الغاز المصري .. الحائر بين أوهام الإعلام “المعلب” وواقع شديد الصعوبة

الخميس 16 آذار/مارس 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

فرحة تناقلتها جميع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في مصر فور إعلان وزارة البترول هناك عن اكتشافات جديدة للغاز بكميات ضخمة، مقرر استخراجها في صيف العام 2017، تنقل الاقتصاد نقلة نوعية إلى الأعلى وتغير ترتيب مصر في قائمة الدول المنتجة للغاز من المرتبة الخامسة عشر إلى أخرى أكثر تقدماً، كما ستنعش خزينة الدولة المنهكة فعلياً والمتخمة بالأزمات.. لكن هل استمرت تلك الفرحة للمصريين وغيرهم من الدول المنتجة للغاز؟

هبوط كارثي

ففي الخامس عشر من آذار/مارس 2017 كشفت تقارير اقتصادية استمرار هبوط أسعار الغاز الطبيعي بسبب زيادة المعروض في السوق، خاصة من الإنتاج الأميركي الذي زاد كثيراً عن الطلب المحلي، ولا يجد طريقاً للتصدير مع تخمة العرض في السوق العالمية.

لقد فاجأ الغاز منتجيه وتراجعت أسعاره بشكل كبير جداً في السوق العالمية بخسارة نحو 25 في المئة مع بداية عام 2017، ليصل السعر إلى 2.93 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، ولأن الغاز لا يلقى الاهتمام الإعلامي الذي يحظى به النفط لم تشعر الشعوب بخسائر الدول المنتجة له، فضلاً عن خسائر أسهم شركات الطاقة في الأسواق التي يشكل الغاز الطبيعي نشاطاً رئيسياً لها.

اهتزاز الأسواق

إن أخبار وتقارير كهذه من شأنها أن تهز سوق الغاز الطبيعي وتهبط بتوقعات الأرباح من إنتاج كميات كبيرة منه، وستؤثر على منتجي الغاز وهم بالترتيب: “روسيا، إيران، قطر، السعودية، أميركا، تركمانستان، الإمارات، نيجيريا، فنزويلا، الجزائر”، وأيضاً لدى دول تعقد آمالاً كبيرة على اكتشافات ضخمة على أرضها وفي مياهها الإقليمية مثل مصر.

هلل الإعلام المصري والغربي في شهر حزيران/يونيو عام 2016 عندما أعلنت شركة “إيني الإيطالية” اكتشافها حقل غاز جديد ضخم قبالة السواحل المصرية، وذكرت إيني وقتها و”بريتش بتروليوم” أنهما توصلا لكشف مهم جديد للغاز الطبيعي في منطقة تنمية جنوب بلطيم شرق دلتا النيل في مصر.

طموحات السيسي

وقبلها بفترة، وتحديداً في شهر أيلول/سبتمبر 2015 أعلنت شركة “إيني” الإيطالية للطاقة نفسها أنها اكتشفت ما يقدر بنحو 30 تريليون قدم مكعبة من الغاز في حقل ظهر قبالة السواحل المصرية، وهو الكشف الأكبر في البحر المتوسط والعشرين بين أكبر الاكتشافات المحققة على مستوى العالم.. فهل تحقق هذه الاكتشافات مع الانخفاض الهائل في أسعار الغاز ما كان يرجوه الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” من انتعاشة اقتصادية وموارد من العملة الصعبة التي تنقذ ما يمكن إنقاذه من استمرار هبوط العملة المحلية (الجنيه) أمام الدولار.. أم يخرج الغاز لسانه للمصريين وكأنه يقول “لن تستفيدوا مني الآن”؟

الصبر على الأسعار

وكيف سيكون الأمر في دولة كمصر إن لم يلمس المصريون نتائج تلك الاكتشافات، خاصة إذا ما علمنا أن كثير من المصريين تحملوا ويتحملون ارتفاعات الأسعار غير المسبوقة أملاً في أن تعوضهم اكتشافات بلادهم من الغاز الطبيعي عن أي أزمات؟

تعشم المصريون كثيراً بعد أن أخذ الإعلام يردد أن حقل ظهر تابع لشركة إينى الإيطالية فى منطقة امتياز شروق فى المياه الاقليمية المصرية بالبحر المتوسط، من أكبر الاكتشافات التى تحققت فى تاريخ مصر والبحر المتوسط، وأن احتياطاته تبلغ 30 تريليون قدم مكعب من الغاز بما يعادل 5.5 مليار برميل من النفط المكافئ.

وأعلن المصريون أنه من المخطط بدء الإنتاج من حقل ظهر قبل نهاية عام 2017، بمعدل مليار قدم مكعب من الغاز يومياً مع تصاعد الإنتاج خلال عامين فقط وصولاً إلى ذروة الإنتاج بمعدل حوالى 2.7 مليار قدم مكعب من الغاز يومياً فى 2019، على أن يتم توجيه كامل إنتاج الحقل من الغاز إلى السوق المحلى، فهل تعشم المصريين في محله.

تداعيات ومصالح

بالتأكيد انخفاض أسعار الغاز الطبيعي سيكون له تداعياته على المصريين، لكن على الأقل فهم سيستفيدون منه محلياً لتخفيض تعريفته بالمساكن وكذلك مد المصانع والمناطق العمرانية الجديدة بالغاز بأقل تكلفة، إلا إذا كان للحكومة المصرية رأي آخر!

خطأ إعلامي أم خطأ دولة

عناوين كثيرة حملها الإعلام المصري لجمهوره مثل “اكتشافات الغاز الهائلة تغير خريطة البترول فى مصر”، لقد وقعت وسائل الإعلام دون قصد – هي في النهاية تنشر بيان وزارة البترول المرسل إليها – في فخ الأخبار المتفائلة بالمطلق دون ترك مرونة للنتائج التي لم تتضح بعد، ولم يحسب الإعلام غضبة المصريين إن لم يشعروا بآثار ونتيجة جميع هذه الاستكشافات عليهم.

فالتقارير أخذت تثني على وزارة البترول المصرية، وتروج لها بالقول إنها نجحت خلال الفترة الأخيرة فى إحداث طفرة كبيرة وإنجاز يحسب للمسئولين بالقطاع، وخير دليل على ذلك الإكتشافات التى تم الإعلان عنها التى من أهمها “حقل ظهر” و”شمال الإسكندرية” و”أتول” التي سيبدأ إنتاجها بنهاية العام 2017 و2018 بمعدلات 2.7 مليار قدم مكعب من الغاز، وباستثمارات 25 مليار دولار، بما يعادل 250 مليار جنيه مما يجعل مصر مركزاً إقليمياً للطاقة والغاز.

حلول للأزمة

من حق الحكومة المصرية أن تتفائل وتعلن أنها تستهدف خلال الفترة من 2020 إلى 2022 أن يكون لدى البلاد مقدرة واكتفاء ذاتى، وأن يقل الاستيراد كى تصبح مصر مركزاً إقليمياً للطاقة، ومن حق وزير البترول هناك “طارق الملا” أن يروج لأن مصر لن تستورد غاز مسال من الخارج بحلول عام ٢٠٢٠\٢٠٢١، واعتماد بلاده على الاكتشافات الاخيرة.. لكن على الجانب الآخر على المسؤولين في مصر وخبراء السوق أن يطرحوا حلولاً لأزمة أطلت برأسها في ذات العام المقرر لهم فيه الاحتفال بإنتاج أحد الاكتشافات الغازية الضخمة، وكذلك بحث تداعيات هبوط أسعار الغاز الطبيعي بشكل كارثي بلغ 25% فقط في 50 يوماً من بداية عام 2017.

وعلى مصر أن تجد مخرجاً لا يضعها تحت رحمة أكبر المتحكمين بالغاز في العالم، إذا ما أرادت السير بقوة في مصاف أهم الدول الواعدة في إنتاج الغاز.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.