؤون الاقتصادية العالمية.

    فرغم الخسائر التي سببتها أزمة 2008، فإن نظرة أوسع على الاقتصاد العالمي بعد وقبل الأزمة تُشير إلى المحصلة العامة كانت إيجابية؛ بحسب إدعاء التقرير الأميركي.

    إذ تقول “سهادي”: “إذا افترضنا أنك استثمرت: 10 آلاف دولار عند بداية عام 1981، في أسهم مؤشر (ستاندر آند بورز 500) الأميركي، فإن هذا المبلغ كان من الممكن أن ينمو إلى ما يقرب من: 1.1 مليون دولار بحلول نهاية آذار/مارس 2021. لكن لو فاتتك أفضل 05 أيام للتداول خلال تلك السنوات الأربعين، فإن رصيدك يكون  قد نما أيضًا، حتى وإن كان لما يقرب من: 676 ألف دولار (أي إنك لن تبلغ أقصى ربح ممكن، لكنك رابح في الحالتين)”.

    بعبارة أخرى: تخاطب “جين سهادي”؛ المستثمرين الأميركيين، قائلة: “ينبغي التمهل، وتجنب الذعر، وعدم المساس برصيدك في حسابات التقاعد على المدى القريب ما دمت لا تحتاج إلى المال لأمر طاريء، وحتى تتضح الأمور”.