15 فبراير، 2024 4:07 ص

لاستهداف المدنيين .. كيف وظفت إسرائيل “الذكاء الاصطناعي” في عدوانها على غزة ؟

Facebook
Twitter
LinkedIn

وكالات – كتابات:

وضع جيش الاحتلال معايير منخفضة لقواعد الاستهداف خلال عدوان “إسرائيل” على “غزة”، فما دور “الذكاء الاصطناعي” ؟.. وكيف يؤثر ذلك على الأعداد الهائلة من الشهداء المدنييّن ؟

إجابة هذه التساؤلات جاءت في سياق تحقيق استقصائي مشترك بين مجلة (Mag+972) وموقع (Local Call)؛ وكلاهما إسرائيلي، رصد أسباب الارتفاع غير المسّبوق في أعداد الضحايا المدنييّن بسبب العدوان الإسرائيلي على “قطاع غزة”، منذ السابع من تشرين أول/أكتوبر الماضي.

كانت الحكومة الأكثر تطرفًا في تاريخ “إسرائيل” قد أعلنت منذ عملية (طوفان الأقصى)، يوم 07 تشرين أول/أكتوبر، أن القضاء على “حركة المقاومة الإسلامية”؛ (حماس)، في “غزة”، هو الهدف الرئيس، واجتاح جيشها القطاع بريًا لتنفيذ هذا الهدف.

و(طوفان الأقصى)؛ هو الاسم الذي أطلقته “حركة المقاومة الإسلامية”؛ (حماس)، على عمليتها العسكرية الشاملة ضد جيش الاحتلال الذي يُفرض حصارًا خانقًا على القطاع منذ (17) عامًا.

ففي تمام الساعة السادسة صباحًا بالتوقيت المحلي لـ”فلسطين”؛ في ذلك اليوم، شنّت (حماس) اجتياحًا فلسطينيًا لمسّتوطنات “الغلاف” المحاذية لـ”قطاع غزة” المحاصَر، حيث اقتحم مقاتلون من (كتائب عز الدين القسّام) البلدات المتاخمة للقطاع، بعد أن اخترقوا الجدار الحديدي وسّحقوا (فرقة غزة)؛ التابعة لجيش الاحتلال، في ظل غطاء جوي من آلاف الصواريخ التي أُطلقت من “غزة” باتجاه “تل أبيب” و”القدس” ومدن الجنوب.

ووسط حالة الذعر والصدمة التي انتابت الإسرائيليين، وانتشار مقاطع فيديو وصور لدبابات ومدرعات تابعة لجيش الاحتلال، إما محروقة وإما تحت سّيطرة المقاومين الفلسطينيين، وأسْر العشرات من جنود جيش الاحتلال والمسّتوطنين، وسّيطرة فلسطينية كاملة على مسّتوطنات، أعلنت دولة الاحتلال أنها: “في حالة حرب”، للمرة الأولى منذ حرب تشرين أول/أكتوبر 1973، وهو اعتراف بأن هجوم “المقاومة الفلسطينية” هو هجوم عسكري.

أعداد “غير مسّبوقة” للضحايا المدنييّن في “غزة”..

ارتقى أكثر من: (15) ألف شهيد فلسطيني؛ أغلبيتهم السّاحقة من المدنييّن، فبينهم أكثر من: (06) آلاف طفل وأكثر من: (04) آلاف سيدة، كما تم استهداف: (1400) عائلة، إضافة إلى أكثر من: (36) ألف مصاب و(07) آلاف بلاغ عن مفقودين يُرجح أن أغلبهم لا يزال تحت الأنقاض.

هذه الأرقام المرعبة التي تم تسّجيلها خلال (48) يومًا فقط من عدوان “إسرائيل” على “قطاع غزة”، أي قبل الهدنة التي استمرت أسبوعًا؛ وكسّرتها “إسرائيل” صباح الجمعة 01 كانون أول/ديسمبر 2023، أثارت غضبًا عارمًا حول العالم، ووصفها مسؤولون أمميون أبرزهم؛ “أنطونيو غوتيريش”، الأمين العام لـ”الأمم المتحدة”، بأنها: “غير مسّبوقة” في أي صراع مسّلح أو حرب خلال العصر الحديث.

لكن إذا عُرف السبب بطل العجب كما يقول المثل العربي؛ فالاتهامات الموجهة لجيش الاحتلال بالاستهداف المتعمد للمدنيّين في “غزة”، بشرًا ومباني سكنية ومستشفيات وبُنية تحتية مدنية، أصبحت الآن مثُبتة بالدليل القادم من دولة الاحتلال نفسها.

التحقيق الاستقصائي الذي أجرته المجلة والموقع الإسرائيليان كشف أن جيش الاحتلال قام بتعديل قواعد الاشتباك لديه من جهة وتوسّع في توظيف “الذكاء الاصطناعي” لتحديد: “الأهداف” في “قطاع غزة” من جهة أخرى، فكانت النتيجة هذا الدمار الهائل وتلك الأعداد غير المسّبوقة من الضحايا المدنيين خلال أقل من (50) يومًا.

والمقصود بقواعد الاشتباك لدى الجيوش في حالة الحرب؛ هي تلك القواعد التي تهدف بالأساس إلى منع استهداف المدنييّن والمنشآت المدنية من جهة وتقليل الأضرار الجانبية على المدنييّن في أي عملية عسكرية من جهة أخرى.

وفي هذا الإطار؛ كشف التحقيق الإسرائيلي أن قواعد الاشتباك تم تعديلها من جانب جيش الاحتلال، بحيث إنه إذا تم رصد “هدف” تُصّنفه “إسرائيل” على أنه: “عسكري” يتم إصدار الأمر باستهدافه حتى لو كانت المعلومات المتوافرة تؤكد بشكلٍ قاطع، أن: “الأضرار الجانبية على المدنييّن” ستكون بالمئات، يتم اتخاذ قرار توجيه القصف على أية حال.

التحقيق الإسرائيلي؛ الذي شمل إجراء مقابلات مع العديد من مسؤولي المخابرات الحاليين والسابقين في دولة الاحتلال، أشار إلى أنَّ التوقعات المنخفضة بشأن الحد من الأهداف المدنية تم دمجها مع استخدام “الذكاء الاصطناعي” بهدف إنشاء مجموعة واسعة من الأهداف، فيما وصفه أحد الأشخاص الذين تحدثوا للمجلة بأنه: “مصنع اغتيالات جماعية”.

وفي حالة واحدة على الأقل، قالت مصادر إنَّ مخابرات جيش الاحتلال الإسرائيلي وافقت على مقتل مئات الفلسطينيين ضمن محاولة اغتيال أحد القادة العسكريين لـ (حماس).

وعند مقارنة العدوان الإسرائيلي الحالي بأمثاله السابقين على “قطاع غزة”، اتضح أن هناك توسّعًا كبيرًا في: “الأهداف غير العسكرية”، حيث صارت المسّاكن الخاصة والبُنى التحتية والمباني الشاهقة – التي عُرِّفَت جميعها على أنها: “أهداف قوة” – بمثابة أهداف للهجمات.

وقال أحد المصادر للمجلة والموقع الإسرائيليين: “ارتفعت الأعداد من عشرات القتلى المدنييّن، المسّموح باعتبارهم أضرارًا جانبية ضمن هجوم على مسؤول كبير في العمليات السابقة، إلى مئات القتلى المدنيين”.

ويكون عدد الأهداف المدنية المحتملة في هجوم معين معروفًا للمخابرات العسكرية الإسرائيلية قبل كل قصف. إضافة إلى ذلك، سّاهم استخدام نظام (هاسبورا)، وهو نظام “ذكاء اصطناعي” يمكنه توليد أهداف بمعدل أسرع بكثير من ذي قبل، إسهامًا كبيرًا في ارتفاع عدد الشهداء بين المدنييّن.

وقالت مصادر للمجلة الإسرائيلية إنَّ “الذكاء الاصطناعي” مكّن الجيش من تنفيذ غارات على منازل سكنية على نطاق واسع، حتى لمجرد استهداف عضو أو ناشط صغير في (حماس).

وقال مصدر آخر لمجلة (972+ Mag) وموقع (Local Call): “لا شيء يحدث بالصدفة”. وأضاف: “عندما تُقتل فتاة تبلغ من العمر ثلاث سنوات في منزل بغزة؛ فذلك لأنَّ أحد أفراد الجيش قرر أن قتلها ليس مسألة كبيرة؛ وأنَّ ذلك ثمن يسّتحق دفعه من أجل ضرب هدف آخر”.

“إسرائيل” و”الذكاء الاصطناعي” وقواعد الاشتباك..

وفي الغالبية السّاحقة من حالات استهداف المباني السكنية لمجرد أن تقريرًا إسرائيليًا ما، زعم أن أحد أعضاء (حماس) أو أي فصيل مقاوم آخر يعيش في إحدى وحدات المبنى، تتم عملية القصف على الرُغم من أن التقرير ذاته يؤكد أن المبنى لا يُستخدم لأي أغراض سكنية، وقال أحد المصادر في هذا السّياق: “أتذكر أنني كنت أفكر ماذا لو أن المسّلحين؛ (الفلسطينيين)، قاموا بتفجير جميع منازل أسرنا؛ (أسر جنود الاحتلال)، عندما نعود للمنزل لقضاء عطلة نهاية الأسبوع !”.

وهناك أيضًا برنامج “ذكاء اصطناعي” طوره جيش الاحتلال يُسّمى: (ذا غوسبيل-The Gospel) يتم تغذيته بالبيانات، ويقوم البرنامج باختيار: “الأهداف” التي يراد قصفها في “قطاع غزة”، بحسّب تقرير لصحيفة (الغارديان) البريطانية يرصد الوسائل التي يوظفها الجيش الإسرائيلي لتنفيذ: “قصفه المتواصل” على القطاع منذ السابع من تشرين أول/أكتوبر.

كان قائد سلاح الجو بجيش الاحتلال قد أعلن في الأيام الأولى من العدوان؛ أن الطائرات الإسرائيلية تقصف “غزة”: “دون هوادة وعلى مدار الساعة”، وقال للصحافيين إن قواته: “تقصف فقط الأهداف العسكرية”. وعند محاصرته بالأسئلة حول الأعداد الهائلة من الضحايا المدنييّن، خاصةً الأطفال والنساء، رد بالقول إننا: “لسنا جراحين”، أي إن المدنييّن أضرار جانبية غير مقصودة.

جديرٍ بالذكر هنا أن الجيش الإسرائيلي دائمًا ما يتفاخر بأنه: “أكثر الجيوش تطورًا في توظيف التكنولوجيا”، وبعد العدوان السابق على “غزة” عام 2021، أعلن قادة جيش الاحتلال أن “إسرائيل”: “خاضت حربها الأولى بالذكاء الاصطناعي” باستخدام الحوسّبة المتقدمة.

وفي هذا الإطار؛ يُمثل العدوان الحالي على القطاع فرصة غير مسّبوقة لجيش الاحتلال لتوظيف تلك الأدوات التقنية و”الذكاء الاصطناعي” على مستوى أكبر، خاصةً منصة (ذا غوسبيل)؛ المخصصة لتحديد “بنك الأهداف” لقصفها، وهو ما أدى إلى إنتاج أهداف بسرعة قارنها البعض: “بخط الإنتاج”، بحسّب تقرير (الغارديان).

هذه المنصة تعمل بطبيعة الحال من خلال قاعدة البيانات التي يزودها بها الإسرائيليون في أجهزة الاستخبارات وجمع المعلومات وباقي أفرع الأجهزة الأمنية في الجيش، ومع تخفيض قواعد الاشتباك، يُصبح مثلاً مكتب لمتحدث باسم (حماس) أو مكتب إعلامي لـ (حركة الجهاد الإسلامي)، يقع بأحد الأدوار في برج سكني مكون من: (20) طابقًا، تقرر منصة “الذكاء الاصطناعي” أن المبنى يعتبر: “هدفًا عسكريًا” ويتم إرسال إحداثياته للطائرات فتُنفذ القصف على الفور بغض النظر عن أن المكتب: “المستهدف” قد يكون خاليًا من الأساس وقت القصف.

هكذا يختارون “الأهداف” في “غزة” !

وتنطبق هذه “المعايير” على أي هدف آخر تعتبره “إسرائيل” وجيشها وذكاؤها الاصطناعي “عسكريًا”، بمعنى أنه يتم استهداف مبنى سكني أفاد تقرير بأن أحد المقاومين يسكن فيه مع أسرته، ضمن عشرات الشقق الأخرى في المبنى، فيتم قصف المبنى وهدمه على من فيه، رُغم أن “الهدف، أي المقاوم” قد لا يكون في المنزل وقت القصف.

مصدر شارك في الهجمات الإسرائيلية السابقة على “غزة”؛ قال للمجلة الإسرائيلية: “يُطلَب منا البحث عن المباني الشاهقة التي يُمكن أن يُنسَب حتى نصف طابق فيها إلى (حماس)”. وأضاف: “في بعض الأحيان يكون مكتبًا للمتحدث الرسّمي باسم جماعة مسلحة، أو نقطة يجتمع فيها النشطاء. لقد فهمت أنَّ وجود مثل هذا الطابق هو ذريعة تسمح للجيش بإحداث دمار كبير في غزة. هذا ما قالوه لنا”.

وتابع: “لو قالوا للعالم أجمع إنَّ مكاتب (حركة الجهاد الإسلامي) في الطابق العاشر ليست هدفًا مهمًا، لكن وجودها مبرر لهدم البرج الشاهق بأكمله بهدف الضغط على العائلات المدنية التي تعيش فيه؛ من أجل أن يضغطوا على تلك المنظمات الإرهابية، فإنَّ هذا في حد ذاته سيُنظَر إليه على أنه إرهاب. لذلك لا يُصرِّحون بهذا”.

وعلى الرغم من نشر هذه التحقيقات والمعلومات الخاصة بهذا التوظيف لـ”الذكاء الاصطناعي”؛ والذي يصفه خبراء القانون الدولي بأنه انتهاك صارخ لجميع قواعد الاشتباك المتعارف عليها لدى جميع جيوش العالم، باستثناء جيش الاحتلال على ما يبدو”، فإن “إسرائيل” ومسؤوليها يُصرون على أن جيشهم: “أكثر الجيوش إنسانية في العالم” وأنهم يتخذون كافة الإجراءات الممكنة لتجنب استهداف المدنيين، والأغرب من ذلك كله هو أن الزعماء الغربيين وعلى رأسهم الرئيس الأميركي؛ “جو بايدن”، يرددون تلك المزاعم الإسرائيلية، فكيف سيكون موقفهم الآن من هذه الحقائق القادمة من دولة الاحتلال نفسها وليس من مصادر فلسطينية أو حتى عربية ؟!

أخبار ذات صلة

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب