تحت جنح ظلام “بيروت” .. “المونيتور”: التسمم الغذائي ينهش لبنان !

    وكالات – كتابات :

    أعد “ألفريد ندَّاف”، صحافي وطالب ماجستير في اللغة العربية وآدابها بـ”الجامعة الأميركية” في “بيروت”، تقريرًا نشره موقع (المونيتور)، تناول فيه حالات التسمم الغذائي المتزايدة في “لبنان”، منذ الصيف؛ بسبب انقطاع التيار الكهربائي. وذكر التقرير أنه لم يُعلن بعد عن الحجم الحقيقي للأرقام رسميًّا، وفقًا لـ”وزارة الصحة العامة” اللبنانية.

    وينقل التقرير عن، “محمد أبيض”، الأستاذ المساعد في معالجة وتعبئة الأغذية في “الجامعة الأميركية”، في “بيروت”، قوله لموقع (المونيتور): “المشكلة هي أننا نعلم أن هناك ارتفاعًا حادًّا في حالات التسمم الغذائي؛ لأن جميع العوامل المرتبطة بالتسمم الغذائي موجودة. ثمة عجز في الكهرباء يؤثر في التبريد، مما يؤثر في جودة الطعام وسلامته. لكن التقارير لا تُشير إلى ذلك”.

    ويوضح “ندَّاف” أنه جرى تشكيل لجنة من تسعة خبراء تُعرف باسم: “اللجنة العلمية لسلامة الغذاء”، في الأول من أيلول/سبتمبر؛ بواسطة “وزارة الصحة العامة”، للتحقيق في القضايا الطارئة لسلامة الغذاء؛ التي تتزامن مع أزمة الكهرباء.

    مئات الحلات غير الموثقة أو المسجلة..

    قالت رئيسة اللجنة، “جويس حداد”، التي تشغل أيضًا منصب مدير سلامة الغذاء في “وزارة الصحة العامة”، إن المشكلة الأكبر هي عدم وجود نظام لتتبع المعلومات الدقيقة. في عام 2019، جرى الإبلاغ عن: 510 حالات تسمم غذائي. وعلى الرغم من كل الأدلة على الارتفاع الحاد في عدد الحالات، جرى الإبلاغ عن: 210 فقط، حتى الآن، في عام 2021.

    يتمثل أحد أهداف اللجنة؛ في إنشاء جهاز لا يجمع الإحصاءات من المستشفيات فحسب، بل يُشجع أيضًا الأطباء والصيدليات على الإبلاغ عن الأرقام في أعقاب ارتفاع معدلات التسمم الغذائي. وفقًا لتقرير صدر مؤخرًا عن منظمة “المفكرة القانونية” اللبنانية غير الحكومية، فإن واحدًا من كل ثلاثة أشخاص يدخلون الصيدليات يطلبون أدوية لعلاج التسمم الغذائي. كما غرد مراسل قناة (إم. تي. في) التلفزيونية المحلية، في تموز/يوليو: “من منكم عانى مؤخرًا من تسمم غذائي ؟”، وتلقت تغريدته مئات الردود.

    على مدى العامين الماضيين – يُشير “ندَّاف” – عانت البلاد من أزمة مالية غير مسبوقة، بالإضافة إلى نقص حاد في الأدوية والوقود. كما شهدت “بيروت” انفجارًا هائلًا دمر أجزاء كبيرة من العاصمة. لكن في حين أن بعض اللبنانيين؛ الذين لديهم دولارات، (جرى تحويلها مباشرة من الخارج وغير متوفرة حاليًا في حسابات بنكية)، بعيدون عن العاصمة؛ وتمكنوا من الهرب من المحن والمآسي التي طالت الكثيرين، فإن آثار أزمة الكهرباء – مع التسمم الغذائي – يشعر بها كل منزل.

    أزمات التسمم الغذائي ليست جديدة..

    وعلى الرغم من وجود زيادة في الحالات، فإن قضية التسمم الغذائي ليست جديدة في “لبنان”. في عام 2015، أطلق وزير الصحة العامة، آنذاك، “وائل أبوفاعور”، حملة سلامة الغذاء. أصدرت الحملة مرسومًا بقانون سلامة الغذاء رقم (48)، الذي نص على تشكيل “هيئة سلامة الغذاء” اللبنانية، وهي هيئة معادلة لـ”إدارة الغذاء والدواء”، في “الولايات المتحدة”. لكن بسبب الخلافات السياسية حول إيجاد “الكوتا” الطائفية الصحيحة، لم يجر إنشاء اللجنة قط.

