رغم فشله الملموس .. أحلام “الهلال الشيعي” الإيراني في أن يصبح “بدر” المنطقة

    2584

    كتب – سعد عبد العزيز :

    منذ نجاح الثورة في إيران عام 1979 وهي تسعى إلى تصدير مبادئ ثورتها الشيعية إلى الدول العربية، وقد نجحت طهران في ابتلاع بعض العواصم العربية وتشكيل ما يشبه هلالاً شيعياً يعتمد على التواصل الجغرافي من إيران إلى لبنان مروراً بالعراق وسوريا. وفي هذا السياق نشر الكاتبان والباحثان السياسيان الإسرائيليان “نمرود هورفيتس” و”درور زئيفي” مقالاً على الموقع الإسرائيلي “منتدى التفكير الإقليمي” يتعرضان فيه إلى أسباب انهيار الهلال الشيعي، ويستشرفان مستقبل المخطط الشيعي في ضوء التحديات الداخلية والخارجية.

    أصابع إيرانية في الساحات الإقليمية..

    يقول الكاتبان: “منذ صيف عام 2014 يبدو أن إيران باتت تتواجد في كل مكان من الشرق الأوسط، فقد قامت ميليشيات شيعية تدين بالولاء لطهران بالمشاركة في الحرب الدائرة على الأراضي العراقية بينما كان رئيس الوزراء العراقي “نوري المالكي” يرقص طرباً من هذا التدخل الإيراني، وأدار الحرس الثوري الإيراني الحرب ضد قوات المعارضة في سوريا ولم يفعل “الأسد” شيئاً سوى اتباع أوامر الإيرانيين. كما أن ميليشيات الحوثيين في اليمن – والتي تتلقى دعماً إيرانياً واضحاً – قد زادت قوتها كثيراً. أضف إلى ذلك أن علاقات إيران بتركيا قد توطدت على الرغم من التنافس بينهما على صعيد الصراع السني الشيعي. وفضلاً عن كل ذلك تصاعد النفوذ الإيراني في منطقة الخليج وفي شرق المملكة العربية السعودية وحتى في مصر. هذا وتعمل الميليشيات العسكرية الإيرانية، وفي مقدمتها “فيلق القدس”، في ساحات متعددة من المنطقة، لدرجة أن الجنرال الإيراني “قاسم سليماني” يبدو أحياناً وكأنه موجود في ساحات القتال ضد داعش في العراق وكذلك في سوريا، كما أنه يدير المعارك ضد قوات المعارضة الأخرى في شمال سوريا وفي هضبة الجولان، بل وله علاقات بالحوثيين في اليمن.

    كل الظروف كانت في خدمة المشروع الإيراني..

    يضيف هورفيتس وزئيفي: “إن الخوف من “الهلال الشيعي” قد تحول فجأة إلى حقيقة واقعة. فقد استفادت إيران من المناطق التي توجد فيها مجموعات كبيرة من الشيعة وانتهزت فرصة عدم وجود سلطة سياسية قوية، من أجل أن تجد لنفسها موطئ قدم في تلك المناطق وتبسط نفوذها عليها. ولم يكن الأمر مصادفة، فالقوات العسكرية الأميركية قد تورطت بما فيه الكفاية في وحل المستنقع العراقي، ما جعل إدارة “أوباما” تقرر خفض الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، كما أن العالم العربي قد شهد فراغاً سياسياً كبيراً في أعقاب أحداث الربيع العربي. فرأت الجمهورية الإيرانية في كل ذلك فرصتها السانحة التي طالما حلمت بها منذ نجاح الثورة الشيعية عام 1979، وهي الفرصة في تصدير ثورتها الشيعية إلى دول المنطقة ومن ثم تتحول إلى قوة واسعة النفوذ في الشرق الأوسط”.

    الهلال الشيعي قد يحرق إسرائيل..

    يرى الكاتبان الإسرائيليان أن هذا المشروع الإيراني الجرئ قد ألحق مزيداً من الضرر بمكانة الولايات المتحدة في المنطقة، والأدهى من ذلك أنه شكل خطراً متزايداً على أمن إسرائيل. فالتواصل الجغرافي المفتوح من طهران إلى بيروت كان من شأنه أن يضع إسرائيل في موقف حرج، بل كان سيُعيد إحياء الجبهة الشرقية التي سقطت بسقوط العراق وسوريا.

    أسباب أفول الهلال الشيعي..

    يعتقد الكاتبان هورفيتس وزئيفي، أن تضافُر عدد من العوامل معاً كان السبب في إفشال ذلك المشروع، فقد أشار بعض المحللين إلى حدوث مشكلات في عدد من الملفات الرئيسة أدت إلى عرقلة المشروع برمته. وفيما يلي نستعرض بعضاً من هذه المشكلات:

    جهد كبير ونجاح ضئيل..

    يقول الكاتبان: “بعد فترة وجيزة من بداية تحركات الثوار ضد “بشار الأسد” في عام 2011، اتضح جلياً أن الجيش السوري ليس مستعداً لمواجهة الثورة، فسرعان ما خسر النظام مناطق واسعة في شمال البلاد، والمناطق الكردية، ومناطق حلب وحمص وبادية الشام والرقة ودير الزور والحسكة والجولان. فتوجه السوريون إلى حلفائهم الإيرانيين طلبًا للمساعدة العاجلة، وبالفعل أتت الاستجابة الإيرانية سريعاً وبأشكال متعددة، حيث أصدرت طهران تعليمات صريحة لحزب الله اللبناني بالمشاركة في القتال، كما أرسلت مستشاري الحرس الثوري لمعاونة الجيش السوري، كذلك حشدت الكثير من الميليشيات الشيعية، هذا بخلاف تقديم الكثير من المال والسلاح. ولكن على الرغم من هذا الإنفاق الضخم لم تستطع إيران إخماد الثورة، وظلت إنجازات المليشيات الشيعية في المعارك البرية محدودة، واستمر نظام الأسد ينزف بوتيرة متسارعة”.

    التدخل الروسي قلب الطاولة على الإيرانيين..

    يوضح الكاتبان الإسرائيليان أن الرئيس الأسد قرر في أيلول/سبتمبر 2015 تغيير تكتيكاته، فدعا روسيا للتدخل في الحرب ومساعدته في استعادة سيطرته على البلاد. وصادف هذا المطلب السوري رغبة روسية في إعادة تأسيس منطقة نفوذ لها في الشرق الأوسط، وتعزيز وجودها العسكري، والقضاء على الفصائل السنية المسلحة التي تعج بمسلمين شراكسة وشيشانيين وآخرين من آسيا الوسطى وروسيا، وهؤلاء جميعاً يهددون أمن روسيا نفسها. وكان التدخل الروسي كفيلاً بتغيير ملامح المعركة، ففي غضون فترة وجيزة نجح النظام بمعاونة الروس في استعادة كثير من المناطق التي سيطرت عليها المعارضة، وتحرير حلب وحمص، وإجبار تنظيم داعش على التقهقر إلى الرقة والحسكة ودير الزور. وفي الوقت نفسه حدد النظام وحلفاؤه الروس من يستطيع الطيران في الأجواء السورية، وحددوا كذلك مناطق المعارك، واتفقوا مع إسرائيل على توقيت وكيفية قصف أهداف داخل سوريا. ومن الواضح تماماً الآن أن روسيا هي من تدير شؤون سوريا بينما أصبح الدور الإيراني يأتي في المرتبة الثانية في أحسن الأحوال. ومن المعلوم أن روسيا تسمح لإيران وحزب الله بالعمل في الساحة السورية، ولكن وفقاً لتعليماتها فحسب.

    العبادي يدير ظهره لطهران..

    يرى الكاتبان أنه عندما خلف “حيدر العبادي” “نوري المالكي” في منصب رئيس وزراء العراق، لم يتوقع أحد أن هذا الأمر يمثل تغيراً كبيراً في الحالة العراقية، فكل ما في الأمر أن سياسياً طائفياً شيعياً قد حلَّ محل آخر. لكن العبادي قد فاجأ الجميع، فمنذ توليه مهام منصبه قبل سنتين ونصف، عمل على إعادة بناء الجيش العراقي لا سيما في قدراته الهجومية، وعزز سيطرته على المناطق السنية في البلاد وكوّن علاقات جيدة مع زعماء السنة، كما نجح في منع انفصال الإقليم الكردي عن العراق، وبالتوازي مع كل ذلك عمل على تقليل التدخل الإيراني إلى حد كبير.

    ويؤكد الكاتبان الإسرائيليان على أن نقطة التحول الحقيقية تمثلت في عملية استعادة “تكريت” من أيدي تنظيم “داعش” في ربيع العام 2015، فقد توصل العبادي إلى نتيجة مفادها أن الإدارة الإيرانية للمعركة ليست ناجعة، بل قد يكون الإيرانيون هم من يتعمدون عرقلة عملية استعادة تكريت من أجل إبقاء نفوذهم مدة أطول. وبتنسيق مع الولايات المتحدة تم إقصاء إيران عن إدارة المعركة، واستطاع الجيش العراقي استعادة المدينة مدعوماً من الجيش الأميركي. ومنذ ذلك الحين تراجع دور إيران في قيادة المعارك، كما هُمِّش دور ميليشيات “الحشد الشعبي” الشيعية – الذراع الإيرانية في العراق – في معارك تحرير الموصل والمناطق الشمالية في العراق.

    ويضيف الكاتبان أنه بالتوازي مع ذلك وقعت بعض التغيرات السياسية المهمة، فزعماء الإقليم الكردي ذي الغالبية السنية قرروا عدم الانفصال عن العراق، والإبقاء على بلاد الرافدين دولة موحدة. كما اتجهت الحكومة العراقية إلى تعزيز علاقاتها مع الدول السنية وفي مقدمتها المملكة السعودية، كثقل موازٍ للنفوذ الإيراني. وهكذا عادت الجمهورية الإيرانية إلى حجمها الطبيعي كجارة قوية فعلاً ولكنها لم تعد الآمر الناهي في العراق.

    التحدي التركي..

    يلفت الكاتبان هورفيتس وزئيفي إلى انه ” كانت تركيا إبان المرحلة العثمانية المنافس الأكبر لإيران في منطقة الهلال الخصيب، ولأجل السيطرة عليها وقعت حروب كثيرة بين الطرفين. وفي عهد أردوغان، اعتبرت تركيا المشرق العربي منطقة نفوذ شبه حصري لها، ولذلك بذلت قصارى جهدها لتصبح القوة السياسية الرئيسة في المنطقة، فألقت بكامل ثقلها السياسي فيها، وأنفقت أموالاً هائلة لدعم اقتصادياتها وربطها بالمصالح التركية. ولكن عندما بدأت الفوضى تعم المنطقة في مطلع العقد الحالي، بدأت تركيا تنسحب منها، بل طُرِدَت في بعض الأحيان كما حدث مع النظام السوري والعراقي والمصري تحت حكم الرئيس السيسي”.

    وفي المقابل يرى الكاتبان الإسرائيليان أنه وقعت أحداث مثيرة على مستوى العلاقات بين أنقرة وطهران، فعندما فرض المجتمع الدولي عقوبات كبيرة على إيران، رأى الإيرانيون أن تركيا تستطيع مساعدتهم في مواجهة هذه العقوبات، فدفعوا أموالاً هائلة لـ”شراء” القيادة السياسية التركية، فحصل أردوغان ووزراؤه وكبار رجال الاقتصاد الأتراك على مليارات يصعب حصرها في مقابل مساعدة الإيرانيين على التحايل على العقوبات من خلال تأسيس شركات وهمية وشراء أطنان من الذهب.

    التحديات في الداخل الإيراني..

    ختاماً يعتقد الكاتبان هورفيتس وزئيفي أنه حتى في داخل إيران نفسها يمكننا ملاحظة تحركات تسعى إلى تقويض مخطط “الهلال الشيعي”، ففي أيلول/سبتمبر 2015 بعث “صادق زيبا كلام” – أستاذ العلوم السياسية بجامعة طهران وأحد رواد الفكر في إيران – برسالة إلى وزير خارجية بلاده “جواد ظريف” يحتج فيها على دعم إيران للرئيس السوري، وهو ما يتسبب في زعزعة مكانة إيران في نفوس الجماهير العربية. وقد حدثت عدة مشكلات داخلية في إيران يمكن إرجاعها إلى الاحتجاج على تدخلها في سوريا. وبسبب منظومة العقوبات التي فُرِضت على إيران لسنوات طويلة ماضية، وبسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة والانخفاض الحاد في أسعار النفط، فإن الوضع الاقتصادي للجمهورية الإيرانية يعاني من مشاكل كبيرة، كما أن إنفاقها الهائل على الحروب الدائرة في المنطقة يحد كثيراً من قدرتها على الاستثمار الداخلي وتنمية اقتصادها.

    إن كل هذه العوامل التي تضافرت معاً قد أدت من وجهة نظر الكاتبين الإسرائيليين إلى انحسار الهلال الشيعي وأفوله ولو مؤقتاً، وعلى دول الخليج وفي مقدمتها السعودية أن تستثمر هذه الظروف للقضاء على هذا الهلال الذي لو قٌدر له أن يصير بدراً فإنه سيحرقها بناره قبل أن يحرق إسرائيل أو أي دولة أخرى.

    يُذكر أن العاهل الأردني الملك “عبد الله” هو من سك مصطلح “الهلال الشيعي” في عام 2004، كما يُذكر أن “قيس الخزعلي” زعيم مليشيا “عصائب أهل الحق” في العراق صرح قبل يومين أن الفصائل الشيعية ماضية في مشروعها لإقامة “البدر الشيعي” وليس الهلال الشيعي.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا