بين التوسعية الفارسية والأطماع الأميركية .. هل ينجح الثوار في اقتناص عراقه في “معركة الهوية” ؟

الأحد 15 كانون أول/ديسمبر 2019
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص : كتبت – هانم التمساح :

اليوم؛ يدفع “العراق” ثمن المغالطات الأميركية والأطماع التوسعية الإيرانية.. فما وصل إليه حال “العراق” من تفشي الفساد وفقدان هويته العربية؛ ما هو إلا نتاج تكالب قوى الشرق والغرب على بلد عربي من أغنى بلدان العالم بحضارته وهويته الضاربة جذورها في أعماق التاريخ، صاحب الأدوار المحورية إقليميًا، صاحب الثروة الاقتصادية التي طالما جعلت منه مطمعًا للجار والبعيد.

خدعة الديموقراطية الأميركية..

فالنظام الذي أقامته “أميركا” هو أبعد ما يكون عن الأنظمة الديمقراطية، التي أدعت أنها ستجلبها إلى “العراق”، حال سقوط “نظام البعث” الاشتراكي، أولاً لأنه مجرد “محاصصة” بين القوى على أساس طائفي ومذهبي وإثني. وثانيًا لأنه خاضع لنظام ثيوقراطي في “إيران” لعب بورقة الشيعة ليجعل “العراق” جزءًا من مشروعه الإمبراطوري. وثالثًا لأن الحكومات العراقية مجبرة على التوازن الصعب بين ثلاث قوى نافذة في “العراق”: “إيران”، و”أميركا”، والمرجعية العليا، آية الله “علي السيستاني”.

وهو ما يؤكد كذب “أميركا” وحلفائها؛ بأنها تحارب ديكتاتورية “صدام حسين” أو حتى فرضية التصدي لوجود أسلحة دمار شامل، وهذا ما أكده، “توني بلير”، رئيس الوزراء البريطاني السابق؛ بعد تصريحاته لـ”هيئة الإذاعة البريطانية”، (بي. بي. سي)، والتي أكد فيها أن “بريطانيا” كانت ستشن الحرب على “العراق” حتى وإن لم تكن “بغداد” تملك أسلحة دمار شامل.

إذاً فالهدف الأساس من الغزو يبدو واضحًا؛ وهو ضمان السيطرة على مناطق “النفط”، ومنع “صدام” من التحكم في طاقة حيوية بالنسبة لـ”أميركا” والعالم الغربي، علاوة على توجيه ضربة قاصمة لـ”العراق” الذي تجرأ، في الفترة الأخيرة، على تحدي “الولايات المتحدة الأميركية”، وإعلان قيامه بتصنيع الأسلحة الكيماوية والتلويح باستخدامها ضد “إسرائيل” إذا هاجمته، خاصًة وأن المخابرات المركزية الأميركية كانت على علم بالهجوم العراقي على “الكويت”، ولم تحرك “أميركا” ساكنًا، مكتفية بتبليغ أمير “الكويت” بعد أن بدأ الهجوم لتمكنه من الهرب، وتركت “صدام” يغزو.

والهدف الثاني هو إعادة رسم خريطة المنطقة ونظم الحكم فيها لتحقيق المصالح الاستعمارية لـ”الولايات المتحدة” و”إسرائيل”، ولكن المفاجأة الحقيقية كانت دفاع البعض عن الغزو الأميركي لـ”العراق”، إلى حد رفض اعتبار الوجود الأميركي احتلال؛ من قِبل بعض الساسة الذين جاؤا على دبابة الاحتلال وخدعوا بسطاء الشعب، وهم أنفسهم من أفسدوا الحياة السياسية والاجتماعية فيما بعد، والذين يتجرع “العراق” الآن مرار حكمهم.

تجنب “بوش” الأب دخول “العراق” وإسقاط النظام؛ بعد إخراجه من “الكويت”، لئلا ينفرط عقد “التحالف الدولي” الذي جمعه لتحرير “الكويت”. لكن الرئيس “جورج بوش” الابن قام بغزو “العراق” وإسقاط نظامه ودولته، عام 2003. كان الشعار هو بناء “الشرق الأوسط الجديد”؛ إنطلاقًا من صنع نظام ديمقراطي في “العراق”. ولم يكن ذلك سوى خداع للنفس وللآخرين. فالتجربة دفعت مستشارة الأمن القومي الأميركي، “كوندوليزا رايس”، إلى القول إن: “ما يمكن فرضه هو الطغيان، لا (الديمقراطية)”.

التوسعية الفارسية.. المستفيد الأول من الغزو الأميركي..

وفي تاريخ حرب “العراق”، التي نشرها الجيش الأميركي، إعتراف بـ”خطوات خاطئة عدة وثمن باهظ بالمال والدم؛ لكي تظهر إيران التوسعية كالرابح الوحيد، وبالسياسات الكارثية على الجيش العراقي وتطهير الإدارة والقوات العسكرية الجديدة من أي عراقي كان عضوًا في حزب البعث”، بعد أن استفادت من إسقاط جيش “العراق” بهيمنة ميليشياتها؛ بحجة التصدى لـ”البعث” تارة؛ وبحجة محاربة (داعش) والدفاع عن الشيعة تارة أخرى.

وتبنى النظام الإيراني، منذ بداية مشروع “الخميني”، سياسة واضحة وطويلة الأمد، حول كيفية إمكانية تصدير النظام الثيوقراطي إيديولوجيته القومية المغطاة بالعباءة الشيعية إلى المنطقة، وبأسلوب تميز بالصبر والمرونة في اختيار الأهداف، والرضوخ إلى الأمر الواقع المتمثل في عدم قدرة هذه الإيديولوجية الطائفية على الانتشار والهيمنة في منطقة الشرق الأوسط بسهولة، ما حُتم عليهم تركيزها على “العراق” و”لبنان” و”سوريا” و”اليمن”، بعد أن سمحت الظروف الدولية والإقليمية، التي أعقبت عملية غزو “العراق” من قِبل “الولايات المتحدة الأميركية”، وتغاضي الغرب و”روسيا” وسكوتهما عن النوايا الإيرانية المعلنة، وعزم النظام الإيراني بناء ترسانة سلاح تتوافق مع الأهداف التوسعية لإعادة حلم “الإمبراطورية الفارسية”، بعد أن تم إخراج “العراق” من معادلة التوازن الإقليمي وتحويله من “دولة المواطنة” إلى “دولة المكونات”.

ونتيجة لذلك؛ استطاع المشروع الطائفي الإيراني من تثبيت أقدامه في “العراق”، وإكتسابه بالتالي القاعدة الطائفية اللازمة للاستمرار والتوسع في “بغداد” ومدن “الفرات الأوسط” و”البصرة”، من خلال أذرع الميليشيات لدعم هذا المشروع الاستعماري وهيكل النظام العراقي الجديد؛ الذي تم تمويله ودعمه سياسيًا، لتسهيل مهمة تسلله إلى مؤسسات الدولة العراقية، وتحويلها بالتالي من نظام مؤسسات الحماية والخدمات للعراقيين، إلى نظام حماية وخدمة للمصالح الإيرانية وإستراتيجيتها الاستعمارية في المنطقة، وهو ما جعل مصلحة المواطن العراقي فى ذيل اهتمامات هذا النظام.

الحراك الشعبي.. القوة التي لم يضعها الساسة في حساباتهم يومًا..

كما سبق وذكرنا؛ فإن الحكومات العراقية، ما بعد الغزو، كانت كلها تعمل على التوازن بين المصالح الأميركية والهيمنة الإيرانية ورأي المرجعية الدينية، لكنها لم تحسب يومًا ما حساب للاعب الرابع والأهم وهو “الشعب”.

وما برز إلى جانب الخلل اليومي في التوازن بين القوى الثلاث وسياساتها هو مواجهة تحدي التعامل مع قوة لا يعرفها حكام “العراق”، ولا “ملالي إيران”، ولا الذين يديرون سياسة “أميركا” بذهنية التجار في عهد الرئيس، “دونالد ترمب”. جيل جديد ولد بعد الغزو الأميركي، أو كان طفلاً وقتها، يشكل 60% من السكان اليوم.

جيل لا يعرف حكم “صدام”، ولا عانى الغزو الأميركي، ولا عرف سوى الفقر والبطالة وسوء الخدمات وإنعدام الأمن في ظل حكام فاسدين يخدمون “ملالي إيران”.

كان من الحتميات التاريخية أن يقود تراكم الإذلال والإفقار وتوظيف صراع الهويات إلى انفجار ثورة شعبية واسعة في الشوارع. ثورة ساحاتها الأساسية، “بغداد والنجف وكربلاء والناصرية”. أبرز شعاراتها: “إيران بره بره، بغداد حرة حرة” و”العراق عربي”. ومن مظاهر الغضب فيها إحراق “القنصلية الإيرانية” في “كربلاء”، ثم في “النجف”. ثورة لم يكن لدى السلطة وعناصر من (الحشد الشعبي) من رد عليها سوى القمع والقتل كما في “إيران”.

مئات القتلى وآلاف الجرحى بالرصاص وقنابل الغاز. وحين ترددت أجهزة الأمن في القتل، إندفع وكلاء “إيران” بالآلاف لمهاجمة الثوار العزل بالسكاكين وبدأ خطف الناشطين وقتلهم. ولم يكن أفظع من مجازر “بغداد” سوى مجازر “الناصرية”. ولا كانت المطالب الاجتماعية للثوار هي الهم الوحيد. فالمطلب المهم بعد استقالة حكومة “عادل عبدالمهدي”، والدعوة إلى انتخابات نيابية جديدة على أساس قانون جديد، هو إنهاء “المحاصصة” وإقامة دولة مدنية وطنية ديمقراطية.

الهرب من الثورات الشعبية، هو ضرب من الجنون ولو نجح القمع مؤقتًا في إسكاتها. فالتحولات عميقة في المنطقة. وهي أعمق في البلدان العربية الأربعة التي تفاخر “طهران” بأنها تحكمها، أي “العراق وسوريا ولبنان واليمن”. وهي البلدان التي  تدور فيها ثورات شعبية من أجل دول مدنية تعرف أن هويتها عربية ولن يخدعها أحد بعباءة المذهبية ولا بأماني الديموقراطية الكاذبة، سيحدد “العراق” في الفترة القادمة طالت مدتها أو قصرت دولته المدنية العربية التي يتساوى فيها كل مواطن أمام القانون ويحصل الجميع على حقه بصفته مواطن عراقي وليس بما تفرضه سلاح الميليشيات، وليحكم “العراق” من يحكمها سواء كان شيعيًا أو سنيًا أو كرديًا أو مسيحيًا المهم أنه سيكون عراقي ولا إنتماء له لدولة غير “العراق”، فدماء من ضحوا “لأجل وطن” لن تضيع هباءًا ولو بعد حين.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

الانتقال السريع

النشرة البريدية