حينما يحكمنا الكذب والخداع .. “العَلم الزائف” إستراتيجية شكلت تاريخ الحروب العالمية وتتموه بـ”نظريات المؤامرة” !

    وكالات – كتابات :

    هل تعرضت يومًا لمصطلح: “العَلم الزائف” أو التحذير الزائف ؟.. هل تعرف أن الجيوش تستخدمه عادة لتبرير التدخلات العسكرية في دول أخرى ؟..

    ذُكر المصطلح للمرة الأولى باعتباره تعبيرًا مجازيًا يدل على التدليس والتحريف، ومع زيادة الصراعات البشرية وجدت فيه الجيوش إستراتيجية ونظرية عسكرية تعتمد عليها لتكون ذريعة لتبرير أسباب شن الحروب والهجمات، وأصبحت نظرية ذات قواعد وأسس تُدرس، فما هي قصة “العلم الزائف” ؟

    الاستفادة من تجارب قراصنة العصور الوسطى..

    “العَلم الزائف” هو مصطلح عسكري سياسي، يُقصد به عملية سرية يقوم بها طرف ليلقي باللوم على طرف آخر؛ مما يُمهد الطريق لأي رد فعل من جانب الطرف صاحب عملية “العَلم الزائف”، تهدف عملية “العَلم الزائف” لخلق قصص، مشاعر، وأفكار، تشغل عقول الجمهور، وتجعله يتعاطف، ويدعم، أو يكره وينفر من القصة المطروحة.

    أشتق المصطلح من ممارسة القرصنة في أعالي البحار، ويُقصد بكلمة: “العَلم”، قطعة القماش الملونة المنقوشة التي تُدل على اسم دولة بعينها، “العَلم” الذي ترفعه السفن ليعرف الجميع جنسية السفينة، كان القراصنة في الماضي حين يقتربون من سفينة تجارية للاستيلاء عليها يقومون بإنزال علم القراصنة ورفع علم دولة صديقة للسفينة؛ مما يُسمح لهم بالاقتراب دون مقاومة، ومهاجمة السفينة بنجاح، ومن هنا أشتق مصطلح: “العَلم الزائف”؛ للكناية عن حدوث عملية خداع.

    حاليًا تستخدمها الجيوش ذريعة لبدء الحروب، ويستخدمها السياسيون ضد بعضهم البعض في الحروب الحزبية، ويُطلقها الحكام على الشعوب لتمرير القوانين، وتستخدمها أجهزة المخابرات لخلق وتحفيز حالات التمرد والثورة، وانتشرت الفكرة على نطاق واسع مع بداية الحرب العالمية الثانية، واستمرت في التطور على يد “الولايات المتحدة الأميركية” وحروبها.

    فعلى سبيل المثال انفجرت سفينة أميركية، عام 1898، في “ميناء هافانا”، التابع للتاج الإسباني، في ذلك الوقت، وجهت “الولايات المتحدة الأميركية” أصابع الاتهام إلى، الحكومة الإسبانية، وحمّلتها مسؤولية الحادث، لكن بعض المصادر زعمت، بناءً على تحقيقات؛ أن “الولايات المتحدة الأميركية” استخدمت إستراتيجية: “العلم الزائف” لإشعال الحرب؛ مما مهد لإعلان الحرب على “إسبانيا”، فيما عُرف بالحرب “الإسبانية-الأميركية”: 1898 – 1902.

    لكن بالعودة إلى الوراء؛ نجد أن أولى حالات “العَلم الزائف” الحربي ظهرت، في القرن الـ 18، حين أراد ملك السويد، “بولد الثالث”، الثأر من “روسيا” بسبب هزيمة، حرب 1741، وكان يُريد دعم الشارع والبرلمان لإعلان الحرب على “روسيا”، لكنه لم يتلق أي دعم، فأعطى الملك أوامر للجنود السويديين، عام 1788، بإرتداء الزي العسكري الروسي، ومهاجمة قرية سويدية تقع على الحدود “الروسية-السويدية”؛ مما سمح له باتهام “روسيا” وإعلان الحرب عليها، فيما عُرف بالحرب “الروسية-السويدية”: 1788 – 1790 !

    أثناء الحرب العالمية الثانية..

    حاول “الحزب النازي” الإنفراد تمامًا بالسلطة وقمع المعارضة، عام 1933، فقام باستخدام إستراتيجية: “العَلم الزائف”؛ للقضاء على الشيوعية والمعارضة في البلاد. فأُحرقت مقرات الحكومة في “الرايخ” بشكل متعمد، ثم ألقي القبض على شخص شيوعي واحد فقط، لكن الحكومة استطاعت إلصاق تهمة الحرق بالمعارضة، وخاصة الشيوعية، لتعطي عملية “العَلم الزائف” – هذه – “هتلر”، سببًا وجيهًا للقضاء على المعارضة.

