اشتعال الحرب التجارية “الصينية-الأميركية” .. إلى أين يمكن أن تصل الأزمة ؟

الاثنين 18 حزيران/يونيو 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص : كتبت – نشوى الحفني :

أشتعلت الحرب التجارية بين “واشنطن” و”بكين”؛ بعد فرض الأولى رسومًا جمركية على صادرات الثانية، وردًا على الإجراء الأميركي، فرضت “وزارة التجارة الصينية”، السبت 16 حزيران/يونيو 2018، إجراءات مؤقتة لمكافحة الإغراق على منتجات “حمض الهيدروديك” القادمة من “اليابان والولايات المتحدة”، فيما قالت إنها ستفرض إجراءات مماثلة مع عدة دول أخرى بالعالم من بينها دول عربية.

القرار الصيني سيترك آثارًا على صادرات عدة دول لم يجري التأكد من تفاصيلها بعد لعدم توافر إحصاءات حول حجم صادراتها إلى “الصين”، لكن الأزمة ستتسع بالأيام المقبلة، جراء اندلاع أخطر شرارة للحرب “الأميركية-الصينية” في مضمار التجارة العالمي. وستظهر الأرقام تباعاً من عدة دول تصدر المواد “البتروكيمياوية” إلى “الصين”.

تأتي هذه الخطوة بعد يوم من إعلان “الولايات المتحدة” فرض رسوم جمركية على لائحة أولية بنحو 1300 منتج صيني؛ 70% منها من ثلاثة قطاعات رئيسة، وهي مكونات مفاعلات نووية وأدوات كهربائية ومعدات بصرية.

التقارب “الأميركي-الكوري الشمالي” جاء في غير صالح الصين..

يأتي التحول التاريخي في العلاقة بين “الولايات المتحدة” و”كوريا الشمالية”، في غير صالح “الصين”، التي لم تعد شريكًا تضطر إليه الإدارة الأميركية للتواصل مع “بيونغ يانغ”، بمعنى أن “أميركا” وجدت نفسها غير مضطرة لمجاملة “الصين” بعد التقارب مع “كوريا الشمالية” بشكل مباشر، فبدأت خطوات الحرب التجارية تأخذ منحى تنفيذي أكثر حدة ويتسع نطاق تطبيق أدواتها.

وفي ذلك؛ قال دبلوماسيون ومحللون صينيون، إن بكين أمامها عدة خيارات حيال التقدم الدبلوماسي الذي أحرزته كوريا الشمالية مع الولايات المتحدة لضمان عدم تأثر نفوذها الإقليمي، خاصة في ظل خوفها من سعي واشنطن إلى علاقات أقرب مع بيونغ يانغ.

وأشار محللون في الشأن الصيني – حسب ما نقلت صحيفة (ساوث تشاينا مورنينغ بوست) الصينية – إلى أن بكين دعمت القمة الأولى بين زعيم كوريا الشمالية، “كيم جونغ-أون”، والرئيس الأميركي، “دونالد ترامب”، في “سنغافورة”، الثلاثاء الماضي، لكن ما تخشاه هو التقارب المحتمل بين البلدين.

وأوضح المحللون أن السيناريو الذي تخشاه الصين هو أن تستخدم الولايات المتحدة، كوريا الشمالية، ضدها، ما يغير موازين القوة في شرق آسيا على حساب بكين، تمامًا مثل تطبيع أميركا علاقاتها مع الصين خلال السبعينيات في ذروة الحرب الباردة لاستخدامها ضد الاتحاد السوفياتي.

ورقة مفيدة في اللعبة الطويلة..

ونقلت الصحيفة الصينية عن مصادر دبلوماسية صينية؛ أنه من وجهة نظر بكين، فإن كوريا الشمالية، رغم أهميتها الجيوسياسية، لكنها كانت وستظل “ورقة مفيدة” في اللعبة الطويلة للصين ضد أميركا مع تكشّف المنافسة الهيكلية بينهما.

وقال مصدر في بكين للصحيفة إن التنافسية المتنامية مع الولايات المتحدة ستكون بمثابة التحدي الإستراتيجي الحقيقي بالنسبة للصين خلال السنوات أو العقود القادمة، بينما تعد كوريا الشمالية مجرد قضية مؤقتة، مؤكدًا على أن أزمة كوريا الشمالية سيتم حلها بطريقة أو بأخرى حتى إذا كان هذا غير واضح حاليًا.