    إن أزمة الكهرباء قائمة أيضًا منذ عقود – ينوه “ندَّاف” -، ولكن مع الإنهيار الاقتصادي الذي يعود إلى عامين، كافحت الدولة أكثر من أي وقت مضى لتوفير ما يكفي من الوقود والطاقة لسكان البلاد. لقد أصابت إحدى أكثر تداعيات أزمة الوقود ضررًا شركات الأغذية الصغيرة ومحلات السوبر ماركت والمطاعم. وأصبح تأمين الطعام اليومي عملية معقدة، والذين اعتادوا على طلب الوجبات عبر خدمات التوصيل يفكرون الآن مرتين قبل أن يرفعوا الهاتف خوفًا من التسمم الغذائي.

    افتتحت “هبة المصر”، (40 سنة)، في عام 2011؛ شركة للتموين الغذائي أطلقت عليها اسم: “المطعم الشرقي”، بهدف تقديم أطباق صحية لسكان “بيروت”. تقول “المصر”: “في ذلك الوقت، كانت الأيام أسهل. ولبنان في حال أفضل. كانت هناك كهرباء. واستقر الدولار عند: 1500 ليرة، وكان يمكننا الشراء والبيع ونشعر براحة أكبر”.

    أكثر ما يزعجها اليوم هو الزيادة الباهظة في الأسعار. ومع ذلك فهي لا تزال مُلتزمة بتقديم الطعام الصحي في أعقاب أزمة التسمم الغذائي. أضافت “المصر”: “ما زلت أستخدم لوازم الطهي؛ وكل شيء كما كان من قبل لضمان الجودة نفسها. أنا قلقة للغاية الآن بشأن سلامة الغذاء، وأريد أن يكون طعامنا نظيفًا حتى لا يمرض أحد منه”.

    عجز حكومي كامل عن توفير الكهرباء..

    اضطرت العديد من محلات السوبر ماركت والمطاعم؛ إلى التحول إلى شركات مواد خام وموردين أقل جودة نتيجة لارتفاع الأسعار. عُرضت لافتة خارج متجر “كارفور”، في “سيتي مول” مؤخرًا؛ تقول: “نلفت عناية عملائنا الكرام، جرى إيقاف تشغيل هذه الثلاجة ونقل المنتجات إلى ثلاجات أخرى للحفاظ على الوقود الكافي لنتمكن من الاستمرار في خدمتكم لأطول فترة ممكنة”.

    يمكن أن تظل المنتجات المجمدة، (48 ساعة)؛ حتى تُصبح خطرة على الاستهلاك البشري. لكن بالنسبة للتبريد، بما في ذلك منتجات الألبان، يُفسد الطعام بعد أربع ساعات فقط. في الواقع، تراجعت 80% من المبيعات في محلات السوبر ماركت في جميع أنحاء البلاد، وفقًا لـ”نبيل فهد”، رئيس “نقابة مالكي السوبر ماركت”، في “لبنان”. ولما كانت كهرباء الدولة تستخدم لتغطية معظم الطاقة في المدينة؛ مع اعتماد الناس على المولدات – يكشف “ندَّاف” – فقد انعكس الوضع تمامًا الآن، وتعمل بعض المولدات لأكثر من 12 ساعة في اليوم.

    ونقل التقرير عن، “مصطفى كلش”، مدير حانة “الجيران”، لموقع (المونيتور): “لم نُعد نحصل على الكهرباء من الحكومة أكثر من ثلاث ساعات في اليوم؛ إذا كانوا يحبونك !”. عملت كهرباء الدولة، خلال المقابلة لمدة خمس دقائق ثم انقطعت على الفور. كما أغلق المطعم الواقع في شارع “الحمرا” الشعبي أبوابه لمدة أربعة أيام؛ كإجراء وقائي ضد التسمم الغذائي المحتمل. لم يُعد يفتح المطعم، الذي يعمل منذ 14 عامًا، لتوفير وجبات الإفطار.

