المجهول يهدد الجميع .. “الإبادة الجماعية” مصير مواطني جنوب السودان

    كتبت – نشوى الحفني :

    الموت.. الجوع.. الحروب.. مصير مواطنوا جنوب السودان، حيث أنه وبعد مرور ست سنوات على انفصال دولتهم، لم يعد أمام المواطنين في جنوب السودان من خيار سوى الهروب من مدنهم وقراهم التي استوطنها الموت والجوع، وأصبحت ساحات حرب بين خصوم السلطة والمال والنفوذ.. في حين يواصل المجتمع الدولي نداءاته للمتصارعين في دولة “جنوب السودان” بوقف القتال.

    ما يحدث تطهير عرقي..

    بهذا الصدد توالت التصريحات التي كان أبرزها بيان لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، الذي أعتبر أن ما يحدث هو تطهير عرقي في مناطق عدة من جنوب السودان باستخدام التجويع والاغتصاب الجماعي وحرق القرى.

    سلفاكير ميارديت

    وانتقدت كبيرة المحللين المتخصصين في جنوب السودان في مجموعة الأزمات الدولية “كاسي كوبلاند”، رد الفعل الأممي، بأن “الأمم المتحدة” هي الطرف الفاعل الوحيد في جنوب السودان، الذي لديه القدرة على جمع الخسائر في الأرواح والتحقق منها، لكنها اختارت عدم القيام بذلك، مشددة على أن إحصاء الخسائر في الأرواح “أمر مهم لإنسانيتنا” وضروري لرفع مستوى الوعي، ولتوثيق الأدلة العملية حول كيفية تطور الحرب.

    الأزمة الأكبر في إفريقيا..

    قال نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة “فرحان حق”، إنه مع ارتفاع عمليات النزوح واسعة النطاق، أصبحت الأزمة حالياً هي الأكبر في إفريقيا، والثالثة عالمياً، بعد سوريا وأفغانستان، مع اهتمام أقل ومستويات مزمنة من نقص التمويل.

    وناشد المسؤول الأممي جميع الأطراف المتورطة في الصراع، التوصل إلى حل سلمي عاجل للأزمة، مؤكداً على أنه بدون ذلك ستستمر الآلاف بالتوافد إلى البلدان المجاورة مثل “أوغندا وإثيوبيا والسودان وكينيا والكونغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى” كل يوم، مع دخول الصراع عامه الرابع.

    تدهور الأمن سيفاقم المعاناة..

    حذر رئيس بعثة الأمم المتحدة لقوات حفظ السلام في جنوب السودان (يونيمس) “ديفيد شيرر”، من أن تدهور الأمن في أجزاء من البلاد إلى جانب زيادة النزوح يمكن أن يؤدي إلى تفاقم المعاناة الانسانية من خلال تفشي الأمراض.

    لافتاً المسؤول الأممي، في بيان الخميس 12آيار/مايو 2017، إلى أن الوضع في منطقة “بور ـ بيبور” مقلق بشكل خاص مع مخاوف من وقوع اشتباكات عنيفة بين شباب “قبيلة الدينكا” ومجتمعات “المورلي”.

    وتابع: “نشعر بالقلق إزاء احتمال نشوب قتال واسع الانتشار بين هاتين الطائفتين، ولهذا السبب فإننا نسعى لتقديم الدعم لجهود السلام على الأرض. المهم هو أن نخفف حدة التوترات ونتيح فرصة للحديث بدلاً من القتال لأن القتال لن يؤدي إلا إلى دورة انتقامية أكبر لن تكون مفيدة لأي شخص”.

    مضيفاً شيرر: “أن الهجمات لها نتائج مباشرة على الانشطة الانسانية والمساعدة التي يمكن تقديمها إلى الاشخاص الذين هم في حاجة ماسة إليها”.

    وأكد بيان أصدره مكتب تنسيق العمليات الإنسانية التابع للأمم المتحدة في جنوب السودان، أن 52 ألفاً و841 مواطناً من جنوب السودان فروا من إقليم أعالي النيل وعبروا الحدود الشرقية إلى إقليم “قمبيلا” الإثيوبي، منذ أيلول/سبتمبر الماضي، بما معدله 456 مواطناً يدخلون الأراضي الإثيوبية يومياً، بسبب الوضع الأمني المتردي ونقص الغذاء في ولايات أعالي النيل وولاية الوحدة غربي البلاد.

    وذكر البيان أن 64% من اللاجئين هم من الأطفال تحت سن 18 عاماً، ممن فروا بدون أي مرافق من أسرهم.. ولذا أطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين نداء إنسانياً للعام الجاري بمقدار 782 مليون دولار لتمويل العمليات الإقليمية داخل جنوب السودان والبلدان المضيفة المجاورة.

    تايمز: أحلام جنوب السودان تتلاشى..

    صحيفة “تايمز” البريطانية قالت معلقة على الأحداث الأخيرة إن الأحلام التي كانت تراود مواطني جنوب السودان تتلاشى بعد ست سنوات فقط على قيام الدولة الأحدث نشأة في العالم، وإن الأمل الوحيد المتبقي يكمن في تدخل أحدهم لوضع حد لواحد من أكثر الصراعات العصية على الحل في إفريقيا.

    وذكرت الصحيفة البريطانية في عددها الصادر الثلاثاء 2 آيار/مايو الجاري، أن بعض المتشددين في الولايات المتحدة وإفريقيا أشاروا إلى أن الحل الوحيد هو وضع هذه الدولة تحت شكل من أشكال الوصاية الأممية ربما تحت قيادة الاتحاد الإفريقي.

    وكانت وزيرة التنمية الدولية البريطانية “بريتي باتيل” قد أعلنت الخميس 27 نيسان/ابريل الماضي – خلال زيارتها لمخيمات اللاجئين في أوغندا – أن عمليات القتل والفظائع الأخرى التي ترتكب في جنوب السودان تصل إلى حد “الإبادة الجماعية”، قائلة: “هناك مذابح تُرتكب، والناس يُذبحون.. والقرى تُحرق، وسياسة الأرض المحروقة تُطبق.. إنها القبلية بلا أدنى ريب، ومن هذا المنطلق فهي إبادة جماعية”.

    وعلقت “تايمز” على تصريحات الوزيرة بالقول إن اللغة “غير الدبلوماسية” التي استخدمتها أقضت مضاجع مسؤولي حكومة بلادها الآخرين.

    مساعٍ تطالب الخرطوم بالتدخل..

    خرج رئيس الشمال السوداني “عمر البشير”، رئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم، معلناً عن مساعٍ إقليمية ودولية، تطالب السودان بالتدخل لحل أزمة دولة الجنوب، والحديث عن عودته إلى حضن السودان، مرة أخرى، قائلاً في كلمته خلال الجلسة الختامية للمؤتمر العام للحزب، يوم الإثنين 1 آيار/مايو 2017 بأرض المعارض بالخرطوم، “نحن عند موقفنا تجاه مواطن الجنوب الذي تفرضه المسؤولية الأخلاقية، وسنتدخل لوقف الحرب والمجاعة”، لافتاً إلى استضافة السودانيين لإخوانهم من جنوب السودان، لأنهم شعب واحد في دولتين.

    السودان جاهزة لدعم “جوبا”..

    مؤكداً البشير علي جاهزية السودان لتقديم يد العون والدعم لكل محتاج سواء في الجنوب أو أي منطقة أخرى، ويُرحِّب بكل من تقطعت بهم السبل، بحثاً عن الاستقرار والأمان.

    وأشار إلى أن الحوار الوطني نقل السودان إلى مرحلة سياسية مهمة في تاريخه، و قدم نموذجاً تحتذي به كل الدول التي تعاني من صراعات وخلافات سياسية وانقسامات داخلية.

    عمر البشير

    منتقداً مَن سماهم “أصحاب الأيادي الخبيثة”، واتهمهم بتخريب دولة جنوب السودان، وطالبهم بالتعاون مع بلاده لإعادة الأمن والاستقرار إلى دولة الجنوب، وأن مَن اتهموا بلاده وتسببوا بتشويه سمعتها، هم مَن شهدوا بأن السودان أفضل دولة في مكافحة الإرهاب، وأن محاربة الأفكار بسلاح العقوبات والسجن والتعذيب “حتى لا نزيدهم تعصباً”، موضحاً أن بلاده استعادت كثيرين ممَن وصفهم بـ”الشباب المتطرف” من تنظيمات متشددة، وأنهم تحولوا إلى عناصر إيجابية ستساهم في إقناع الآخرين، وتابع” “نحن منذ البداية كانت رؤيتنا واضحة أن هؤلاء شباب صادقين لكن غُرر بهم والفكر لا يمكن أن يحارَب إلا بالفكر”.

    دعوات غربية..

    كما كشفت وزارة الخارجية السودانية، الاثنين 8 آيار/مايو، النقاب عن دعوة عدد من الدول الأوروبية والغربية للخرطوم بلعب دور في مساعدة جنوب السودان والتخفيف من معاناته ودعم المتأثرين من المجاعة، في وقت طالبت فيه باستمرار أعمال اللجان المشتركة على المستوى الأمني والسياسي بين البلدين.

    وأكد وزير الدولة بالخارجية السودانية “عبيد الله محمد عبيد الله”، في تصريحات له نقلها  “المركز السوداني للخدمات الصحفية”، “أن السودان ظل يستقبل الكثير من اللاجئين الجنوبيين ويقدم لهم المساعدات، مبيناً أن ذلك يجد اهتماماً متعاظماً وأولوية قصوى من الحكومة السودانية على أعلى مستوياتها ومن جميع قطاعات المجتمع”.

    مضيفاً: “إن الدعم يأتي في إطار العلاقات التاريخية مع شعب جنوب السودان واستجابة للواجب الأخلاقي والإنساني تجاه المواطنين الجنوبيين”.

    معرباً “عبيد الله” عن أمله في أن تستقر دولة جنوب السودان بصورة أفضل مما كانت عليه الآن.

    دول إفريقية تعارض عودة مشار إلى جوبا..

    من الحلول المطروحة لما آل إليه جنوب السودان، ظهرت أصوات تنادي بعودة النائب السابق لرئيس جنوب السودان “رياك مشار” إلي جوبا لاحتواء الوضع، فصرح مبعوث الأمم المتحدة “ديفد شيرر”، الأربعاء 3 آيار/مايو، أن عدة حكومات إفريقية تعتقد أن السماح لرياك مشار -النائب السابق لرئيس جنوب السودان – بالعودة إلى البلد الذي تمزقه الحرب لن يكون “بالضرورة إيجابياً في هذه المرحلة” وأن ذلك هو قرار حكومات المنطقة وجنوب إفريقيا.

    مشيراً إلى أنه أوضح لجميع الأطراف المعنية – بمن فيهم رئيس جنوب السودان “سلفاكير ميارديت” – أن الجماعة التي يمثلها مشار “يجب أن تكون جزءاً من أي عملية سلام”.

    وفي كانون أول/ديسمبر الماضي، تحدثت مصادر دبلوماسية وسياسية عن احتجاز “مشار” في جنوب إفريقيا لمنعه من إثارة مشاكل، وهو ما أكده “شيرر”.

    السودان قلقة..

    سفير مصر السابق بالسودان “محمد الشاذلي” موضحاً، لـ(كتابات)، موقف السودان الحالي قائلاً، أن جنوب السودان بالنسبة لشمال السودان دولة جوار، لذلك لا بد من وجود قلق وتوجس من تدفق اللاجئين التي يندس بداخلها العناصر المخربة وتسبب خطورة علي الأمن العام، وهو خوف مشروع، مشيراً إلي أن ما يحدث هو شئ مأساوي لأن الإنفصال كان بدعوى أن هناك عنصرية وتهميش، وبدلاً من أن يعملوا على احتواء جميع عناصر الشعب وتوزيع السلطة والحكم، استأثرت “قبيلة الديينكا” على الحكم والسلطة، لافتاً إلي أنه كان هناك توافق معروف بين “سلفاكير” و”مشار” تبعاً للمصلحة، إلا أنه وبعد اختلاف المصالح تحول الصراع إلي صراع قبلي حول بلد ذات إمكانات زراعية وبشرية وغيرها إلي بلد يعاني من المجاعة والأوبئة وعملية إبادة جماعية.

     مسائلة سلفاكير ومشار..

    مشدداً الشاذلي على أن من يسأل في هذا هو رياك مشار وسلفاكير، وقد أثبت الإثنين أنهما غير جديرين بالمسؤولية، مضيفاً أنه لا ضرورة لعودة مشار لجوبا لأنه لن يحل الأزمة بدليل أنه سبق وأن دخلت المليارات لجوبا بهدف تحسين الأوضاع المعيشية إلا أن الفساد والإهدار والأنانية القبلية حالت دون ذلك، وهذا مظهر من مظاهر الفشل وعلي سلفاكير التنحي وألا يكمل ما يفعله.

    مشككاً “الشاذلي” في أن توجد حلولاً في الوقت الحالي، لوجود قوى خارجية تتدخل في الشؤون الخاصة بالجنوب، وهم لن يسمحوا بذلك.

    أبعاد تفاقم الأزمة..

    أستاذ التاريخ الحديث بجامعة المنصورة والخبير في الشؤون الإفريقية ومياه النيل الدكتور “زكي البحيري”، يوضح لـ(كتابات)، ابعاد الوضع الحالي في جنوب السودان في عدة نقاط هي، أنها دولة حديثة كانت تفتقد إلى كثير من المؤسسات والهيئات الحكومية التي تكون مسؤولة عن متطلبات المجتمع، وأنه بدلاً من أن كان يتفرغ الجنوب بمجرد إعلانه الانفصال عن الشمال، انشغل بالصراع الداخلي خصوصاً بين القبائل، كما أنه بعد انفصال الجنوب دخل مع الشمال في خلافات حول تحديد الحدود حتي بين القبائل ومناطق التماس والاختلاف على الرغم من وجود أحزاب سياسية مشتركة في الشمال والجنوب.

    مضيفاً البحيري أن إنفصال الجنوب كان طامة كبرى ليس فقط على الشمال وإنما على الجنوب، وأن مسألة ضخ البترول محل جدل حتى الآن خاصة منطقة “آبي” وهذا يمنع عملية الإنتاج والضخ والتصدير.

    وأخيراً قيام سلفاكير باستبعاد رياك مشار، أعطى للأخير الفرصة في تكوين ميليشيات خاصة له وأن يقف ضد حكومة الجنوب، مما أعطى الفرصة بالتالي للقوى الخارجية للتدخل سواء من الأمم المتحدة ومجلس الامن ومنع ضخ السلاح للحكومة مما يمنع سلفاكير من مواجهة التمرد، بالإضافة لوجود أجندات خارجية تريد لهذا الوضع أن يستمر مثلما تخشى الولايات المتحدة من تواجد الصين، والمصالح الإسرائيلية وغيرها.

    موضحاً البحيرى أن كل هذه العناصر مجتمعة أدت إلى تفاقم الوضع حتى تدهور ووصل إلى ما هو عليه الآن، مشيراً إلى عدم قدرته على وضع توقع أو تصور لموقف محدد سواء بالنسبة للجنوب أو حتى الشمال.

    رياك مشار

    الحرب الأهلية منذ 2013..

    اندلعت حرب أهلية بين قوات حكومة الرئيس سلفاكير ميارديت والمعارضة المسلحة بقيادة رياك مشار النائب السابق لرئيس الجمهورية في كانون أول/ديسمبر 2013، ومن ثم وقع طرفا الصراع اتفاق سلام في آب/أغسطس 2015، قضى بتشكيل حكومة وحدة وطنية، لكن الاتفاق لم يصمد طويلاً حيث عصف بجوبا مجة عنف واسعة النطاق في تموز/يوليو 2016، وتفجر القتال بين قوات موالية لكير ونائبه السابق ريك مشار، وهما ينتميان لمجموعتين عرقيتين متنافستين.

    وتقدر الأمم المتحدة أعداد المشردين بفعل أعمال العنف بنحو 3 ملايين من مواطني جنوب السودان، في أكبر نزوح عبر الحدود في إفريقيا منذ الإبادة الجماعية في “رواندا” عام 1994، وفر أكثر من نصف ذلك العدد إلى دول مجاورة.

    وأرغمت الحرب الأهلية 400 ألف شخص على الفرار عبر الحدود إلى أوغندا، منذ انهيار اتفاق السلام في تموز/يوليو الماضي، لتدق بذلك المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ناقوس الخطر، معلنة تجاوز عدد اللاجئين والنازحين خارجياً جراء الأزمة حاجز 1.5 مليون شخص بحثاً عن الأمان منذ اندلاع الصراع في كانون أول/ديسمبر 2013، فضلاً عن تشريد 2.1 مليون نازح داخلي.

    وقد أدى القتال الدائر في جنوب السودان إلى فشل الموسم الزراعي، وجعل توفير الإغاثة الإنسانية في العديد من المناطق ضرباً من المستحيل، ومن ثم أعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو” المجاعة في بعض أجزاء من البلاد في نيسان/ابريل الماضي، محذرة من مجاعة وشيكة في باقي المناطق، حيث تظهر المؤشرات تدهوراً غير مسبوق في وضع الأمن الغذائي، وأن 3.66 مليون مواطن يواجهون نقصاً في الغذاء.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا