قصة الحضارة (199): نشأة الفلسفة اليونانية ارتبطت بالثراء والرفاهية

قصة الحضارة (199): نشأة الفلسفة اليونانية ارتبطت بالثراء والرفاهية

خاص: قراءة- سماح عادل

حكي الكتاب عن  نشأة الفلسفة اليونانية. وكيف كانت تلك الفلسفة نتيجة للثراء والرفاهية. وذلك في الحلقة الثامنة والتسعين بعد المائة من قراءة “قصة الحضارة” الكتاب الموسوعي الضخم وهو من تأليف المؤرخ الأمريكي “ويل ديورانت” وزوجته “أريل ديورانت”، ويتكون من أحد عشر جزء.

الموطن الأول للفلسفة اليونانية..

استأنف الكتاب الحكي عن الفلسفة اليونانية وأين نشأت: “كان يمتد إلى الشمال الغربي من كاريا مسافة تسعين ميلا شريط ساحلي جبلي يختلف عرضه بين عشرين وثلاثين ميلا، وهو المعروف في الزمن القديم باسم أيونيا. ويصفه هيرودوت بقوله “إن هواءه ومناخه أجمل هواء ومناخ في العالم كله”. وكانت كثرة مدائنه عند مصاب الأنهار أو عند منتهى الطرق، وكانت هذه الأنهار والطرق تنقل البضائع مما ورائها من الإقليم إلى شاطئ البحر المتوسط، ومنه تنقل على ظهور السفن إلى كافة الأنحاء.

وكانت ميليتس، وهي أبعد المدن الاثنتي عشرة الأيونية جهة الجنوب، أغنى مدائن العالم اليوناني كله في القرن السادس قبل الميلاد. وقد قامت هذه المدينة في موضع كان يسكنه الكاريون من العهد المينوي، فلما أقبل الأيونيون من أتكا على هذا المكان حوالي 1000 ق.م. وجدوا فيه الثقافة الإيجية وإن كانت في صورة مضمحلة، تنتظرهم ليتخذوها بداية متقدمة لحضارتهم. ولم يأتوا معهم بنساء إلى ميليتس فاكتفوا بأن قتلوا الذكران من أهلها وتزوجوا الأرامل.

وبدأ امتزاج الثقافتين بامتزاج دماء الأهلين والوافدين. وخضعت ميليتس، كما خضعت كثرة المدن الأيونية، في أول الأمر لحكم الملوك الذين يقودون جيوشهم في الحرب، ثم خضعت بعدئذ لحكم الأشراف الذين يملكون الأرض، ثم لحكم المستبدين” الذين يمثلون الطبقة الوسطى. ووصلت الصناعة والتجارة إلى ذروتيهما في عهد الطاغية ثراسيبولوس في بداية القرن  السادس قبل الميلاد، وأثمر رخاؤها المطرد أدبا وفلسفة وفنا. وكان الصوف يحمل إليها من أرض الكلأ الغنية في الداخل وينسج ملابس في مصانع النسيج القائمة في المدينة. وتعلم التجار الأيونيون عن الفينيقيين إقامة المستعمرات لتكون مراكز تجارية، فأنشأوا العدد الكبير منها في مصر وإيطاليا، على شواطئ بحر البروبنتس واليوكسين، ثم تفوقوا شيئا فشيئا على معلميهم في هذا المجال، فكان لميليتس وحدها ثمانون مستعمرة من هذه المستعمرات التجارية، ستون منها في الشمال. وكانت ميليتس تستورد من أبيدوس وسيزيكوس وسينوب وألبيا وترابيزوس وديوسكورياس الكتان والخشب والفاكهة والمعدن، وتصدر إليها بدلاً منها مصنوعاتها اليدوية”.

ثراء..

وعن ثراء تلك المدينة يواصل الكتاب: “وأصبح ثراء المدينة وترفها تضرب بهما الأمثال وتعير بهما المدينة في بلاد اليونان بأجمعها. وفاضت خزائن تجارها بالأموال فأخذوا يمولون المشروعات في طول البلاد وعرضها وفي المدينة نفسها.

وفي هذه البيئة المنعشة الباعثة على النشاط الذهني أثمرت بلاد اليونان الثمرتين الأوليين من الثمار التي امتازت بها على غيرها، وأهدتهما إلى العالم كله نقصد العلوم الطبيعية والفلسفة؛ ذلك أنه حيث تتلاقى الطرق تتلاقى كذلك الآراء والعادات والعقائد المتباينة؛ وينشأ من اختلافها احتكاك، فتنازع، فمفاضلة، فتفكير؛ فتمحو الخرافات بعضها بعضا، ويبدأ التفكير المنطقي السليم.

