العلاقات “التركية-الأميركية” .. طلاق بائن أم مجرد زوبعة في “فنجان” ؟

الثلاثاء 23 تموز/يوليو 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص : كتب – سعد عبدالعزيز :

تسببت صفقة شراء المنظومة الدفاعية الروسية من طراز (إس-400)، خلال الأشهر الأخيرة، في إحداث أزمة شديدة تهدد مستقبل العلاقات بين “أنقرة” و”واشنطن”، بعدما ظلت “الولايات المتحدة الأميركية” وحلف الـ (ناتو)، طيلة العام المنصرم، يعترضان بشدة على إبرام تلك الصفقة العسكرية بين “تركيا” وحليفتها الجديدة، “روسيا”.

وأدّعى “حلف شمال الأطلسي” أن وجود المنظومة الدفاعية وأجهزة الرادار الروسية في أراضي “تركيا”، التي هي عضو بالحلف، من الممكن أن يؤدي إلى كشف الأسرار والشفرات الخاصة بالطائرة المقاتلة من طراز (إف-35)، المنتمية للجيل الخامس، التي اشتركت في تصنيعها كل من “أميركا” والدول الأوروبية.

صفقة “إس-400” دليل على المصالحة بين تركيا وروسيا !

يرى بعض المحللين أن صفقة منظومة، (إس-400)، الروسية التي حصلت عليها “تركيا” مؤخرًا، وبدأت استلامها على عدة شحنات جوية، تأتي في إطار المصالحة السياسية بين “تركيا” و”روسيا”، وموافقة الأخيرة على الوجود التركي في “إدلب” السورية.

وكانت “وزارة الدفاع التركية” قد أعلنت عن وصول 6 شحنات من منظومة الصواريخ الروسية الجديدة، (إس-400)، لقاعدة “أكينغي” الجوية في ضواحي “أنقرة”.

وأعلن الرئيس التركي، “رجب طيب إردوغان”، أنّ بلاده ستستخدم منظومة الصواريخ، (إس-400)، الروسية للدفاع الجوي حال تعرضها لأي هجوم، وأنّ من حقه استخدام هذه المنظومة في أي زمن أو مكان إن اقتضت الحاجة ذلك.

“أوباما” هو سبب التقارب “الروسي-التركي” !

وأوضح الدكتور “يوري زينين”، كبير الباحثين بمعهد العلاقات الدولية التابع لوزارة الخارجية الروسية: “أن واشنطن؛ رغم غضبها من الرئيس، إردوغان، لا تريد فقدان تركيا وتخشى إبتعاد تركيا عنها؛ وكذلك عن حلف الـ (ناتو) بإتجاه روسيا، لذا فإن الضغوط الأميركية ستظل عند حدود معينة، كما أن أنقرة هي الأخرى لن تترك حلف الـ (ناتو) ولا الولايات المتحدة”.

وقال “زينين”: “أعتقد أن المباردة التركية لشراء هذه المنظومة تعود إلى فترة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، حين طلبت تركيا شراء منظومة (باتريوت) الصاروخية الأميركية، لكن إدارة أوباما رفضت ذلك وطلبت قيمة مالية عالية، وفي نهاية الأمر فشلت تركيا في إقناع أميركا بخفض القيمة، فتوجهت أنقرة لروسيا، وبدأت تُجري المفاوضات بهذا الخصوص للحصول على هذه الصفقة، ولتُظهر للعالم أن لديها استقلالية في إتخاذ القرار الخارجي”.

“واشنطن” لا تريد فقدان “أنقرة” !

يرى خبير العلاقات الدولية الروسي، “زينين”، أن “الولايات المتحدة الأميركية” ستمارس بعض الضغوط على “تركيا”، لكنها في كل الأحوال ستحاول الحفاظ على تحالفها مع “أنقرة”.

ويقول “زينين”، مُعلقًا على طبيعة العلاقات بين “واشنطن” و”أنقرة” في ظل الإصرار التركي على الحصول على منظومة الصواريخ الدفاعية الروسية: “من المبكر التكهن حول مسار العلاقات (التركية-الأميركية) بعد حصول أنقرة على صفقة (إس-400)”.

مُضيفًا أن: “الصورة ليست واضحة حتى الآن؛ وأن تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لا توحي بأنه عازم على إتخاذ عقوبات قاسية ضد تركيا، لكن في المقابل فإن وزارة الدفاع الأميركية، (البنتاغون)، ومعها حلف شمال الأطلنطي، (الناتو)، لديهما رد فعل أكثر قسوة من ترامب ويريدان فرض مزيد من العقوبات القاسية على أنقرة”.

لماذا الإصرار التركي على امتلاك المنظومة الروسية ؟

يرى كثير من المحللين الاستراتيجيين أن أهم سبب لتقارب “تركيا” من الدب الروسي؛ وإبتعادها عن الغرب وحلف الـ (ناتو)، يرجع بالأساس إلى تطورات الأحداث فى الأزمة السورية، خلال الأعوام الأخيرة.

حيث قررت “تركيا”، في مستهل الحرب الأهلية في “سوريا”، دعم المتمردين، ولكن بعد اليأس من سقوط نظام “بشار الأسد”؛ قررت “تركيا” التوجه إلى الحلفاء الغربيين وطلب تشكيل ائتلاف عسكرى لدعم المعارضة السورية، التي أفرزت فيما بعد عشرات الميليشيات العسكرية.

ولكن الأطراف الغربية أمتنعت عن التدخل المباشر فى ميدان المعركة؛ وأكتفت بتقديم الدعم السياسي والتسليحي للمعارضة السورية.

وبعد أن أسقطت المدفعية الجوية السورية طائرة مقاتلة تابعة للقوات الجوية التركية؛ كانت قد إنتهكت المجال الجوي لشمال “سوريا”، في شهر حزيران/يونيو من عام 2012، تقدّم المسؤولون الأتراك بطلب عقد جلسة فورية لأعضاء حلف الـ (ناتو) لتحديد منطقة لحظر الطيران في شمال “سوريا” وتزويد “تركيا” بالمنظومات الدفاعية من طراز (باتريوت)، ولكن حلف الـ (ناتو) لم يعبأ بالمطلب التركي ووافق فقط على انتشار عدة بطاريات لمنظومة (باتريوت) في المناطق الحدودية بين “تركيا” و”سوريا”.

وهناك سبب آخر، أغضب الأتراك وجعلهم لا يعلقون آمالًا على حلف الـ (ناتو)، حيث أُصيبت “أنقرة” بحالة من اليأس والإحباط بعدما تخاذلت الدول الغربية وحلف الـ (ناتو)؛ عن دعم “تركيا” بعد حادثة إسقاط المقاتلة الروسية، (سوخوي-24)، على يد القوات التركية.

وكان الأتراك يعتقدون أن زعماء الـ (ناتو) سيقدمون الدعم الكامل لـ”أنقرة” أمام “موسكو”، ولكن القوى الغربية تركت “تركيا”، في هذه المرة أيضًا بمفردها أمام الروس، الذين كانوا في حالة من الغضب الشديد وأخذوا يتوعدون “أنقرة” بالرد القاسي.

وبعدما يئست من دعم الدول الغربية وتبددت أحلامها القديمة بالإنضمام إلى “الاتحاد الأوروبي”، قررت “تركيا” التحوّل نحو المعسكر الشرقي وتعزيز العلاقات الاستراتيجية مع “روسيا”، ومن بين مظاهر التعاون المشترك بين البلدين، خلال السنوات الأخيرة، يمكن الإشارة إلى تشكيل مجموعة العمل الثلاثية التي تضم كل من “تركيا” و”إيران” و”روسيا” لحل الأزمة السورية، خاصة في شمال تلك الدولة العربية التي أنهكتها الحرب الأهلية.

وفي النهاية، أسفر التعاون بين “موسكو” و”أنقرة” عن الدخول العسكري التركي إلى شمال “سوريا” ضمن ما يُسمى بعمليات “درع الفرات” و”غصن الزيتون”؛ وتشكيل مناطق خفض التصعيد وإنشاء نقاط الحراسة في محافظات “حلب” و”إدلب” و”حماة”.

وهناك اختلافات شديدة داخل “تركيا” بشأن هذا التوجه، فالحزب التابع للرئيس، “رجب طيب إردوغان”، وأنصاره يميلون في الغالب إلى تعزيز العلاقة مع الدول الإقليمية و”روسيا” وتوقيع المزيد من الاتفاقيات العسكرية مع تلك الدولة، أمّا الأحزاب الأخرى فتميل إلى إصلاح العلاقات مع “الولايات المتحدة” والغرب والتأكيد على شعار التنمية الاقتصادية الذي كان هو أهم عامل لشعبية الحزب الحاكم واستمراره في السلطة خلال السنوات الأخيرة.

صفقة الصواريخ الروسية وعودة الحرب الباردة !

بحسب عدد من المحللين؛ فإن تلك الصفقة العسكرية بين “أنقرة” و”موسكو”، قد تكون بداية “حرب باردة” جديدة، إذ باتت “تركيا” تميل نحو الحلف “الروسي-الإيراني-الصيني” على حساب الحلف الغربي، وأنها بذلك تكون قد قطعت تحالفها الاستراتيجي مع “الولايات المتحدة”، في حين توقّع آخرون أن تتعرض “أنقرة” لـ”عقوبات أميركية”، “انتقامية”، جراء هذه الصواريخ.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.