السبت 26 نوفمبر 2022
24 C
بغداد

    لوبيات “وادي السيليكون” ترفض .. هل تجد قوانين مكافحة الاحتكار طريقها إلى “الكونغرس” !

    وكالات – كتابات :

    حققت “الولايات المتحدة الأميركية”؛ خلال الـ 25 عامًا الماضية، نموًا هائلاً في البرامج والخدمات عبر الإنترنت لتُصبح صناعة رائدة رئيسة فيها، إلا أن السلوك التنافسي من الشركات المهيمنة يُهدد تلك الريادة، إذ قد يُفضي إلى الركود وفقدان الابتكار ونقص النمو الاقتصادي الأميركي في الأسواق الرئيسة عبر الإنترنت، نتيجة سيطرة حفنة من الشركات على المجالات الرئيسة للتجارة الإلكترونية والنشاط الاقتصادي الافتراضي، خاصة مع عدم وجود تشريعات تحكم تعامل هذه الشركات، مما قد يستلزم اهتمام “الكونغرس” بتلك القضية.

    في هذا السياق؛ تظهر أهمية التقرير الذي أعده: “آدم كونر” و”إيرين سيمبسون”، تحت عنوان: “تقييم مشروعين تقنيين لمكافحة الاحتكار.. لاستعادة المنافسة عبر الإنترنت”، الذي عرضه “مركز التقدم الأميركي”؛ (CAP)، في حزيران/يونيو 2022، ويعتمد التقرير على أحدث نسخة من مشروع “قانون الابتكار والاختيار” الأميركي، الذي صُدر في أواخر آيار/مايو 2022، وآخر نسخة من مشروع “قانون أسواق التطبيقات المفتوحة”؛ التي أقرتها اللجنة القضائية لـ”مجلس الشيوخ”، في أوائل عام 2022، وقيَّم الباحثان القانونان المقترحان، من حيث المكاسب التي ستعود على المجتمع الأميركي إذا تم تشريعهما، والمخاطر المحتملة من إصدارها، مع الرد على انتقادات البعض بتأثير هذه المقترحات على متطلبات الصناعة الرقمية.

    ملامح القانونين المقترحين..

    قدَّم السيناتور “إيمي كلوبوشار”؛ والسيناتور “تشاك غراسلي”، مقترحًا بـ”قانون الابتكار والاختيار الأميركي”، الذي يسعى إلى تحقيق العدالة الاقتصادية عبر الإنترنت من خلال منع شركات المنصات الرقمية المُهّيمنة؛ التي تُعرف: بـ”حارس البوابة”، من تفضيل نفسها على المنافسين التجاريين الآخرين؛ (بما في ذلك الشركات الناشئة)، لاسيما أن هذه المنصات الأساسية تتحكم في نقاط الاختناق في الأسواق الرقمية والتي يتسبب فيها التفضيل الذاتي والسلوك التمييزي في إحداث أكبر قدر من الضرر للمنافسة، ويسعى المقترح أيضًا إلى وقف التمييز بشكل تعسفي بين الشركات التي تعتمد على منصتها، حيث يؤدي التمييز بهذه الطرق إلى تقويض المنافسة، وردع الاستثمار والابتكار في هذه المجالات، إلى جانب حرمان المستخدمين من فرصة الاختيار الحقيقي.

    ويقترح القانون أيضًا أن يتم تطبيقه على المنصات عبر الإنترنت التي تعمل كحراس البوابة، ومتاجر التطبيقات المُهّيمنة التي لديها أكثر من: 50 مليون مستخدم نشط شهريًا في “الولايات المتحدة” أو مليار مستخدم في جميع أنحاء العالم، أو أكثر من: 100000 من مستخدمي الأعمال النشطين في “الولايات المتحدة”، أو تسجل صافي مبيعات سنوية أو رسملة سوقية تزيد عن: 550 مليار دولارًا، ومن الملاحظ أن هذا الاقتراح يُغطي عددًا من الشركات الكبرى، مثل: (Amazon) و(Apple) و(Google) و(Facebook) و(Microsoft) و(TikTok) وغيرها، لكن تمت صياغة معايير القانون بطريقة تجعلها تنطبق باستمرار على أي منصات عبر الإنترنت في المستقبل تكتسب قوة سوقية مماثلة.

    بموازاة ذلك؛ قدَّم السيناتور “ريتشارد بلومنتال ومارشا بلاكبيرن”، مقترح قانون أسواق التطبيقات المفتوحة، الذي يسعى إلى القضاء على السلوك المناهض للمنافسة من قِبل مشغلي متجر التطبيقات، وفتح أسواق التطبيقات لإتاحة خيارات أكثر للمستخدم، وزيادة المنافسة بشكلٍ أكبر، وبهذا سيتعين على متاجر التطبيقات التي تضم أكثر من: 50 مليون مستخدم في “الولايات المتحدة” أن تسمح للمطورين بالتعامل مع أنظمة تشغيل الأجهزة المحمولة، كما سيُطالب القانون الشركات المُهّيمنة السماح للمطورين بإنزال التطبيقات من خلال متجر التطبيقات الخاص بها، مع إزالة القيود المتعلقة بالأسعار المفضلة وتقييد اتصالات المطورين مع المستخدمين، ويشمل القانون الشركات التي تُدير متاجر تطبيقات كبيرة مثل: (Apple) و(Google Play) و(Microsoft Windows)، كما تُغطي المعايير التي تم وضعها أيضًا متاجر التطبيقات التي ستُصبح كبيرة بدرجة كافية في المستقبل.

    فوائد متوقعة..

    يطرح التقرير مجموعة من الفوائد المتوقعة لتحديث قوانين مكافحة الاحتكار عبر الإنترنت في “الولايات المتحدة”، من أبرزها ما يلي:

    – إزالة الحواجز أمام المستخدمين..

    إذا تم سن “قانون الابتكار والاختيار” الأميركي عبر الإنترنت و”قانون أسواق التطبيقات المفتوحة”؛ فإنهما سيُمثلان خطوة رئيسة إلى الأمام في استعادة الأسواق التنافسية، حيث سيتمكن المستخدمون الأميركيون من تنمية أعمالهم الناجحة وبناء اقتصاد أكثر ازدهارًا وإنصافًا وابتكارًا، بالإضافة إلى إزالة الحواجز أمام خدمات المستهلك وتقديم حوافز تنافسية لتحسين الجودة والابتكار والأسعار التنافسية للمستهلكين الأميركيين.

    – حماية الشركات التكنولوجية الناشئة..

    توفِّر مشاريع القوانين وسائل حماية جديدة لشركات التكنولوجيا الأميركية الصغيرة والمتوسطة، حيث تحظر القوانين استخدام المنصات الرقمية الأميركية الكبرى، لمراكزها لمنع الشركات الصغيرة والمتوسطة من المنافسة والتواصل مع المستخدمين، كما لن يُسمح أيضًا للشركات الكبرى باستخدام الخوارزميات التي تُعطي الأولوية للتطبيقات الخاصة بها في البحث، وسيحظر على هذه الشركات منع المطورين من إخبار المستخدمين بأسعار أقل لبرامجهم التي قد يجدونها خارج متاجر التطبيقات الكبرى.

    – تعزيز أرباح المنصات الكبرى..

    قادت جماعات الضغط في مجال الصناعات الرقمية الكثير من النقاشات العامة حول القيود المفروضة على شركات التكنولوجيا الكبرى، حيث ركَّزت الشركات القليلة المتأثرة بمشاريع القوانين على الآثار السلبية المحتملة مع تجاهل الفوائد الهائلة والأرباح التي ستكسبها منتجاتها، والجدير بالذكر، أن بعض المنصات الكبرى تعتمد على “حُراس بوابة” آخرين لإيصال منتجاتهم للمستخدم، على سبيل المثال تعتمد (Google) على (Apple App Store) لتوزيع تطبيق (Google Map) لأجهزة (iPhone)، ومن خلال هذه القوانين ستتساوى جميع الشركات في إمكانية الوصول للمستخدم، وعلى الجانب الآخر، أعلنت شركة (Microsoft)، إمتثالها الطوعي للعديد من القواعد المنصوص عليها في مشروع قانون أسواق التطبيقات المفتوحة، حيث غرد؛ “براد سميث”، رئيس الشركة، لدعم مشروع القانون.

    – استعادة القيادة من “أوروبا”..

    يعمل “الاتحاد الأوروبي” على تطوير قوانين شاملة جديدة لتنظيم الخدمات عبر الإنترنت؛ من خلال مشروع “قانون الأسواق الرقمية”؛ (DMA)، ومشروع “قانون الخدمات الرقمية”؛ (DSA)، يُقدم هذان القانونان قواعد لمنصات الإنترنت الكبيرة والخدمات الرقمية على نطاق أوسع، والتي تُغطي السلوك المضاد للمنافسة، والشفافية، وقابلية التشغيل البيني، وتعديل المحتوى عبر الإنترنت، والإعلان المستهدف، وغيرها، وتوصل “الاتحاد الأوروبي” إلى اتفاقيات سياسية مؤقتة بشأن كلا الاقتراحين في أوائل عام 2022، ومن المتوقع أن يُمرر البرلمان و”المجلس الأوروبي” المقترحات في وقتٍ لاحق من هذا العام، ثم ستتم صياغة تفاصيل إضافية حول إنفاذ “الاتحاد الأوروبي” والكشف عنها، وفي حال فشل “الكونغرس” الأميركي في تمرير مشاريع القوانين وسن التشريعات الخاصة بها، فستستمر “الولايات المتحدة” في التنازل عن القيادة التنظيمية في هذا المجال إلى “الاتحاد الأوروبي”.

    مخاوف مطروحة..

    أثيرت مجموعة من الأسئلة – أثناء المناقشات وعملية الصياغة – بشأن تعريفات مشاريع القوانين، وكيف يمكن أن تؤثِّر نصوص القانون على الخصوصية والأمن القومي وتعديل المحتوى ومخاطر التقاضي، إذ اهتم مركز (التقدم) الأميركي بتقييم المخاوف من إصدار هذه القوانين، والتي تضمنت ما يلي:

    – تعريف المنصات المغطاة..

    لا ينطبق تعريف “المنصة المغطاة” على أي منصة تضم العديد من المستخدمين، لكن على المنصات التي تتمتع بقوة حراسة بوابة، والتي أطلق عليهم مشروع “قانون الابتكار الأميركي”: “شركاء تجاريين مهمين”، حيث يتمتع حراس البوابات الرقمية بتأثيرهم الكبير على الاقتصاد والمجتمع والأمن في “الولايات المتحدة”، ويمكن أن يؤدي السلوك التعسفي تجاه المستخدمين أو المنافسين المحتملين أو إهمال الشركات إلى التأثير على قضايا بالغة الأهمية، مثل الأمن السيبراني وخصوصية البيانات والتمييز والإعلان السياسي وتعديل المحتوى وأمان الموقع، والقدرة على إحداث أضرار اجتماعية وتكاليف اقتصادية كبيرة.

    وأكد مركز (التقدم) الأميركي أن مشروع “قانون الابتكار الأميركي” سيمنع المنصات المُهّيمنة من تفضيل منتجاتها الخاصة على المنافسين، فقد تحقق بعض الشركات الناشئة نجاحًا متزايدًا وتنمو لتُصبح مؤهلة كمنصات مغطاة، وهذا يُعد ميزة للقانون، حيث إن ذلك يؤكد مبدأ أن أي منصة رقمية تكتسب قوة حارس البوابة لن تستطيع – اليوم أو في المستقبل – ترجيح كفة منتجاتها على منتجات المنافسين.

    – مخاوف الخصوصية والأمان..

    أثيرت أسئلة حول ما إذا كانت مشاريع القوانين تُحقق التوازن الحقيقي بين الخصوصية والأمان والمنافسة، حيث زعم البعض أن تركيز مشاريع القوانين على الأحكام الاقتصادية، يضع عنصر الخصوصية في مرتبة تالية، في حين تصدت مشاريع القوانين لهذا الخطر من خلال استثناء الإجراءات التي يُحتمل أن تكون مناهضة للمنافسة والتي تعتبر تدابير ضرورية للخصوصية والأمان، حيث لا تزال الأنظمة الأساسية تتمتع بمدى واسع لإجراء تحسينات على الخصوصية والأمان على أنظمتها الأساسية بالشكل الذي تراه مناسبًا، ولكن حتى الإجراءات التي قد تكون لها تأثيرات مناهضة للمنافسة يُسمح بها صراحةً إذا كانت تعزز خصوصية المستهلك وسلامته وأمنه.

    ويؤيد مركز (التقدم) الأميركي مشروع “قانون الخصوصية الشامل”؛ الذي يتضمن حماية قوية للحقوق المدنية، والتي بدونها لا توجد طريقة لضمان حماية حقوق الأميركيين عبر الإنترنت، ويرى أنه يجب على “الكونغرس” معالجة المشهد الأوسع للمخاوف المتعلقة بالخصوصية والأمن من خلال تطوير تشريعات الخصوصية الفيدرالية التي تشتد الحاجة إليها ووضع لوائح إضافية لضمان تحقيق الأمن السيبراني.

    – مخاوف حول الأمن القومي..

    زعم بعض خبراء الأمن القومي والمجموعة المُهّيمنة على الصناعة الرقمية بأن قوانين مكافحة الاحتكار الجديدة تُعرِّض الأمن القومي الأميركي للخطر، مشيرين إلى أن تنظيم السلوك المناهض للمنافسة من قِبَل عمالقة التكنولوجيا الأميركيين قد يُعيق قدرتهم على المنافسة عالميًا أو يُعيق الأمن السيبراني، في حين أيد آخرون مشاريع القوانين، مؤكدين أنها ستُساعد الاقتصاد الأميركي وتدعم المستخدمين من دون المساس بتلك الجوانب.

    وأثناء مناقشة مشروع “قانون الابتكار الأميركي”، كان القلق المتكرر هو ما إذا كانت إزالة قيود البيانات المناهضة للمنافسة والسماح بمشاركة البيانات التجارية سيمكِّن الحكومة الصينية أو الحكومات الأجنبية الأخرى من الوصول إلى بيانات حول الأميركيين، وقد قام السيناتور “كلوبوشار” و”غراسلي”، بالعديد من المحاولات لتقليل المخاطر على الأمن القومي، فعلى سبيل المثال، تم إدخال تعديل من السيناتور “جون كورنين”؛ (جمهوري من تكساس)، أثناء صياغة المشروع لمعالجة المخاوف المتعلقة بمخاطر الأمن القومي، بما في ذلك استخدام بنود محددة لمنع مشاركة البيانات مع الحكومة الصينية، وإضافة عبارة: “باستثناء الحالات التي يؤدي فيها هذا الوصول إلى مخاطر كبيرة على الأمن السيبراني”.

    وتُشير إدعاءات أخرى إلى أن مشاريع القوانين ستؤثر على الأمن القومي؛ حيث قد تُفكك شركات التكنولوجيا الأميركية الكبيرة أو تُمنع الأخيرة من الانخراط في عمليات استحواذ أو استثمارات جديدة مهمة بطريقة تُعيق القدرة التنافسية الأميركية، وتُعد هذه الإدعاءات مُبالغًا فيها – من وجهة نظر مركز (التقدم) الأميركي – حيث تستند إلى إصدارات سابقة من قوانين “مجلس النواب” الخمسة، كما أنها لا تنطبق على مشروعي القانون اللذين من المحتمل أن يشقا طريقهما إلى قاعة “مجلس الشيوخ”؛ في صيف 2022.

    – سياسات تعديل المحتوى..

    أثيرت مخاوف بشأن التأثير المحتمل للبنود الخاصة بسياسات “تعديل المحتوى” على المنصات المغطاة؛ سواء كان ذلك احتمال زيادة التقاضي من قبل مستخدمي الأعمال الساخطين الذين تتخذ المنصات إجراءات ضدهم، أو الأثر السلبي المحتمل لفرض شروط الخدمة في مواجهة المخاطر القانونية المتزايدة، في حين أن كلا المشروعين يُحافظان على قدرة المنصات على فرض شروط الخدمة الخاصة بها، فلا يوجد أي من القانونين يفرض قيودًا على: “تعديل المحتوى” بشكل كبير.

    ختامًا، طرح قانوني “الابتكار والاختيار الأميركي” و”أسواق التطبيقات المفتوحة”؛ مقترحات جوهرية لتحقيق مكاسب للمستخدمين والحد من الانتهاكات الاقتصادية الخطيرة عبر الإنترنت من قبل أكبر المنصات الإلكترونية المُهّيمنة، ويُساهم المُشّروعين في التحديث الضروري لقوانين مكافحة الاحتكار الأميركية، ويؤيد مركز (التقدم) الأميركي القانونين، مع التأكيد على أن الفوائد الكبيرة لهما تفوق أيًا من المخاوف الحالية، ويُحث “الكونغرس” على اتخاذ إجراءات هادفة لتعزيز اختيار المستخدم والمنافسة عبر الإنترنت من خلال تمرير هذه القوانين في صيف العام الجاري، كما رحب المركز بأي جهود لتحسين التشريعات الخاصة بالصناعة الرقمية، حيث ستتطلب المعالجة المستدامة لمجموعة القضايا التي تطرحها الخدمات عبر الإنترنت بمرور الوقت تشريعات مخصصة بشأن قضايا مثل الخصوصية وزيادة القدرة التنظيمية التقنية.