    أضاف “كلش”: “اضطررنا إلى الإغلاق لمدة أربعة أيام، من: 06 إلى 10 آب/أغسطس، لأننا أدركنا أن الطعام كان فاسدًا ولم نرغب في إصابة الناس بالتسمم. قمنا بتنظيف الثلاجات والمجمدات ووضعناها في الخارج في الشمس؛ لأن العفن كان ينمو. الطعام يصل إلينا فاسدًا بالفعل لأن الموردين يحتاجون إلى الكهرباء. كان هذا الإغلاق ضروريًّا لأنه أظهر للناس أننا حذرون، ويجب على جميع المتاجر في بيروت فعل ذلك. في كل بيروت، لم تكن هناك كهرباء، ولكن نادرًا ما أغلقت الأماكن”.

    وبحسب “أنطوان الزغبي”، رئيس قسم الطواريء في مستشفى “أوتيل ديو”، فإن حالات التسمم الغذائي ارتفعت بنسبة: 20% عن العام الماضي. وقال إن أعراض من يُعانون من التسمم الغذائي أصبحت الآن أكثر حدة من أي وقت مضى.

    بدأ ارتفاع حالات التسمم الغذائي، في ربيع عام 2021، عندما انتهى الإغلاق واستؤنفت التجمعات في الأماكن العامة. وكثير ممن يتعرضون للتسمم الغذائي لا يذهبون إلى المستشفيات، خوفًا من جائحة (كورونا)، أو ارتفاع فواتير المستشفيات أو نقص الأدوية. قال “أبيض”: “يعرف الناس أنه لا يوجد الكثير من الأدوية المتاحة، لذا فإن الذهاب إلى المستشفى بدون دواء لن يُغير شيئًا، ويفضل الناس البقاء في المنزل”.

    إن أكبر أزمة تُساهم في ارتفاع معدلات التسمم الغذائي هي الاقتصاد المُتعثر – يُشدد “ندَّاف” – عندما بدأت الأزمة المالية وفقدت “الليرة”: 80% من قيمتها، تراجعت رواتب المفتشين. إن الأجر المنخفض يعني أن الكثير من دخل الأفراد سينفق على الغاز أو المواصلات. أضف إلى ذلك احتمالات الرشوة التي تزداد في الأوقات العصيبة.

    وأَضاف “أبيض”: “أنت لا تُريد إجراء تفتيش في هذه المرحلة؛ لأن الرشوة سترتفع. إذا أعطى صاحب مصنع أموالًا إضافية لمفتش حتى لا يكشف عن المعلومات التي جمعها في حالة حدوث انتهاكات، فقد لا يقوموا بعملهم. وقد استقال ثمانية من أصل: 50 مفتشًا، بوزارة الصحة العامة، في الأسابيع الأخيرة”.

    وأكد “حداد”: “ليس المفتشون فقط، ولكن أولئك الذين يشغلون مناصب عليا أيضًا يستقيلون. نحن نُعاني من أزمة موارد بشرية ضخمة”. على الرغم من هذه الاستقالات الجماعية، قرر العديد من الأطباء وموظفي الرعاية الصحية البقاء بدافع الالتزام الأخلاقي تجاه مرضاهم.

    تشكلت الحكومة اللبنانية، في 10 أيلول/سبتمبر الماضي؛ بعد أكثر من عام من الشلل السياسي في البلاد. وينوه التقرير إلى ما ورثه وزير الصحة العامة الجديد، “فراس أبيض”، المتمثل في جبل من التحديات. وعلى رأس جدول أعماله توفير الأدوية والعلاج، خاصة بالنسبة: لـ 78% ممن تُعدهم “الأمم المتحدة”: تحت خط الفقر. في غضون ذلك، تحاول “اللجنة العلمية لسلامة الغذاء” إيجاد حلول للحد من أزمة التسمم الغذائي، ويعملون مع نقابات مختلفة لوضع خطة طواريء وجمع بيانات دقيقة.

    وينقل التقرير ما قاله “كلش”، مدير الحانة: “لدينا مشكلات مال وكهرباء، وفي البنية التحتية وكل ما يؤثر في الصحة، بالإضافة إلى مشكلة التسمم الغذائي. لطالما قلنا إننا لن نصل إلى وضع سنضطر فيه إلى الإغلاق بسبب الكهرباء، لكننا فعلنا ذلك. هذا من أجل مصلحة المتجر، وعملائنا”.

    ترجمة: عبدالرحمن النجار

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا