الثلاثاء 29 نوفمبر 2022
23 C
بغداد

    “آمال ماهر” .. وكسر طوق الهيمنة وغضب “الوكيل” !

    خاص : بقلم – د. مالك خوري :

    من النادر جدًا هذه الأيام، أن يظهر فنان عربي ليُغني على المسرح أمام الجمهور، فيستطيع أن يتحكم لأكثر من نصف ساعة بالأكثرية الساحقة من مفاصل أدائه، أو يتفادى الانزلاق نحو نشازات فاضحة في أداء تغييرات السُلم الموسيقي للأغنية، أو يتفادى الوقوع في اختلالات واختزالات مُحرجة في الإنسياب الإيقاعي للأداء.

    “آمال ماهر”؛ هي من هؤلاء القلائل جدًا القادرين على التحكم بقدراتهم على الأداء المتماسك، وعلى الإستغناء بسهولة عن أدوات تحكم المؤثرات الصوتية داخل الإستوديو؛ والتي أضحت تحسم صعود “نجوم” لا علاقة لهم لا بالغناء ولا بالفن.

    لقد انتصرت شركات البترودولار لعقود في اخفاء الضعف الهائل لمعظم “الرداحين” الذين فرضت نجوميتهم علينا بعد غياب رعيل فترة نهضة الموسيقى العربية في القرن الماضي، والتي انتهت مع ثمانينيات ذلك القرن.

    هذه الشركات الاحتكارية التي فرضت نمط إنتاجها وتوزيعها ودعايتها على الساحة العربية، استطاعت تدريجًا أن تُرهن بيدها حياة وموت أي فنان عربي عبر اخضاعه لما يتناسب مع معاييرها ومقاييسها ومصالحها الخاصة، والتي لا تمُت بصلة إلى القيم الفنية المتعارف عليها في معظم أنحاء العالم.

    فالسيطرة شبه المطلقة لهذه الشركات على التلفزة والإعلام وصناعة الإنتاج الموسيقي، أصبحت العامل الأول الذي يُحدد “نجاح” أو اختفاء هذا أو ذاك من الأصوات التي تُحاول اقتحام عالم الغناء في منطقتنا.

    والأخطر هو أنه في زحمة ضياعنا بين أصوات النشاز التي تُهيمن على ما نسمعه في إذاعاتنا، وحفلاتنا الموسيقية، وتلفزتنا، ووسائل تواصلنا الاجتماعي، جرى أيضًا التحكم بمذاقات شعوبنا الموسيقية لتهبط بها إلى أدنى المستويات وأكثرها تدنيًا وسطحية. وتمخض عن هذا محوًا متماديًا للذاكرة الموسيقية العربية وفقدانها للعديد من مراسي القوة التي كانت تُغذي من خلالها مقاومة الهبوط في مستوى الذائقة الموسيقية الجمعية لشعوبنا.

    لذلك، فمن الطبيعي أن تنفجر وسائل إعلام السعودية غضبًا عندما تُقرر “آمال ماهر” أن تعود إلى الغناء من على منصة مصرية، وفي تحدٍ واضح لإرادة من أعتادوا على الجزم في قرار غناء أو عدم غناء هذا أو ذاك من الفنانين. وأداء “ماهر” البارحة؛ (كما عبرت عنه بوضوح الكليبات الكثيرة جدًا من حفلة الساحل الشمالي)، أثبت مرة أخرى، أن مقاومة الهيمنة هي البديل لبدء إعادة رونق ومستوى القدرات الفنية لبلد غني تاريخًا وواقعًا مثل “مصر”.

    تحية لـ”آمال ماهر”، وتحية لكل من يكسر قيد من قيود الغزو “الجاهلي” للثقافة الفنية المصرية.