وأشارت الصحيفة الصينية إلى أنه بجانب الدعم السياسي لكوريا الشمالية، خلال مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، فإن الصين من المتوقع أن تلعب دورًا رئيسًا في مساعدة بيونغ يانغ للخروج من عزلتها الاقتصادية ولتجديد تعهداتها الأمنية.

رد عملي على قرارات واشنطن..

على الرغم من التهديدات السابقة، والمفاوضات بين الجانبين الأميركي والصيني، تعد الخطوة الصينية الأخيرة بفرض رسوم على منتجات المواد “البتروكيمياوية”، أكثر رد عملي على بدء فرض الرسوم الأميركية؛ الذي يفترض أنه بدأ بمجرد نشر اللائحة بالمنتجات الصينية الخاضعة لها يوم الجمعة.

وقالت الوزارة الصينية، في بيان على موقعها الإلكتروني، السبت، إنها أصدرت حكمًا مبدئيًا بأن إغراق البلدين تسبب في أضرار كبيرة لصناعة منتجات “حمض الهيدروديك” في الصين.

وفي بيان آخر؛ قالت الوزارة الصينية، إنها ستطبق أيضًا إجراءات مؤقتة لمكافحة الإغراق على منتجات “الإيثانولامين” المنتجة في “ماليزيا وتايلاند والولايات المتحدة” وغيرها من الدول.

فرض رسوم جمركية على المنتجات الصينية..

وكانت صحيفة (وول ستريت غورنال)، قد قالت إن إدارة الرئيس الأميركي، “دونالد ترمب”، قد وافقت، على لائحة بالرسوم الجمركية التي تريد فرضها على المنتجات الصينية، وذلك بعد اجتماع في البيت الأبيض مع مستشاريه التجاريين، خصوصًا مسؤولين من وزارة التجارة والخزانة.

وتأتي هذه الخطوة في إطار المواجهة التجارية مع بكين.

وأعلن “ترمب”، في آذار/مارس الماضي، أن بلاده ستفرض رسومًا جمركية بنسبة 25% على ما قيمته 50 مليار دولار من الواردات الصينية مع التركيز على قطاعات تعتبرها تحويلاً لملكية فكرية.

رسوم على البضائع الأميركية..

وكانت وكالة الصين الجديدة للأنباء، (شينخوا)، قد قالت، نقلاً عن “لجنة التعريفات الجمركية” بمجلس الدولة، إن الصين ستفرض رسومًا إضافية قدرها 25% على 659 من المنتجات الأميركية قيمتها 50 مليار دولار.

وأضافت (شينخوا) أن الرسوم الجمركية على بضائع أميركية بقيمة 34 مليار دولار تشمل المنتجات الزراعية والسيارات، سيبدأ سريانها في السادس من تموز/يوليو 2018، ووفقًا للوكالة الصينية فإن موعد سريان الرسوم على البضائع الأميركية الأخرى سيعلن في وقت لاحق.

سيناريوهات الصراع التجاري الأميركي الصيني..

وضعت وكالة (بلومبرغ) أربعة سيناريوهات محتملة للصراع التجاري بين “الصين” و”الولايات المتحدة” يمكن أن تحدث خلال الأسابيع والأشهر القادمة:

1 – تراجع كلا الجانبين..

قبل أقل من شهر؛ بدا هذا ممكنًا، ففي أعقاب المحادثات بين الدولتين في “واشنطن”، قال وزير المالية الأميركي، “ستيفن منوشين”، إن الإدارة “علقت الحرب التجارية” ولن تفرض رسوم جمركية على البضائع الصينية.

وازدادت الآمال في أن تقبل “الولايات المتحدة” زيادة متواضعة في مشتريات “الصين” من المنتجات الأميركية، لكن في غضون أيام، تراجع الرئيس عن الاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال المحادثات.

إلا أن خيار التوصل إلى عقد هدنة قصيرة الأجل يبدو الآن غير محتمل، وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية، يوم الجمعة، إن “الولايات المتحدة” ترغب في إجراء تغييرات هيكلية في الطريقة التي تتعامل بها “الصين” مع التكنولوجيا. حيث تريد الإدارة من “بكين” التوقف عن إجبار الشركات الأميركية على نقل التكنولوجيا إلى “الصين”، ومن جانبها أشارت “بكين” إلى أنها لن تقبل بتغييرات كبيرة في مخططها، “صنع في الصين 2025″، والذي يحدد كيف تخطط الدولة الآسيوية لقيادة الصناعات الناشئة مثل الذكاء الإصطناعي.

2 – تراجع الصين..

دافع الرئيس الصيني، “شي جينبينغ”، عن نظام التجارة العالمي القائم، حيث تواجه “الصين” مخاطر كثيرة، فعلى مدار سنوات، دفعت الاستثمارات والصادرات الحكومية النمو الاقتصادي للبلاد. وتسعى حكومة “شي” إلى هندسة سياسة “التباطؤ التدريجي” الذي يزيد من التركيز على الإنفاق الاستهلاكي، ويمكن أن يتسبب نشوب حرب تجارية في عرقلة مخططات “بكين” الاقتصادية، والتي أظهرت علامات ضعف الأداء في آيار/مايو الماضي.

ويعد أفضل سيناريو بالنسبة لـ”الولايات المتحدة”، هو تراجع “الصين” عن مخططاتها في قضايا التكنولوجيا، وفتح أسواقها أمام المزيد من السلع والخدمات الأميركية.

وقال “رود هنتر”، وهو شريك في شركة “بيكر ماكنزي” للمحاماة، وخبير الاقتصاد الدولي في “مجلس الأمن القومي” التابع للبيت الأبيض في عهد الرئيس، “جورج بوش”، إنه “إذا كنت مفاوضًا تجاريًا، وتعمل تحت إمرة الرئيس ترامب، فإن ذلك ميزة كبيرة، لأن الجميع يعرف أنه سيفرض التعريفات الجمركية، ويعطي المفاوضين التجاريين الكثير من النفوذ”.

3 – تراجع الولايات المتحدة..

يفخر “ترامب” ببراعته في التفاوض، وشارك في تأليف كتاب بعنوان (فن الصفقة)، والذي يشرح فيه “ترامب” كيف تمكن من الحصول على تنازلات لصالح شركاته العقارية. لكن حتى الآن لم يتمكن “ترامب” من عقد صفقة كرئيس للولايات المتحدة، حيث أصبح الضغط الأميركي من أجل إصلاح “اتفاقية التجارة الحرة” لأميركا الشمالية في طي النسيان.

وحسب العديد من المراقبين؛ فإن “ترامب” لم يحقق الكثير من اجتماعه البارز، الأسبوع الماضي، مع الزعيم الكوري الشمالي، “كيم جونغ-أون”، لذا من المحتمل أن تتحدى الصين “ترامب”.

وتشمل قائمة المنتجات الأميركية، المعرضة للرسوم الجمركية الصينية، مجموعة من المواد الزراعية مثل: “فول الصويا والذرة الرفيعة والقطن”، وهي ضربة للولايات الزراعية التي دعمت “ترامب” في الانتخابات الرئاسية لعام 2016.

وقال “تيري هينز”، المدير الإداري ورئيس قسم التحليل السياسي في شركة “إيفر كور”: إن “ما يشير إليه ترامب هنا هو أنه لا يريد مواصلة المفاوضات فحسب، بل إنه يرغب في حل المشكلة في أقرب وقت ممكن”.

4 – نشوب حرب تجارية شاملة..

هناك سبب للإعتقاد بأن “الولايات المتحدة” و”الصين” لن تحل هذه المشكلة قريبًا، وأن الأمور قد تتصاعد بسرعة، وهو أن أي من الطرفين لا يريد أن يُنظر إليه على أنه ضعيف.

حيث استلم “ترامب” السلطة بعد أن اعتمد، خلال حملته الانتخابية، على إسترضاء الولايات المتدهورة اقتصاديًا في شمال شرق الولايات المتحدة المعروفة باسم “نطاق الصدأ”، والتي تضررت بشدة من العولمة.

ومع إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في تشرين ثان/نوفمبر المقبل، يواجه “ترامب” المزيد من الضغوط لتهدئة قاعدته السياسية، الأكثر تضررًا من الرسوم الجمركية الصينية. وفي المقابل، يعتبر تحويل “الصين” إلى دولة رائدة في مجال التكنولوجيا العالمية، جزءًا أساسيًا من خطة “شي” الإستراتيجية طويلة المدى. وأكدت (بلومبرغ)، أنه إذا أصر “ترامب” على الدفع بإتجاه إجراء تغييرات منهجية على النموذج الاقتصادي الأساس للصين، فقد يشهد العالم فترة طويلة من التوترات بين البلدين.

وتقدر الشبكة أن الحرب التجارية سيكون لها تأثير مباشر، محدود، على النمو في كلا البلدين، لكن هذا يمكن أن يتغير إذا أضر الصراع برجال الأعمال وثقة المستهلكين.

“مايكل سمارت”، العضو المنتدب في شركة “روك كريك غلوبال أدفايزرز” في واشنطن، والمدير السابق للتجارة الدولية في “مجلس الأمن القومي”، قال: إنه “يمكن أن تتراوح حدة الحرب التجارية بين مجرد مناوشات بسيطة إلى معركة شاملة تتسبب في الكثير من الأضرار على العمال الأميركيين والمزارعين والمستهلكين”.

وأضاف: “لم نصل إلى هذه المرحلة بعد، لكنه أمر مخيف، لأنه يبدو أننا نسير في الطريق نحو صراع كبير، ومن الصعب رؤية النتيجة المتوقعة”.

العلاقات التجارية بين البلدين..

ورغم كل ذلك يرتبط البلدان بعلاقات تجارية ومالية وثيقة؛ على الرغم من الاختلافات العميقة في نظاميهما الاقتصاديين.

في سنة 2017، صدرت الولايات المتحدة سلعًا بقيمة 130.4 مليار دولار إلى الصين، وأستوردت من ثاني اقتصادات العالم سلعًا بقيمة 505.2 مليار دولار، وفق “وزارة التجارة الأميركية”.

وتشمل صادرات الولايات المتحدة إلى، العملاق الآسيوي، طائرات (بوينغ) مدنية ومعدات ملاحية بـ 16.26 مليار دولار، وصويًا بأكثر من 12 مليار دولار، وسيارات جديدة أو مستعملة بـ 10.52 مليار دولار.

وتصدر الصين إلى السوق الأميركية جملة من المنتجات، بدءًا من الهواتف المحمولة 70 مليار دولار والحواسيب 45 مليار ومعدات الاتصالات 33.48 مليار.

خلافًا للبضائع، سجلت الولايات المتحدة فائضًا تجاريًا مع الصين في قطاع الخدمات بلغ 38 مليار دولار عام 2017، وفقًا لبيانات “وزارة التجارة الأميركية”.

وأدى تطوير العلاقات التجارية مع “الصين” إلى تعميق العجز التجاري الأميركي، وفي العام الماضي سجلت مع “بكين” عجزًا بزيادة 8.1%، في حين لم يكن هذا العجز يتجاوز 6 مليارات دولار عام 1985، عندما بدأت “وزارة التجارة” في نشر بيانات الميزان التجاري.

وتعهد “دونالد ترامب”، خلال حملته الانتخابية، بتقليص العجز التجاري؛ وقال إن الهدف من ذلك هو تعزيز التوظيف في الولايات المتحدة، خاصة في المناطق الأكثر تأثرًا بنقل المصانع.

وبلغت الاستثمارات المباشرة للشركات الصينية، في الولايات المتحدة، 29 مليار دولار في العام الماضي، وفقًا لبيانات “المجلس الاقتصادي الصيني الأميركي”، التي سجلت انخفاضًا بنسبة 35% مقارنة بعام 2016، ويرجع ذلك أساسًا إلى القيود التي فرضتها “بكين” على الاستثمار المباشر في الخارج، وخصوصًا في قطاعي العقارات والفنادق.

على سبيل المثال؛ وقعت “الشركة الصينية للاستثمار في الطاقة”، في تشرين ثان/نوفمبر 2017، خلال زيارة “ترامب” للصين، مذكرة تفاهم لاستثمار 83.7 مليار دولار في مشاريع في ولاية “فرغينيا” الغربية، ورحبت سلطات الولاية بها لأنها رأت فيها تحفيزًا للنمو والوظائف.

وتوجد “الصين” على رأس المستثمرين الأجانب في سندات الخزينة الأميركية قبل اليابان. في نيسان/أبريل، كانت “بكين” تملك ما يزيد قليلاً على 1.181 تريليون دولار أميركي على شكل سندات خزينة أميركية، أي نحو 20% من إجمالي ما تملكه مجمل المؤسسات الأجنبية.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.