الأموال الإيرانية القذرة (6) .. جذور حرب الحكومة و”الحرس الثوري” ضد غسيل الأموال والإرهاب !

الثلاثاء 14 أيار/مايو 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص : ترجمة – عبدالرحمن محمد عبدالعظيم :

نظرًا لما تؤكده الإحصائيات الرسمية والمعلنة وما حددت من نسبة “الأموال القذرة” داخل الاقتصاد الإيراني، بحوالي 81 ألف مليار تومان.. فقد رأت (كتابات)؛ أن تفتح ملفًا خاصًا حول قضية “غسيل الأموال” القذرة داخل العملية السياسية الإيرانية، وتفاصيلها المتشعبة..

يحذر الأصوليون في “إيران” من اتفاقية (FATF)؛ ويصفونها بـ”الأسوأ من الاتفاق النووي”، وأنها تُمهد لحصانة الحاملين للجنسية الأميركية في “إيران”, وهم يتهمون حكومة، “حسن روحاني”، بالخيانة ويعدونها غير شرعية وناشدوا ديوان العدالة الإدارية، والبرلمان، والنيابة و”المجلس الأعلى للأمن القومي” وغيرها من الجهات، التدخل للحيلولة دون الموافقة على اتفاقية (FATF), وهددوا بالتجمهر أمام مبنى البرلمان، فما هي القصة ؟.. على حد التقرير الذي طرح هذا السؤال محاولًا الإجابة عليه، على موقع (إيران واير) المعارض.

إيران ومجموعة “FATF“..

(FATF)؛ هي اختصار “مجموعة العمل المالي لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب”. وهي منظمة مهمة لدورها في تحديد السياسات المعيارية المالية والمصرفية، وتشتهر بـ”مجموعة العمل المالي”.

وتتعامل، حتى الآن، مع 192 دولة حول العالم، بشكل مباشر أو غير مباشر، مع هذه المنظمة، وتحرص على تنفيذ توصيات “مجموعة العمل المالي لمكافحة غسيل الأموال وتأمين المصادر المالية للإرهاب”.

وتواجه “إيران”، منذ العام 2008، تهم التواطؤ في عمليات “غسيل أموال” وتوفير الدعم المالي للتنظيمات الإرهابية، ومن ثم تم إدراج “الجمهورية الإيرانية”، بجانب “كوريا الشمالية” و”كوبا”، (قبل حذف كوبا مؤخرًا)، على “القائمة السوداء” لمجموعة العمل المالي، وبالتالي تطبيق قيود واسعة على التعاملات المصرفية الإيرانية.

ولقد نفذت حكومة، “أحمدي نجاد”، التاسعة، مجموعة من الإجراءات المتنوعة التي تكفل حذف اسم “الجمهورية الإيرانية” عن “قائمة مجموعة العمل المالي السوداء”؛ شملت لقاء مسؤولين بـ”البنك المركزي” الإيراني، عام 2008، مع مسؤولين من “وزارة الخزانة” الأميركية في العاصمة الفرنسية، “باريس”، بحثًا عن حلول للمشكلات غير المعلنة. لكن إفشاء المباحثات أثار جدلاً واسعًا وتسبب في إفشالها.

في العام ذاته، صادقت حكومة “نجاد” على “قانون مكافحة غسيل الأموال”، واهتمت بتشكيل “المجلس الأعلى لمكافحة غسيل الأموال” في “إيران”. كذا صادقت حكومة “نجاد”، في العام 2010، على لائحة هذا القانون. وإنعقدت الآمال على أن تسهم هذه الإجراءات في حل المشكلة، ولكن دون جدوى، بسبب اختلاف تفسير الطرفين لمسألة “غسيل الأموال” و”الإرهاب”. وبالنهاية وصفت حكومة “أحمدي نجاد”، مجموعة العمل المالي، بـ”المسيسة”.

تحطم آمال “حسن روحاني”..

وقد نفذت حكومة “روحاني” حزمة إجراءات مشابهة، وصادق البرلمان بالتعاون مع الحكومة، عام 2016، ورغم ضغوط اللويبهات الأجنبية، على “قانون مكافحة تمويل الإرهاب”، المُعطل منذ عام 2012.

وأكتنف حكومة “روحاني” الأمل في الحصول على الضوء الأخضر من الغرب، المتأثر بأجواء ما بعد التصديق على “الاتفاق النووي”، وأن يعتبر التصديق على هذا القانون بمثابة مؤشر على الإرادة الإيرانية للقضاء على مشكلة “غسيل الأموال”. لكن فشلت كل هذه الطموحات، عام 2015، حين أعلنت “مجموعة العمل المالي” بقاء اسم “الجمهورية الإيرانية” على “القائمة السوداء”؛ مع تغيير مهم، حيث تعلق المجموعة القيود المالية على “إيران” مدة عام ومنحها الفرصة لتطبيق المعايير اللازمة.

من جانبها؛ وقعت الحكومة الإيرانية جدول إجراءات مع “مجموعة العمل المالي” يخولها القضاء على المشاكل العالقة. وظلت هذه الاتفاقية سرية، لكن ثمة نزاع حالي بشأن هذه الاتفاقية. ولم يصنف “قانون مكافحة تمويل الإرهاب”، الذي حظي بتصديق “البرلمان الإيراني”، حركات التحرر التي تقاتل ضد الاحتلال الأجنبي كتنظيمات إرهابية.

والحقيقة لا تصنف “الجمهورية الإيرانية”؛ تنظيمات مثل “حزب الله” اللبناني كتنظيم إرهابي، الأمر الذي ترفضه الدول الغربية و”مجموعة العمل المالي”. من ثم؛ فالخطوة الأولى لحل المشكلة تكمن في إصلاح هذه المواد في “قانون مكافحة تمويل الإرهاب”. وهذا منوط بالبرلمان الإيراني ويخرج عن نطاق صلاحيات الحكومة.

في الوقت نفسه؛ يتعلل المعارضون للحكومة بأن إصلاح القانون على النحو الذي تريده “مجموعة العمل المالي”؛ إنما يعني القضاء على كل حركات المقاومة وأدوات القوة الإيرانية في المنطقة.

مشكلة “الحرس الثوري”..

لكن ما هي المشكلة الأخرى ؟.. يضم ملحق “الاتفاق النووي”، قائمة بأسماء شخصيات حقيقة واعتبارية يرتبط معظمها بـ”الحرس الثوري”. وما تزال هذه الأسماء على قائمة العقوبات المتعلقة بحقوق الإنسان والإرهاب.

من ثم فإن تعامل المصارف مع هؤلاء؛ هو بمثابة اشتراك في عمليات “غسيل الأموال” و”تمويل الإرهاب” واستمرار المشكلات السابقة. وتنبع أهمية حل هذه المشكلة من تحطيم قيود المبادلات المالية والمصرفية، خاصة “الاتفاق النووي”.

وتنأى البنوك الأجنبية الكبرى عن التعاون مع المصارف والحكومة الإيرانية، خوفًا من التورط في مشكلات “غسيل الأموال” و”الإرهاب”. من ثم يتعين على “إيران” حل المشكلة من الداخل. وفي حين يبدو أن “الحرس الثوري”، لا يواجه داخليًا مشكلة مهمة، إلا أن “ولي الله سيف”، المدير العام لـ”البنك المركزي” الإيراني، كان قد خاطب جميع البنوك محذرًا من تحول حرية التعاون داخل البلاد إلى مستند إدانة بيد الغرب.

من جهة أخرى؛ ما تزال المؤسسات التابعة لـ”الحرس الثوري”، على رأس قائمة العقوبات، وحتى لو أرادت البنوك الداخلية التعاون فيما بينها؛ فإن البنوك والشركات الخارجية لن تساند هذا التعاون بل لن تكون هناك إمكانية للتعاون من الأساس.

الاتفاقية الدولية ودعم الميليشيات الموالية خارجيًا..