    وفي السياق نفسه؛ قامت مجموعة من الجنود الألمان بتنفيذ عملية “عَلم زائف” على الحدود “البولندية-الألمانية”، قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، عندما تنكر الجنود الألمان في زي جنود بولنديين، وتوجهوا إلى قرية حدودية، وقاموا بالاستيلاء على مركز راديو وإذاعة أخبار معادية لـ”ألمانيا” و”الحزب النازي”، فاستغل “هتلر”، عملية: “العَلم الزائف”، تلك مبررًا لاحتلال “بولندا”، عام 1939، وعرفت الحادثة تاريخيًا باسم: “عملية غلايفتز”.

    احتاج النازيون للدعم الداخلي والخارجي لشن الحرب، وكانت إستراتيجية “العَلم الزائف” هي سلاحهم السري لبدء تلك الحرب، وعليه راح النازيون يروجون قصص عن كون اليهود أعداء “ألمانيا”، واتهموهم بأنهم السبب في هزيمة الألمان في الحرب العالمية الأولى، ولذلك يجب التخلص منهم. وقتل “هتلر” الملايين اعتمادًا على تلك العملية الكاذبة؛ والتي صنفت لاحقًا عملية “عَلم زائف”، وكانت أحد أسباب اندلاع الحرب العالمية الثانية، عام 1939.

    الجيش السوفياتي أيضًا استخدم: “إستراتيجية العَلم الزائف”؛ ففي عام 1939؛ وقع قصف مدفعي شديد لقرية “ماريانيلا” الروسية؛ بالقرب من الحدود الفنلندية. بعدها ألقت السلطات السوفياتية بالمسؤولية على “فنلندا”، واستخدم “ستالين”، الحادث، ذريعة لغزو “فنلندا”، إذ كانت عملية “عَلم زائف” مقنعة، أدت إلى بدء ما سُمي: “حرب الشتاء بين فنلندا والاتحاد السوفياتي”.

    جدير بالذكر أنه مع تورط “أميركا”، في الحرب العالمية الثانية؛ زعم مناهضو الحرب أن الهجوم على “ميناء بيرل هاربور”، من قِبل القوات اليابانية؛ كان عملية: “عَلم زائف”؛ لحث الشعب على دعم قرار دخول “الولايات المتحدة الأميركية”، الحرب العالمية، بجوار الحلفاء.

    إستراتيجية “العَلم الزائف” تزدهر على يد “أميركا” وحلفائها..

    عقب إنتهاء الحرب العالمية الثانية؛ زاد استخدام إستراتيجية “العَلم الزائف” على يد “الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وإسرائيل”، طوال فترة التسعينيات.

    فقد اعترضت “بريطانيا” على قرار رئيس الوزراء الإيراني، “محمد مصدق”، بتأميم شركات “النفط”، وطلبت مساعدة “أميركا” في عمل ثورة تُطيح بـ”مصدق” من الحكم، وتأتي بـ”الشاه”، الأكثر مرونة في مسألة “النفط”، تدخلت “أميركا”، في الثورة الإيرانية، عام 1953، تحت عملية “عَلم زائف”، عندما دعمت الشاه الإيراني، “محمد رضا”، وشنت أعمال عنف وتخريب، ومن ثم إلصاق التهمة بالشيوعيين، وعُرفت هذه العملية باسم: (تي. بي. أجاكس-TP-Ajax).

    على جانب آخر؛ رفض الرئيس الأميركي، “جون كينيدي”، “خطة نورث وودز”، عام 1962، المُقدمة من الحكومة الأميركية لتبرير التدخل العسكري في “كوبا”، والتي شملت تنفيذ أعمال عنف وتخريب وتفجيرات على أرض “الولايات المتحدة”، يقوم بها الجيش الأميركي بزي وشكل القوات الكوبية؛ لتأجيج الرأي العام ضد “كوبا” ودعم الحرب عليها !

    ومن أشهر عمليات “العَلم الزائف” الأميركية؛ ما يُعرف باسم حادثة: “خليج تونكين”، في “فيتنام”، عام 1964، حين أدعت “أميركا” تعرض إحدى المدمرات الأميركية لمحاولة تفجير وإطلاق نار من زوارق فيتنامية، بعدها قامت المخابرات الأميركية بتلفيق هجوم آخر كاذب بعد يومين من حادثة “تونكين”؛ ما سمح بإصدار “الكونغرس” الموافقة على زيادة التدخل العسكري الأميركي في “فيتنام”.

    وفي السياق ذاته؛ نشرت وثائق عام 2003؛ توضح محاولة “أميركا” و”بريطانيا”؛ تنفيذ إستراتيجية “العَلم الزائف”، في “سوريا”، عام 1957، وذلك عبر شن عدة هجمات حدودية على “سوريا” لخلق حالة من الإرتباك والتمهيد لدول مجاورة موالية للغرب، دخول “سوريا” عسكريًا، ولم تكن تلك محاولة “العَلم الزائف” الوحيدة في الوطن العربي.

    فقد ألقت السلطات المصرية؛ القبض على مجموعة يهودية في “مصر”، عام 1954، حاولت تنفيذ عملية: “عَلم زائف” لصالح “إسرائيل”، من خلال القيام بمجموعة من عمليات التخريب، والتفجير للمباني الأميركية والبريطانية في “مصر”، وإلصاق التهمة في النهاية بـ”الإخوان المسلمين”، والشيوعيين، وأنصار الحكومة، من أجل إقناع “بريطانيا” بعدم سحب القوات الإنكليزية من “قناة السويس”. واتُهمت “إسرائيل” أيضًا، بين عامي :1979 – 1983، بمحاولة تنفيذ عمليات تفجير سرية في “لبنان”، باعتبارها: “عَلمًا زائفًا” وذريعة للتدخل العسكري، وراح ضحيتها العديد من المدنيين، لكن الحكومة الإسرائيلية لم تعترف قط بهذه العمليات.

    وأخيرًا.. نظرية المؤامرة تحارب “العَلم الزائف”..

    اتهم البعض، الحكومة الأميركية والحكومة الإسرائيلية؛ بتنفيذ عملية: 11 أيلول/سبتمبر 2001، باعتبارها عملية: “عَلم زائف”، الهدف منها الحرب على الإسلام، واحتلال “أفغانستان”، و”العراق”، للاستفادة من الموارد الطبيعية في البلدين.

    وبعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، تغير مفهوم: “العَلم الزائف”، الذي تأكد وجوده في التسعينيات وأصبح المصطلح بمثابة تفسير لكل ما هو غير مفهوم وغير واضح، وجرى التسويق لـ”العَلم الزائف”، فيما بعد؛ باعتباره نظرية مؤامرة يُصدقها ضعاف العقول، في محاولة للتشويش على واقع العمليات السرية، واختلطت الأوراق بين معنى: “نظرية المؤامرة”؛ ومعنى إستراتيجية: “العَلم الزائف”، وأي حدث يقع حاليًا بسبب إستراتيجية “العَلم الزائف” يُصنف على أنه نظرية مؤامرة ومحتوى كاذب.

    فيعتقد الكثيرون أن أحداث 11 أيلول/سبتمبر؛ أحداث مفتعلة وعملية “عَلم كاذب”، كما يرون أيضًا عملية إطلاق النار العشوائي، عام 2012، في مدرسة “ساندي هوك” الابتدائية، عملية “عَلم زائف”، لمساعدة الرئيس، “أوباما”، على تمرير قوانين حظر على الأسلحة الصغيرة.

    واتُهمت “روسيا”، بقيادة عملية “عَلم زائف”، بشكل إلكتروني، مع ظهور جماعات التمرد الإسلامي وانتشارها في الشرق الأوسط، واستخدام “الكرملين” عشرات الهاكرز من الجماعات المتشددة؛ وغيرها في التجسس لصالح “الكرملين”. بينما يرى البعض أن الهجوم على الجريدة الفرنسية الساخرة، (شارلي إيبدو)؛ كان عملية “علَم زائف”؛ هدفها تشويه مسلمي أوروبا والمهاجرين.

    حتى أن البروفيسور، “ستيفين غرير”؛ يؤمن أن ظاهرة: “الأطباق الطائرة”؛ ما هي إلا عملية “عَلم زائف”؛ تقوم بها “أميركا” لتوحيد العالم تحت قيادتها يومًا ما ضد الغزو الفضائي المحتمل !

    وأخيرًا وصلت نظريات “العَلم الزائف” إلى ساحة الحروب الحزبية الأميركية، ففي مسح أجرته جريدة (واشنطن بوست)، عام 2014، أجاب أعضاء الحزبين: “الجمهوري” و”الديمقراطي”؛ بالإيجاب وبالتساوي على ما إذا كانوا يؤمنون بجملة: “يجري التحكم في جزء كبير من حياتنا من خلال مؤامرات محاكة في أماكن سرية !”.

    وفي عام 2018؛ ظهرت معارك حزبية بين الديموقراطيين والجمهوريين؛ اتهم فيها كل منهما الآخر؛ بمحاولة تنفيذ عملية “عَلم كاذب” للتأثير على الانتخابات؛ إذ أمتلأت الأخبار بإرسال طرود تحتوي قنابل تفجير لكل خصوم “ترامب” السياسيين، ومنهم، “جو بايدن”، و”باراك أوباما”، و”بيل” و”هيلاري كلينتون”، وحتى مبنى (سي. إن. إن)، وفي المقابل اتهم “ترامب” وأنصاره، الخصوم؛ بمحاولة تنفيذ عملية “عَلم زائف” للتأثير على الناخبين لصالح طرف ما. لكن – وكما ذكرنا في بداية هذه الفقرة – أصبح من الصعب التعرف على أية عملية من عمليات: “العَلم الزائف”، في الوقت الحالي؛ إذ يُصعب حاليًا التفريق بين: “العَلم الزائف” و”نظرية المؤامرة” !

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا