“بوتين” ليس “ستالين” .. يعيد هيمنة الروس ويسعى لتدمير الاقتصاد الأميركي والغرب لن يكتفي بالمشاهدة !

الأربعاء 12 أيلول/سبتمبر 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص – كتابات :

“القيصر” ليس “ستالين”؛ رغم ما يجمعهما من شخصية قوية لا تعرف اللين أو التراجع.. وما كان ممكنًا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، ليس بالضرورة أن يصلح مع “الدب الروسي” في القرن الواحد والعشرين، وإن نظم مناورات هي الأضخم.. فالزمان غير الزمان والمكان غير المكان.. والمصالح ليست تلك التي كانت تجمع الاتحاد السوفياتي وقتها بحلفائه..

المصالح تحكم وغرور القوة يدفعه للاستفراد بسوريا..

اليوم للكل مصالحه في “الشرق الأوسط”.. وإن وقفت “بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة”، وقتها، مع زعيم الاتحاد السوفياتي، “ستالين”.. يصر الروس الآن، وعلى رأسهم الرئيس، “فلاديمير بوتين”، (القيصر)، على استعادة أمجاد بلاده وتوسيع إمبراطوريتها، لكن على حساب حلفاء الأمس ظنًا منه أنه يمتلك سلاحًا غير تقليدي لا يتكرر مع الكثيرين حول العالم..

هو غرور القوة إذًا ما يدفع الرجل إلى التوغل أكثر فأكثر بقوات بلاده في “الشرق الأوسط”، وكلمة السر هي “سوريا”.. فغير مسموح لأحد اليوم أن يطمح لمد نفوذه إلى تلك البقعة من الأرض المطلة على البحر المتوسط التي لا يحق للروس غير الاستفراد بها حصرًا..

إعادة صياغة فلسفة الدولة القوية..

بالنظر إلى شخصية الرجل نجد أن أولى كلماته، عندما تولى حكم بلاده للمرة الأولى.. كان نصها: “حافظوا على روسيا اهتموا بها.. هكذا أفهم مهمتي كرئيس لروسيا”.. من هنا بدأ “بوتين” إعادة صياغة فلسفة الدولة الروسية القوية، لتصبح حماية الروس أينما وجدوا على رأس أولياته ساعيًا في سبيل ذلك إلى إعادة الهيبة لبلاده !

أحاط “القيصر”، كما يسميه الإعلام الغربي نفسه، بزملاء سابقين بجهاز الاستخبارات الروسي العريق، وتدرج في إعادة “روسيا” إلى الواجهة إنطلاقًا من إستراتيجية استعادة الدولة وصولاً إلى إستراتيجية فرض الاحترام على الجميع مهما كانت مكانته وقدراته.

دائرة الأعداء تطل برأسها..

فنجده أعاد “الولايات المتحدة” و”حلف شمال الأطلسي”، (الناتو)، إلى دائرة الأعداء؛ بعد أن أخرجهم منها، “بوريس يلتسين”، ووضع عوامل دعم إستراتيجيته لمواجهة “الولايات المتحدة”، عبر القوة العسكرية الصلبة أولاً ثم الذراع الاقتصادية والدعاية، إضافة إلى الدبلوماسية النشطة والتي صعد بها عن جدارة وزير الخارجية، “سيرغي لافروف”.

عسكريًا تريد “روسيا” الإبقاء على موطيء لجنودها في المياه الدافئة وإبعاد (الناتو) عن حدودها الغربية، ومواجهة ما تقول عنه إنه “الإرهاب الإسلامي” بعيدًا عن مناطق لا تسيطر عليها في “القوقاز” !

برنامج تسلح هو الأعلى في تاريخ روسيا..

وضعت “روسيا بوتين” برنامجًا للتسلح هو الأعلى بـ 340 مليار دولار، وصاغت “البحرية الروسية” عقيدة جديدة تشمل 6 إتجاهات إقليمية تتمثل في “المحيط الأطلسي” و”منطقة القطب الشمالي” و”المحيط الهاديء” و”بحر قزوين” و”المحيط الهندي” و”القارة القطبية الجنوبية”..

تلك العقيدة البحرية الجديدة التي رسخها “القيصر”؛ تنص على ضمان وجود عسكري دائم ل،”روسيا” في “المحيط الأطلسي” وفي “البحر الأبيض المتوسط”، وتمتلك “روسيا” بالفعل وجودًا في بعض هذه الإتجاهات، مثل أسطوليها في “بحر قزوين” و”المحيط الهاديء” وقواعدها العسكرية الست في “القطب الشمالي”.

يمتد “الأسطول الروسي”، الذي تقول “موسكو” إنه يمتلك تفوقًا في “البحر الأسود”، وعماده القاعدة البحرية في “شبه جزيرة القرم”، إلى ضفاف المتوسط في قاعدة جوية في “حميميم” وأخرى بحرية بـ”طرطوس” بسوريا، وهي أكثر ما يزعج الأوروبيين والأميركيين.

توهم “القيصر” ضعف الغرب عندما ضم “جزيرة القرم”..

لقد اجتاز “القيصر” أول اختبار له في الحرب الجورجية، التي خاضها بحجة حماية الروس في “أوسيتيا الجنوبية” ضد النظام المدعوم أميركيًا..

وعلى هذا الخط ضمت روسيا، “شبه جزيرة القرم”، مع الثورة الأوكرانية المدعومة غربيًا، وفجأة أصبحت أغلب الأراضي الأوروبية في مرمى الصواريخ الروسية بـ”القرم”، وهو ما زاد من غرور “الدب الروسي” ظنًا منه أن الغرب في أضعف حالاته !

“روسيا القيصر”؛ لا ينسى لها الغرب أن تدخلها غير المسبوق في “سوريا”، هو الذي أنقذ رقبة الرئيس السوري، “بشار الأسد”، ونظامه، فضلاً عن امتلاكها مفاتيح الأزمة السورية..

وسائل غير رسمية لفرض النفوذ..

تعتمد “روسيا”، كذلك، على وسائل أخرى للسيطرة وفرض النفوذ، مثل شبكة من المرتزقة تنشط منها في “سوريا” 3 مجموعات، هي “فاغنر” و”إيفرو بوليس” و”الفيلق السلافي”، ويتمركز في شرق “أوكرانيا” ما يعرف بـ”الجنود الخضر”، وهم قوات روسية لا ترتدي الزي الرسمي ولا تحمل سياراتها وآلياتها لوحات رسمية.. !

أما سيد الأهداف الروسية فيتمثل في حماية صادراتها من “الغاز” وفتح مزيد من الأسواق أمامه، فكثير من الدول الأوروبية تنتظر “الغاز الروسي” المتدفق عبر البحار، وهنا لا مانع من استخدام مجموعة من رجال الأعمال المقربين من “الكرملين”، التي تنشط في الإستحواذ على بعض الأندية الكروية العريقة في أوروبا؛ مثل “ناديي تشيلسي” الإنكليزي، و”موناكو” الفرنسي، كقوة ناعمة تسمح بمزيد من الاختراق في مجتمع الأعمال..

فبالرغم من إخراج “روسيا” من “مجموعة الثمانية الكبار”، عام 2014، إلا أن الدبلوماسية الروسية استثمرت مساحات الفراغ في الساحة الدولية ونشطت في تحالفات دولية وإقليمية؛ مثل “منظمة شنغهاي للتعاون”، كما استفادت الاستفادة الكبرى من تردد السياسة الأميركية تجاه الملف السوري لتعيق كل القرارات الدولية المتعلقة بنظام “بشار الأسد”؛ مستخدمة حق النقض، (الفيتو)، 7 مرات، لتصبح الفاعل الرئيس في الملف السوري دون منازع !

الاختراق المعلوماتي.. حرب جديدة..

ومن الملفات الهامة التي نجح “القيصر” في تصديرها واستخدامها لبسط نفوذ بلاده، التكنولجيا المعلوماتية القائمة على الاختراق وبث الدعاية؛ مثل التسريبات الشهيرة للبرقيات الدبلوماسية الأميركية، ضمن سياق حرب معلوماتية أرادت بها، “موسكو”، أن تكشف حقيقة السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط وأوروبا لإفقاد الثقة في أي تعاون مع “أميركا” والإتجاه حصرًا إلى “روسيا”..

ولنتذكر هنا كيف أن “الدب الدافيء”؛ هو الاسم الروسي لمجموعات القراصنة الذين يعملون لصالح “روسيا”، الذين تتهمهم “الولايات المتحدة” باختراق موقع حملة “هيلاري كلينتون” وتسريب رسائل لها أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية ما أسهم، برأي الكثيرين، في فوز “دونالد ترامب” بالرئاسة، وهو ما لم يغفره الديمقراطيون؛ إلى لحظة كتابة هذه السطور.

توجيه الرأي العام للمصالح الروسية..

أما رأس الحربة في إمبراطورية الدعاية الروسية؛ هي مؤسسة (روسيا اليوم)، التي إنطلق بثها عام 2007، بإشراف شخصي من “بوتين” نفسه، وتبث قنواتها على مدار الساعة بعدة لغات؛ بينها العربية والإنكليزية والفرنسية والإسبانية، وتنفق “روسيا” على الإعلام الخارجي نحو مليار دولار كقوة ناعمة حققت لها اختراقًا لمجتمعات كانت مغلقة أمام الرؤية والتوجيه الروسي.

ولا ننسى كذلك المؤسسة الإعلامية الروسية الضخمة، (سبوتنيك)، والتي تتبع مباشرة الاستخبارات الروسية، وتنشر محتواها بـ 37 لغة !

تأثير الدعاية الروسية المتزايد دفع “الاتحاد الأوروبي” إلى إنشاء وحدة متابعة للإعلام الروسي الموجه للغرب عام 2016، كما أطلق حلف (الناتو) مركز الاتصال الإستراتيجي في “لتوانيا” لمواجهة الدعاية الروسية..

تدمير الاقتصاد الأميركي رأس الأهداف الروسية !

وفي النهاية فإن العقوبات الأميركية والأوروبية لم تعطل القيصر الروسي، “بوتين”، بل أكمل طريقه مواصلاً مخطط فرض السيطرة والنفوذ الروسي وإعادة إمبراطورية الاتحاد السوفياتي من جديد !

وآخر ما يسعى إليه “القيصر” للقضاء على نفوذ “واشنطن” وتدمير الاقتصاد الأميركي هو إفقاد “الدولار الأميركي” قيمته ومن ثم إنهيار “أميركا” اقتصاديًا وعسكريًا !

فقد وصف ما أعلنه “بوتين”، في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2018، بالضربة “القاسية” لهيمنة “الدولار” على العالم، إذ أعلن “القيصر” رسميًا، خلال لقائه الرئيس الصيني بروسيا، اتفاق “موسكو” و”بكين” على استخدام العملات المحلية في المبادلات التجارية بينهما، والتي أكد أن حجمها سيرتفع إلى رقم قياسي لم يتحقق من قبل وهو 100 مليار دولار بنهاية 2018 !

إن ما يقدم عليه “القيصر” اقتصاديًا من شأنه أن يحدث هزات كبرى في الاقتصاد الأميركي وحركة التجارة العالمية إن قدر له أن يتم، كما سيشجع دولاً أخرى على السير على ذات المنهج، وهي الفرضية التي لن تسمح بها مراكز القوى في “الولايات المتحدة”، ما يعني حتمية الصدام بين “بوتين” والغرب في أقرب وقت !



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.