كذا من الواضح، أنه لن يكون بمقدور “إيران” الاستفادة من الشبكة المصرفية الدولية إذا أرادت مساعدة “حزب الله” اللبناني أو “أنصار الله” اليمنية، لأن لديها طرقها ووسائلها الخاصة، وبالتالي لن يكون للتوقيع على هذا القانون تأثير بالغ في عملية الدعم الإيراني للجماعات الموالية لها في “العراق” و”سوريا” و”لبنان” و”اليمن”.

المشكلة الأخرى، ربما يفخر قادة “الحرس الثوري” بتمويل “حزب الله” اللبناني ماليًا في الدعاية الإعلامية والسياسية، وقد يعتبرونه رمزًا للمقاومة التحريرية في العالم، لكن لن يكون بمقدورهم الإشادة بذلك في الوثائق البنكية والمالية.

والأمر لا يعني أن حكومة “حسن روحاني” لا تشترك و”الحرس الثوري” في دعم الميليشيات المحسوبة على “إيران”، وإنما كل ما في الأمر أن قنوات الاتصال الرئيسة مع هذه المجموعات هي من اختصاصات “الحرس الثوري” وأدواته المهمة، مثل (فيلق القدس)، ومعسكر (خاتم الأنبياء)، والشركات الموالية.

وفي ضوء هذه الوقائع يثير الأصوليون، ووسائل الإعلام المقربة من “الحرس الثوري” هذه الضجة :

أولاً: الموافقة العملية على الاتفاقية وفق المعايير الدولية، يؤكد الاتهامات بشأن مشاركة “إيران” في عمليات “غسيل الأموال” والدعم المالي للتنظيمات المعروفة بالإرهابية.

وهو نوع من التناغم؛ أو على الأقل إلتزام الصمت حيال تصنيف بعض الجماعات، المحسوبة على “إيران”، بـ”الإرهاب”؛ وما يترتب عليه من تبعات طويلة الأمد.

كذلك لو نجحت الحكومة في الاتفاق مع “مجموعة العمل المالي”، سوف يعمل “الحرس الثوري”، المنزعج، للتخلص من العقوبات والمشكلات المالية بطريقته، ويتكفل بالأعباء المالية التي لن تدفعها الحكومة والقطاع المصرفي بشقيه الحكومي والخاص التكلفة.

كذلك تدرك حكومة “روحاني”، التي تأمل في إيجاد حلول للعقوبات المتعلقة بحقوق الإنسان ودعم الميليشيات الإيرانية في المنطقة، أن “الحرس الثوري” لن يقوم بإجراء أي تغير على مسألة التعاطي مع هاتين القضيتين، لكنها تريد على الأقل فصل مسارها في العلن عن مسار “الحرس الثوري”. وهذا النموذج المقترح يشبه ما حدث في مسألة الاختبارات الصاروخية. قالوا لـ”الحرس الثوري”: أجر اختباراتك، لكن في سرية وترفع عن الدعاية الإعلامية، والآن يقولون: أعقد صفقاتك، وأمتلك شبكتك الاقتصادية وساعد ميليشيات المقاومة وغيرها، لكن انسحب من الشبكة المصرفية التي من المقرر ربطها مع الشبكة المصرفية العالمية. ومن الطبيعي في ضوء هكذا أوضاع، أن تستعيد الشركات التابعة لـ”الحرس الثوري” هويتها الاقتصادية المشوهة، وسوف تواجه مشكلة كبيرة في المنافسات الاقتصادية، والحد الأدنى من أسهم البنك المحتملة. وشركة لا تعترف لها البنوك المحلية بالثقل، لا تستطيع حتى الجلوس إلى طاولة الصفقة، ولابد أن تختبيء وراء شركة أخرى، وكل ذلك معناها مكاسب أقل وصداع أكبر.

ثانياً: لو لم ينجح أعضاء حكومة “روحاني” في التعاطي مع الغرب، حتى فيما يتعلق بموضوع الإرهاب، فهم يعلمون جيدًا حجم عمليات “غسيل الأموال” الهائلة في البنوك المحلية، مثل أموال “المخدرات” و”التهريب”.

وعلى فرض عدم تورط “الحرس الثوري” بشكل مباشر في هذه العمليات، لكن “الأخوة المهربون” (!!)، بما لهم من مكانة وجذور داخل “الحرس الثوري” وتغيير طبيعة القائد إلى التاجر  موجود بكل مكان. وهم غير مستعدون للتخلي ببساطة عن هذه المصالح والمكاسب. وهم يربطون كل تخريب يرون أنه ضروري في هذا المسار باسم “الحرس الثوري” أو النظام.

والأهم هو ما يتعلق بالتحدي الكبير للسياسة والاقتصاد الإيراني. حيث تضطلع حكومة “روحاني” وبعض الأصوليين بالدفاع والترويج لدور “الحرس الثوري” في الاقتصاد الإيراني.

الصراع مع “الحرس الثوري”..

إن عسكرة الاقتصاد الإيراني أنتج الخسائر؛ وثمة مساعي كبيرة، وإن لم تكن قوية، تستهدف تقييد تدخل ومناورة “الحرس الثوري” في الاقتصاد. والنزاع الراهن ما هو إلا إنعكاس لتلكم المحاولات. ولو تستطيع الحكومة الإيرانية إصلاح القوانين وتقييد يد “الحرس الثوري” في النظام المصرفي المحلي، ومن ثم الحد من التبعات السلبية للوجود الاقتصادي العسكري في المعاملات الدولي، وهو ما يؤهلها للإقتراب من أهدافها وإتخاذ خطوة للأمام.

وهو ما يعني الضغط علي رقبة “الحرس الثوري”، وفي المقابل سوف يضغط “الحرس الثوري” على رقبة الجميع.

ويتملك “الحرس الثوري”، والمعارضين لحكومة “روحاني”، بالتأكيد أسباب أخرى. وهم يقولون: تعتزم الحكومة، في إطار القبول باتفاقية (FATF)، تنسيق المعلومات المالية الإيرانية المهمة والمرتبطة بالأمن ووضعها تحت سيادة الغرب.

وهم يحذرون كذلك من تقييد يد “إيران” عن دعم جماعات المقاومة؛ وأن هذا المشروع يستهدف الإحتواء الإيراني الإقليمي. وهم ينددون بفرض البنوك المحلية عقوبات على المؤسسات الثورية، مثل “الحرس الثوري”، بالشكل الذي يجعل الغرب أكثر جرأة في الضغط على هذه المؤسسات.

وكانت حكومة “روحاني” قد أوضحت: “أننا نختار أنفسنا كنماذج إرهابية”. وضرب وزير الاقتصاد الأمثلة وقال: “إن إيران بصدد التعاون مع منظمة غسيل الأموال الروسية بشأن (داعش)”. وكذلك قال رئيس البنك المركزي: “العمل لا يقتضي تبادل المعلومات، وتتمتع إيران بالاختيار في الحالات المطروحة”، لكن المعارضون يقولون: لو تلتزم إيران بالتعهدات الكلية فسيكون عليها قبول التبعات مثل “الاتفاق النووي”.

وهم يطالبون بإلغاء كل اتفاقيات الحكومة مع “مجموعة العمل المالي”. ولقد تمكن هؤلاء من رفع القضية إلى “المجلس الأعلى للأمن القومي”، من خلال الضغط المستمر، وتوجيه النواب المقربون من “الحرس الثوري”؛ بمتابعة أداء “حسن روحاني” واستجواب أعضاء الحكومة، مع التهديد بدخول البرلمان.

وبينما يفحص “المجلس الأعلى للأمن القومي” المسألة، يسكب المعارضون البنزين على النار على أمل تحقيق أهدافهم بالنهاية. وهم يعتبرون اتفاقية (FATF) من أهم القضايا في مرحلة ما بعد “الاتفاق النووي”، حيث يتطلعون إلى إفشال هذه الاتفاقية.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.