قصة الحضارة (221): اعتبر الاسكندر أولمبيا عاصمة العالم اليوناني

قصة الحضارة (221): اعتبر الاسكندر أولمبيا عاصمة العالم اليوناني

خاص: قراءة- سماح عادل

يستأنف الكتاب الحديث عن الألعاب في الحضارة اليونانية، وعن أنواع الألعاب. وذلك في الحلقة الواحد العشرين بعد المائتين من قراءة “قصة الحضارة” الكتاب الموسوعي الضخم وهو من تأليف المؤرخ الأمريكي “ويل ديورانت” وزوجته “أريل ديورانت”، ويتكون من أحد عشر جزء.

الألعاب ..

يحكي الكتاب عن الألعاب في وقت الحضارة اليونانية: “إذا كان الدين قد عجز عن توحيد بلاد اليونان، فإن الألعاب الرياضية الموسمية قد أفلحت في توحيدها. ذلك أن الناس لم يكونوا يذهبون إلى أولمبيا، ودلفي، وكورنثة، ونميا ليعظموا الآلهة  لأن الآلهة يمكن تعظيمها في أي مكان  بقدر ما كانوا يذهبون ليشاهدوا مباريات البطولة بين الرياضيين المختارين، والاجتماع العام لطوائف اليونان المختلفين. ومن الشواهد الدالة على أثر هذه المراكز في تاريخ اليونان أن الإسكندر  وهو الذي كان في وسعه أن يشاهد بلاد اليونان من خارجه- كان يعد أولمبيا عاصمة العالم اليوناني.

في هذه الأماكن نجد دين اليونان الحقيقي تسيطر عليه قواعد الألعاب الرياضية وتعاليمها، وهذا الدين هو عبادة الصحة والجمال، والقوة. وفي ذلك يقول سمنيدس: “إن أحسن ما يستطيع الإنسان أن يتمتع به هو الصحة الجيدة، ويأتي بعد الصحة جمال الشكل وحسن الطبع، ثم تلي ذلك الثروة ينالها الإنسان من غير غش أو خداع، ويأتي في المرتبة الرابعة أن يكون الإنسان في نضرة الشباب بين الأصدقاء والخلان”وتقول الأوذيسة:”ليس ثمة مجد يستطيع الإنسان أن يناله طوال حياته أعظم مما يناله بيديه وقدميه”.

القوة الجسدية..

وعن تقديس القوة يواصل الكتاب: “ولعله كان من أوجب الواجبات على شعب أرستقراطي يعيش بين جماعات من الرقيق أكثر منه عددا، ويطلب إليه المرة بعد المرة أن يرد عن حماه المغيرين من أمم أكثر منه، نقول لعله كان من أوجب الواجبات على هذا الشعب أن يحافظ على قوته الجسمية، ذلك أن الحرب في الزمن القديم كانت تعتمد على القوة والمهارة، ولقد كانت القوة والمهارة الغرض الأول من المباريات التي طبقت شهرتها الآفاق في جميع هيلاس. وإن من الخطأ أن نفكر في الرجل اليوناني العادي على أنه طالب مولع بإسكلس أو أفلاطون ذلك أن هذا اليوناني العادي كان كالبريطاني أو الأمريكي العادي مولعا بالألعاب، وكان أبطالها المحبوبون هم آلهته على هذه الأرض”.

أنواع الألعاب..

وعن الألعاب وأنواعها: “وكانت الألعاب اليونانية أنواعا مختلفة  منها ألعاب خاصة، وألعاب محلية، وألعاب بلدية، وألعاب يونانية جامعة. وإن الآثار القديمة حتى المحطم منها لتكشف عن ثبت طويل ممتع من الألعاب الرياضية. ففي متحف أثينة حجر على أحد وجهيه نقش يصور مباراة في المصارعة، وعلى الوجه الآخر مباراة لعبة الهكي أما السباحة، وركوب الخيل العارية الظهر، ورمى القذائف واتقاؤها أثناء الركوب، فكانت كلها من مستلزمات اليوناني المهذب أكثر منها ألعابا ومباريات.

كذلك أصبح الصيد من ضروب الرياضة بعد أن لم يعد من وسائل العيش الضرورية. ولم تكن ألعاب الكرة أقل تنوعا أو انتشارا مما هي في هذه الأيام. وكانت كلمتا شاب ولاعب كرة مترادفتين في إسبارطة. وكانت تبنى في ساحات التمرين حجرات خاصة بألعاب الكرة يسمونها اسفيرستيريا، وكان معلموها يسمون اسفيرستاي.

ونشاهد على نقش آخر رجالا ترتد إليهم الكرة من أرض الحجرة أو جدارها، ثم يردونها هم براحة اليد، ولسنا نعرف هل كان اللاعبون يفعلون ذلك بالتناوب كما نفعل نحن بكرة اليد في هذه الأيام. وكان من بين ألعاب الكرة لعبة تشبه لعبة اللاكرس الكندية وهي ضرب من لعبة الهكي تلعب بالمضارب ويصفها بولكس، وهو كاتب من كتاب القرن الثاني بعد الميلاد، بعبارات كأنها من عبارات هذه الأيام فيقول:

“يجتمع بعض الشبان ويقسمون أنفسهم جماعتين متساويتين في العدد ويتركون في أرض منبسطة  أعدوها من قبل وقاسوها  كرة مصنوعة من الجلد، تقرب من حجم التفاحة ثم يهجمون عليها، كأنها جائزة وضعت بينهم من نقط الابتداء المحددة لهم، وفي يمين كل منهم مضرب. ينتهي بانحناء مستو وسطه نسيج من خيوط مأخوذة من أمعاء الحيوان. مجدولة كالشبكة. وتحاول كلتا الطائفتين أن تدفع الكرة من جزء الساحة المخصص لها إلى طرف الجزء المقابل لها”.

ويصف هذا المؤلف نفسه لعبة أخرى تحاول فيها فرقة من اللاعبين أن تقذف بالكرة من فوق رؤوس الفرقة المضادة لها أو من بين لاعبيها، وتستمر في هذا “حتى يرد أحد الطرفين الطرف الآخر إلى ما وراء خط مرماه”. ويصف أنتفانيز في جذاذة ناقصة من القرن الرابع قبل الميلاد أحد مهرة اللاعبين الممتازين فيقول: “ولما أخذ الكرة سره أن يعطيها إلى أحد اللاعبين، ثم تفادى لاعبا آخر ثم استولى عليها من لاعب وضربها واستحث لاعبا آخر بأصواته العالية. وهاهي ذي خارج الملعب، ثم رمية طويلة، ثم تمر به من فوق رأسه، ورمية قصيرة””.

ألعاب محلية..

وعن وجود ألعاب محلية: “ومن هذه الألعاب الخاصة نشأت ألعاب محلية، وأخرى في مناسبات معينة كما يحدث عقب وفاة بطل من الأبطال مثل بتركلوس أو نجاح مشروع عظيم كزحف رجال زنوفون العشرة آلاف إلى البحر. ثم نشأت بعدئذ ألعاب البلديات التي يمثل فيها المتبارون أماكن أو طوائف مختلفة في داخل إحدى دول المدن. أما ألعاب الجامعة الأثينية التي كانت تقام كل أربع سنين فهي أقرب ما تكون إلى الألعاب الدولية وإن لم ينطبق عليها هذا الوصف كل الانطباق.

وقد أنشأها بيسستراتس في عام 566 وكانت كثرة المشتركين فيها من أتكا، ولكن غير الأتكيين كان يرحب باشتراكهم فيها. وكانت تشمل، فضلا عن الألعاب الرياضية المألوفة، سباق العربات، وسباق المشاعل، وسباق التجديف، ومباريات موسيقية في الغناء والعزف على القيثارة والمزمار والناي، والرقص، وإلقاء أكثر ما يكون من شعر هومر. وكان يمثل كل قسم من أقسام أتكا العشرة أربعة وعشرون رجلا يختارون من بين أصح السكان أجساماً وأقواهم بنية وأجملهم منظرا، وكانوا يعطون جائزة للأربعة والعشرين الذي يكون لهم في النظارة أعظم الأثر، وتسمى جائزة “الرجولة الباهرة”.

وإذ كانت الرياضة ضرورية للحرب، ولكنها تنعدم إذا لم تعقد لها مباريات، فقد أنشأت المدن اليونانية الألعاب اليونانية الجامعة لتكون أكبر حافز لليونان أجمعين على إتقان هذه الألعاب. وكانت أولى هذه المباريات الجامعة هي التي تقام بانتظام مرة كل أربع سنين في أولمبيا؛ وقد أقيمت للمرة الأولى في عام 776 ق.م وهو أول تاريخ محدد في حياة اليونان بأجمعها. وكانت هذه الألعاب في أول أمرها مقصورة على الإيليين ، وقبل أن يمضي قرن على بدايتها كان يشترك فيها لاعبون من جميع بلاد اليونان ولم يحل عام 476 حتى كان ثبت الظافرين فيها يشمل لاعبين من جميع البقاع الممتدة من سينوب إلى مرسيلية؛ وأصبح عيد زيوس على مر الزمان يوما مقدسا دوليا، وكان الشهر الذي يقع فيه هذا العيد شهرا حراما يتهادن فيه المحاربون في جميع بلاد اليونان، ويفرض فيه الإيليون غرامات على كل دولة يونانية يلحق في أرضها أذى بأي قادم إلى هذه الألعاب. وقد أدى فليب المقدوني هذه الغرامة عن يد وهو صاغر لأن بعض جنوده سرقوا مال أثيني وهو في طريقه إلى أولمبيا”.

المباريات..

وعن موسم المباريات: “وفي وسعنا أن نتصور الحجاج واللاعبين يبدءون رحلتهم من المدن النائية قبل بدء المباريات بشهر كامل، فإذا ما حان الموعد المحدد اجتمعوا كلهم في صعيد واحد وكانت أيام المباريات سوقا عامة وعيدا في وقت واحد، وكانت الخيام تنصب في السهل لتقي الزائرين حر شمس يوليه اللافح، وإلى جانبها المظلات يستظل بها البائعون ويعرضون تحتها بضاعتهم على اختلاف ألوانها، من خمر وفاكهة وخيل وتماثيل وترى اللاعبين على الحبال والمشعوذين يعرضون ألاعيبهم على الجماهير. فمنهم من يقذف بالكرة في الهواء ومنهم من يلعب ألعابا تشهد بالخفة والمهارة، ومنهم من يأكل النار أو يبتلع السيوف. ذلك أن ضروب التسلية، كأنواع الخرافات، قديمة العهد يخلع عليها هذا القدم ثوبا من التقديس والإجلال. وكان أشهر الخطباء أمثال جورجياس، وأشهر الخطباء أمثال هبياس، وربما كان أشهر الكتاب أمثال هيرودوت، كان هؤلاء جميعاً يلقون خطبهم أو يتلون أقوالهم من أروقة هيكل زيوس. وكانت هذه الأيام أعياد مقدسة للرجال خاصة لأن النساء المتزوجات لم يكن يسمح لهن بالحضور في هذه الساحة، بل كانت لهن ألعاب خاصة تقوم في عيد هيرا. وقد لخص منظر هذه الألعاب في خمس كلمات جامعة فقال: “زحام، وسوق، ولاعبون، وتسلية، ولصوص””.

اليونانيون الأحرار..

ويضيف الكتاب: “ولم يكن يسمح لغير اليونان الأحرار بالاشتراك في مباريات الألعاب الأولمبية وكان المتبارون المشتقة من بمعنى مباراة يختارون بعد اختبارات محلية وبلدية يستبعد بها غير اللائقين، ثم يدربون بعدئذ عشرة شهور كاملة تدريبا صارما على أيدي مدربين محترفين يسمون بيدترباي ومعناها اللغوي مدلكو الشبان ورياضيين يدعون أي العراة.

فإذا جاءوا إلى أولمبيا اختبرهم موظفون مختصون وأقسموا أن يراعوا جميع قوانين الألعاب. ولم يكن يحدث في الألعاب غش أو خروج على السنن الصحيحة إلا القليل النادر منها ما قيل من أن يوبوليس قد رشا الملاكمين حتى ينهزموا له ولكن ما كان يفرض على هؤلاء المخادعين من عقاب، وما كان يلحقهم من مهانة، كان كبيرا إلى حد يحول بينهم وبين الإقدام على مثل هذا العمل فإذا ما تم استعداد اللاعبين أخذوا إلى ميدان الألعاب فإذا دخلوه نادى مناد أسماءهم وأسماء المدن التي بعثت بهم. وكان المتبارون جميعا، أيا كانت سنهم ومنزلتهم، يجردون من الثياب إلا من منطقة تحيط بالحقوين في بعض الأحيان.

ولم يبق من هذا الملعب نفسه إلا الألواح الحجرية التي كانت توضع بين أصابع أرجل المتسابقين في بداية السباق. وكان النظارة البالغ عددهم 45.000 يحتفظون بأماكنهم في الملعب طوال النهار يقاسون الأمرين من الحشرات والحر والظمأ؛ ولم يكن يسمح لهم بلبس قبعاتهم، وكان الماء الذي يسقون منه رديئا غير صالح للشرب، كما كان الذباب والبعوض يملأ جو المكان كما يملأ أمثاله في هذه الأيام. وكانت القرابين تقرب مرارا وتكرارا إلى زيوس طارد الذباب.

وكانت أهم المباريات في هذه الألعاب هي التي يطلقون عليها اسم المباريات الخمس (pentathlon). وأراد اليونان أن يكون اللاعبون متمكنين في هذه الألعاب جميعا، فكانوا يحكمون على من يتقدم للمباراة في واحدة منها أن ينازل غيره فيها جميعا، ولا يعد اللاعب منتصرا إلا إذا فاز في ثلاث لعبات من خمس. وكانت أولاها هي القفز الواسع، فكان اللاعب يمسك بيديه ثقلين شبيهين بكتل الحديد المستديرة ويقفز بهما من موضع معين، ويؤكد لنا الكتاب الأقدمون أن بعض القافزين كانوا يقفزون إلى مسافة خمسين قدما، ولكنا غير ملزمين بأن نصدق كل ما نقرأ. واللعبة الثانية هي قذف القرص وهو لوحة مستديرة من المعدن أو الحجر تزن نحو اثني عشر رطلاً، ويقال إن أكبر القاذفات كانت تصل إلى مسافة مائة قدم”.

أخبار ذات صلة

أخبار ذات صلة