“اتفاق جدة” للسلام بين “إثيوبيا” و”إريتريا” .. تطويق لإيران وتعزيز لاستثمارات القرن الإفريقي !

الثلاثاء 18 أيلول/سبتمبر 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص : كتبت – نشوى الحفني :

في اتفاق تاريخي برعاية العاهل السعودي، الملك “سلمان بن عبدالعزيز”، وقع الرئيس الإريتري، “أسياس أفورقي”، ورئيس الوزراء الإثيوبي، “آبي أحمد علي”، الأحد 16 أيلول/سبتمبر 2018، “اتفاقية جدة للسلام” بين البلدين، ليطوي البلدان صفحة أطول نزاع في القارة الإفريقية.

وجاء التوقيع بحضور ولي العهد السعودي، الأمير “محمد بن سلمان بن عبدالعزيز”، والأمين العام للأمم المتحدة، “أنطونيو غوتيريس”، ووزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي، الشيخ “عبدالله بن زايد آل نهيان”.

وعقب التوقيع؛ قلد الملك “سلمان”، الرئيس الإريتري ورئيس الوزراء الإثيوبي، بـ”قلادة الملك عبدالعزيز”.

الاتفاق يتوج عدد من الخطوات الإيجابية بمبادرة إماراتية ومساندة سعودية لإنهاء الصراع بين “إثيوبيا” و”إريتريا” من خلال قمة ضمت الزعيمين في العاصمة، “أبوظبي”، لتشكل هذه الجهود، التي ساهم فيها ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، الشيخ “محمد بن زايد”، وبقيادة رئيس دولة الإمارات، الشيخ “خليفة بن زايد آل نهيان”.

تطور هام في منطقة القرن الإفريقي..

من جانبها؛ جددت “مصر” التأكيد على دعمها لخطوات السلام في القرن الإفريقي، وترحيبها بالتوقيع على الاتفاقية، مثمنة الجهود المقدرة لخادم الحرمين الشريفين جلالة الملك “سلمان بن عبدالعزيز” في رعاية الاتفاق.

وأكد بيان صادر عن “وزارة الخارجية المصرية”، على أن توقيع الاتفاق يمثل تطورًا هامًا في منطقة القرن الإفريقي والقارة بأكملها، لما ينطوي عليه من إنهاء وتسوية للنزاع بين البلدين الشقيقين، والذي أمتد لسنوات طويلة، مشيرًا إلى تطلع “مصر” إلى تعزيز دعائم الأمن والسلام والاستقرار في القرن الإفريقي لما فيه مصلحة شعوب المنطقة.

يعزز استقرار المنطقة..

كما ثمنت “الإمارات”، جهود خادم الحرمين الشريفين الملك “سلمان بن عبدالعزيز آل سعود”، لترسيخ أسس الأمن والاستقرار والإزدهار في المنطقة، حسبما أفادت وكالة الأنباء الإماراتية.

ونوهت “الإمارات” إلى أن “اتفاق جدة للسلام، الذي وقعته جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الاتحادية ودولة إريتريا يأتي في سياق السياسة التي يقوم بها خادم الحرمين الشريفين لتعزيز استقرار المنطقة من خلال رؤية دقيقة تدرك الإرتباط الحيوي بين أمن القرن الإفريقي والعالم العربي”.

فيما عبر الشيخ “عبدالله بن زايد آل نهيان”، وزير الخارجية والتعاون الدولي من جدة عن إعتزازه بـ”حضور هذه المناسبة التاريخية الخيرة، والتي تبني الجسور بين الأشقاء وتقرب الشعوب وتدعو الأجيال إلى التفاؤل”، مقدرًا الدور الفاعل للقيادة السعودية وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود”.

بنود الاتفاق..

ينص الاتفاق على إعلان نهاية الحرب بين البلدين، العمل على تعزيز التعاون الوثيق في المجالات المختلفة، التبشير بعهد جديد من السلام والتعاون والتنمية، تنفيذ قرار ترسيم الحدود بين البلدين، واستئناف رحلات التجارة والنقل والاتصالات والعلاقات الدبلوماسية.

يأتي هذا؛ بعد أيام من إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي سحب قوات بلاده من الحدود مع “إريتريا”، وقيام الأخيرة بالمثل، ضمن إجراءات من شأنها إزالة التوتر المزمن في العلاقات بين البلدين، إضافة إلى إعلان فتح سفارة “أديس أبابا” في “أسمرة”.

والثلاثاء الماضي؛ أعادت الدولتان فتح الحدود البرية للمرة الأولى منذ 20 عامًا، بما يمهد الطريق للتجارة بينهما، بعد أن دخل البلدين في عداء طويل تخلله حروب حدودية، كانت إحداها في آيار/مايو 1998، وعرفت باسم “حرب بادمي”، إشارة إلى “مثلث بادمي” الحدودي، الذي يضم 3 مناطق “بادمي” و”تسورنا” و”يوري”.

قمة أسمرة..

وفي تموز/يوليو الماضي؛ وقع الجانبان إعلانًا للسلام ينهي – رسميًا – عقدين من العداء بعد آخر مواجهة عسكرية عام 2000 بين الجانبين، خلّفت نحو 100 ألف قتيل من الجانبين وآلاف الجرحى والأسرى والنازحين وأنفقت خلالها أكثر من 6 مليارات دولار.

جاء ذلك خلال قمة، وُصِفت بالتاريخية، في العاصمة الإريترية، “أسمرة”، في أول لقاء بين زعيميّ البلدين الجارين والخصمين اللدودين بمنطقة القرن الإفريقي.

بعد ذلك تبادل زعيما البلدين الزيارات التي حظيت بحفاوة شعبية جارفة، كما جرى الاتفاق على خطوات شملت استئناف الرحلات الجوية وتطوير الموانيء.

وقبل 3 أشهر؛ زار وفد رفيع المستوى من “أسمرة”، “أديس أبابا”، للمرة الأولى منذ 1998، عندما اندلعت الحرب بسبب خلاف حدودي.

وفي نيسان/أبريل الماضي، ظهرت بوادر إنفراج للأزمة بعد أن أعرب “رئيس الوزراء الإثيوبي” عن رغبته بإعادة العلاقات مع “إريتريا”، كما أعلن الائتلاف الحاكم في “إثيوبيا” موافقته على تنفيذ “اتفاقية الجزائر”.

الاستثمارات و”حرب اليمن” وراء السعي السعودي..

تعليقًا على اتفاق السلام الإثيوبي الإريتري، قال المتخصص في الشأن الإفريقي، “د. أبوبكر سرحان”، إن “السعودية لها استثمارات في إثيوبيا؛ ومن مصلحتها الوفاق بين إريتريا وإثيوبيا لحفظ الأمن والسلام في منطقة القرن الإفريقي التي تطل على البحر الأحمر ولتأمين الأمن القومي السعودي”.

مشيرًا إلى أن “السعودية تريد أن يكون لها ظهير في تلك المنطقة، خاصة في ظل الحرب في اليمن والتهديد الإيراني الذي قيل إنه سيقتحم منطقة البحر الأحمر؛ مع الدعم الإيراني لجماعة الحوثي في اليمن”.

رغبة “إثيوبية-إريترية” للتصالح..

وأكد الدكتور “أيمن السيد عبدالوهاب”، الخبير في شؤون المياه وإفريقيا بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، على وجود عدة أسباب دفعت تجاه عملية السلام، معتبرًا أن “المحرك الأول والدافع الرئيس هي مبادرة رئيس مجلس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، لإنهاء الصراع والخلاف مع دول الجوار لإعادة صياغة موقع إثيوبيا في نطاقها الجغرافي، ليتماشي مع مشروعه الإصلاحي الداخلي”.

مضيفًا أن هذا الاتفاق يأتي بالتزامن مع تغير السياسة الخارجية الإريترية تجاه محيطها الإقليمي، حيث كشف وزير الخارجية الجيبوتي، “محمود علي يوسف”، في 8 أيلول/سبتمبر الجاري، عن وساطة “سعودية” لتطبيع العلاقات بين “جيبوتي” و”إريتريا”، لينهيا بذلك نزاعًا استمر لعشر سنوات إثر نزاع حدودي، سبقه في 30 تموز/يوليو 2018، توقيع اتفاق لإقامة علاقات دبلوماسية وتبادل السفراء بينها وبين “الصومال”، بعد اتهام “الصومال” لـ”إريتريا”، في وقت سابق، بتزويد متمردين متشددين بالسلاح.

ويرى “عبدالوهاب” أن “إريتريا” واجهت العديد من الضغوط المرتبطة بعزلتها عن محيطها الإقليمي، وبالتالي وجدت في مبادرة “آبي أحمد” مخرج من أزمتها، خاصة مع إتخاذه “اتفاق الجزائر” كمرجعية للمصالحة، وهو ما يعد عاملاً مرضيًا للطرف الإريتري.

دوافع اقتصادية..

ويقول: إن “للاتفاق دوافع اقتصادية تكمن في تحسين بيئة الاستثمار في المنطقة لتعزيز الاستقرار الداخلي لدولهم”، مشيرًا إلى أنه لا يمكن تغييب دور “المملكة العربية السعودية” في ذلك السياق، خاصة أن حجم الاستثمارات السعودية في المنطقة كبير.

وذكر أن تلك “المساعي الأخيرة تتوافق مع رغبة القوى الكبرى في دعم مشروع آبي أحمد”، مشيرًا إلى أن الاهتمام الدولي بالقرن الإفريقي يتزايد وينعكس بشكل كبير على تنافس الدول على موانيء القرن الإفريقي وموارده.

وتستثمر العديد من الدول في موانيء القرن الإفريقي نظرًا لأهميتها الإسترتيجية، وفي مقدمة هذه الدول “الإمارات والصين وقطر والسعودية”، وفي 11 من أيلول/سبتمبر الجاري، أعلن البلدان فتح معابر حدودية مشتركة، ما يمهد الطريق للتبادل التجاري بين “إثيوبيا” و”إريتريا”، ورحبت “وزارة الخارجية المصرية” بتوقيع “إثيوبيا” و”إريتريا” على “اتفاقية جدة للسلام”، معربة عن تطلع “مصر” إلى تعزيز دعائم الأمن والسلام والاستقرار في القرن الإفريقي؛ لما فيه مصلحة شعوب المنطقة.

مصر لاعب رئيس..

وأشار خبير الشأن الإفريقي إلى أن “مصر” لاعب رئيس في كل التوازنات التي تجري في المنطقة، مؤكدًا على قوة العلاقات “المصرية-الإريترية”، فضلاً عن تحسن العلاقات مع “إثيوبيا” خلال الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ، مع وجود دور مصري في حل أزمة “جنوب السودان”، ما يجعل “مصر” حاضرة في جميع ملفات القرن الإفريقي.

وأكد “عبدالوهاب” على أن “مصر” تدعم الاستقرار في القارة السمراء عامة و”القرن الإفريقي” خاصة، لافتًا إلى أن “مشروع الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي يخدم مصالح مصر في مواجهة التطرف والإرهاب، خاصة مع تحول القرن الإفريقي في العقدين السابقين إلى بؤر صراعات”، وتابع أن الاستقرار يوفر دعائم عملية تنمية والمشاركة في المنطقة، ومن ثم يحقق كثير من متطلبات الأمن القومي المصري وفي مقدمتها الأمن المائي.

الجهود الحالية محاطة بتحديات كثيرة..

الباحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، “جهاد عمر الخطيب”، تعلق على الاتفاق بقولها إنه بعد انفصال “إريتريا” أصبحت “إثيوبيا” دولة حبيسة ليس لها منفذ على البحر، مشيرة إلى أنه مع اندلاع الحرب بين الطرفين أصبحت “إثيوبيا” تعتمد، بشكل كامل، على ميناء “جيبوتي”، بعد أن جعلت الحرب الأهلية الصومالية استخدام الموانيء الصومالية أمرًا من الصعوبة بمكان.

مضيفة أن تنوع مسارات التجارة؛ من أهم الأسباب التي دفعت “إثيوبيا” للمصالحة، لكنها نوهت بأن الاستقرار في “القرن الإفريقي” سيكون له تأثير إيجابي على “مضيق باب المندب”، المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وبدوره سيؤثر على الأمن الملاحي في “قناة السويس” المصرية، التي تعد شريانًا حيويًا بالغ الأهمية للاقتصاد المصري.

ولدى الدولتين تاريخ طويل من العداء، وهو ما يجعل الجهود الحالية محاطة بكثير من التحديات تكمن في كيفية تحويل تلك الإرادة السياسية للدولتين إلى واقع ملموس على الأرض وتجنب أسباب فشل التجارب السابقة.

ضربة قاسمة للمشاريع الفوضوية..

وأكد المحلل السياسي السعودي، “خالد الزعتر”، على أن اتفاق السلام يؤكد التكامل الحاصل في العمل الدبلوماسي بين “السعودية” و”الإمارات” في القارة الإفريقية، والمكانة التي تحظيان بها في القارة.

موضحًا أن نجاح المصالحة يعتبر ضربة قاصمة للمشاريع الفوضوية التي ترعاها بعض الدول، ويأتي ليغلق الباب أمام الدول التي تحاول استثمار هذا الصراع لمصلحتها وإيجاد موطيء قدم لها، ومن بينها “إيران”، التي بدا واضحًا أنها بدأت تفقد وجودها في القارة الإفريقية، والتي كانت تنظر لهذا القارة بأنها الضامن الإستراتيجي لمشروعها التوسعي في تطويق دول الخليج من الضفة الأخرى للبحر المتوسط، وتأمين خطوط لإمداد الأذرع الإيرانية من “الحوثيين”، و”حزب الله” بالسلاح والمسلحين.

رهان محوري للسلام..

فيما قال الأمين العام المساعد السابق لمنظمة الوحدة الإفريقية، السفير “أحمد حجاج”، إن منطقة “القرن الإفريقي” رهان محوري للسلام في القارة الإفريقية والمنطقة العربية والخليج، وبالطبع الاستقرار يؤثر على جزء كبير من سلامة التجارة العالمية، وهي منطقة مستهدفه من دول تعمل على تخريب الخليج وشمال إفريقيا.

وأكد “حجاج” على أن “السعودية” و”الإمارات” استطاعتا تحييد دور الدول التي كانت تضغط على القيادات السياسية في “إريتريا” و”إثيوبيا” لضرب السلام.

وأردف: “السعودية كان لها اتصالات منذ قديم الأزل في شرق إفريقيا، وغالبية المسلمين في شرق القارة في الأساس تلقوا تعاليم الدين الإسلامي من السعودية”، فضلاً عن عمليات التنمية التي تمت عبر “السعودية” و”الإمارات” من خلال استثمارات ضخمة أوجدت أرضية لـ”أبوظبي” و”الرياض” في شرق إفريقيا.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.