وقد تلاقى في ميليتس كما تلاقى في أثينة رجال جاءوا من مائة دولة متفرقة، ذوو نشاط عقلي بعثه فيهم التنافس التجاري، وقد تحرروا من أسر التقاليد لطول غيابهم عن أوطانهم، وهياكلهم، ومذابح آلهتهم. وكان أهل ميليتس أنفسهم يسافرون إلى المدن البعيدة حيث تفتحت عيونهم على حضارة ليديا، وبابل، وفينيقية، ومصر. وبهذه الطريقة وغيرها من الطرق دخل علم الهندسة المصرية وعلم الفلك البابلي العقل اليوناني، ونمت التجارة الداخلية، والعلوم الرياضية، والتجارة الخارجية، وعلوم الجغرافية، والملاحة، والفلك، كلها في وقت واحد.

وكان الثراء في هذه الأثناء قد أوجد للناس الفراغ؛ ونشأت في البلدة أرستقراطية ثقافية امتازت بالتسامح الفكري لأن من يستطيعون القراءة كانوا أقلية صغيرة في المدينة. ولم يكن يضيق على عقول الناس وتفكيرهم قيود يفرضها رجال دين أقوياء، ولا نصوص قديمة منزلة موحى بها، وحتى القصائد الهومرية التي أمست فيما بعد كتاب اليونان المقدس إلى حد ما لم تكن قد اتخذت بعد شكلها النهائي المحدد المعروف، ولما اتخذته كان ما فيها من أساطير دينية مطبوعاً بطابع التشكك الأيوني والمرح المجوني”.

تفكير دنيوي.

وعن التفكير الدنيوي يضيف الكتاب: “ومن ثم أصبح التفكير في هذه المدينة لأول مرة تفكيرا دنيويا غير ديني يسعى وراء الأجوبة العقلية المنسقة غير المتنافرة لما يحير العقول من مسائل العالم والناس .

على أن الغرس الجديد، وإن كان قد حل محل الغرس القديم، كانت له أصوله وكان له آباءه وأجداده، فقد امتزجت بالفلسفة الواقعية الطيبة التي كانت من خصائص التجار الفينيقيين واليونان حكمة الكهنة المصريين والمجوس الفرس الأقدمين، بل لعلها قد امتزجت بها أيضا حكمة المتنبئين الهنود وعلم الكهنة الكلدان وبداية الخليقة المجسدة التي صاغها هزيود شعرا. وقد مهد الدين نفسه السبيل إلى هذا المزج حين تحدث عن مويرا أو القدر، وقال إنه هو المتحكم في الآلهة والبشر.

وكان هذا بداية فكرة القانون الذي يعلو على الإرادة الشخصية مهما عظمت، وهي الفكرة التي تدل على الفرق الجوهري بين العلم والأساطير؛ وبين الاستبداد والديمقراطية. ولقد تحرر الإنسان من يوم أن اعترف أنه خاضع لحكم القانون، وأكبر الأسباب التي جعلت اليونان ذوي خطر في التاريخ ورفعتهم فيه إلى أعلى مكانة، هي أنهم، على قدر ما وصل إليه علمنا، كانوا أول من اعترف بخضوع الإنسان لحكم القانون وبحقه في البحث الفلسفي وفي اختيار الحكم الذي يرتضيه”.

الفلسفة اليونانية..

ويتابع الكتاب عن الفلسفة اليونانية: “وإذا كانت الحياة تتطور متأثرة بعاملين هما الوراثة والتجديد، أي بتثبيت العادات وإقرارها والتجديد التجريبي، فقد كان من المنتظر أن تكون الأصول الدينية للفلسفة هي التي تغذيها، وأن يبقى فيها إلى آخر أيامها عنصر ديني قوي. وقد كان في الفلسفة اليونانية تياران يجريان جنبا إلى جنب:

أحدهما تيار طبيعي النزعة ظاهر، والثاني تيار صوفي غامض. وقد نشأ الأول في عهد فيثاغورس، وشمل برمنديدس وهرقليطس وأفلاطون وكلنثيس، وانتهى ببلنتينوس والقديس بولس؛ وأما الثاني فقد كان أول رجاله العالميين طاليس، وشمل أنكسمندر وكزنوفانيس وبروتجراس وهبقراطس ودمقريطس، وانتهى بأبيقور ولكرتيوس.

وكان يحدث من حين إلى حين أن يقوم رجل عظيم كسقراط وأرسطاطاليس، وماركس أورليوس فيمزج التيارين في مجرى واحد يحاول به أن يوضح نظم الحياة المعقدة التي لا تنطبق على قانون. على أن النغمة الغالبة في هؤلاء الرجال أنفسهم كانت هي حب أتباع العقل، وهي النغمة التي يمتاز بها التفكير اليوناني”.

طاليس..

ويكمل الكتاب عن أول فيلسوف يوناني: “ولد طاليس حوالي 640 ق.م وأكبر الظن أنه ولد في ميليتس، وكان الدائر على ألسنة الناس أنه من أبوين فينيقيين، وتلقى معظم تعليمه في مصر والشرق الأدنى. وفيه يتمثل انتقال الثقافة من الشرق إلى الغرب. ويبدو أنه لم يشتغل بالأعمال التجارية والمالية إلا بالقدر الذي أمكنه أن يحصل به على طيبات الحياة العادية. وليس من يجهل قصة مضارباته في معاصر الزيت ثم صرف باقي وقته في الدرس وأنهمك فيه انهماكاً توحي به قصة سقوطه في حفرة وهو يرقب النجوم. وكان رغم عزلته يهتم بشؤون المدنية، يعرف الطاغية ثراسيبولوس، ويدعو إلى تكوين حلف من الدول الأيونية للدفاع عن نفسها ضد ليديا وفارس؟

وتعزو إليه الروايات المتواترة كلها إدخال العلوم الرياضية والفلكية إلى بلاد اليونان. وتروي إحدى القصص القديمة أنه وهو في مصر قدّر ارتفاع الأهرام بقياس ظلها التي يكون فيها ظل الإنسان مساوياً لطول قامته. ولما عاد إلى أيونيا واصل دراسة الهندسة النظرية التي خلبت لبه بمنطقها السليم، وما فيها من استدلال علمي، وشرح كثير من النظريات التي جمعها إقليدس فيما بعد . وكما أن هذه النظريات كانت الأساس الذي قام عليه علم الهندسة النظرية اليونانية، كذلك كانت دراسته لعلم الفلك الأساس الذي قام عليه هذا العلم في الحضارة الغربية، بعد أن خلصه من التنجيم الذي أدخله فيه الشرقيون.

وكانت له بعض الأرصاد الصغرى، وقد دهشت بلاد أيونيا بأجمعها حين أفلح بالتنبؤ بخسوف الشمس في الثامن والعشرين من شهر مايو 535 ق.م، والراجح أنه قد بنى هذا التنبؤ على أساس السجلات المصرية وعلى حساب البابليين. أما فيما عدا هذا فإن نظريته في نظام الكون لا ترقى كثيراً على ما كان شائعا عن هذا النظام عند المصريين، فقد ظن أن العالم يتكون من نصف كرة يرتكز على منبسط من الماء لا نهاية له، وأن الأرض قرص مستوي طاف على السطح المستوي في داخل هذا الجسم النصف الكري. ويذكرنا هذا بقول جيته إن الإنسان يشترك في رذائله مع أهل زمانه، أما فضائله فإنه ينفرد بها دون سائر الناس.

وكما أن بعض الأساطير اليونانية قد جعلت أقيانوس والد الخلائق بأجمعها، فكذلك جعل طاليس الماء المبدأ الأول لجميع الأشياء، وشكلها الأصلي ومصيرها النهائي. ويقول أرسطو إنه ربما جاء بهذا الرأي بعد أن شاهد “أن غذاء كل شيء رطب وأن بذور كل شيء ذات طبيعة رطبة وأن ما يتولد منه كل شيء هو دائما مبدؤها الأساسي”. أو لعله كان يعتقد أن الماء هو الصورة الأولى أو الأساسية من صور المادة الثلاث الغازية والسائلة والصلبة التي يمكن أن تتحول إليها المواد كلها من الوجهة النظرية.

وليس أهم ما في آرائه قوله إن الماء أصل كل شيء، بل أهمها إرجاعه الأشياء جميعها إلى أصل واحد؛ ولقد كان ذلك أول قول بوحدة المادة في التاريخ المدون كله. ويصف أرسطو آراء طاليس بأنها مادية؛ ولكن طاليس يضيف إلى أقواله السابقة أن كل جزء في العالم حي، وأن المادة والحياة وحدة لا ينفصل أحد جزأيها عن الآخر، وأن في النباتات والمعادن “نفسا” خالدة كما في الحيوان والإنسان، وأن القوة الحيوية تتغير صورتها ولكنها لا تموت أبدا. وكان من عادة طاليس أن يقول إنه لا يوجد فرق جوهري بين الأحياء والأموات. ولما أراد بعض الناس أن يضايقه بسؤال إياه لـمَ إذاً يؤثر الحياة على الموت أجابه بقوله: “ذلك لأنه لا فرق بينهما”.

ولما بلغ سن الشيخوخة أجمع مواطنوه على تلقيبه بلقب الحكيم، ولما اعتزمت بلاد اليونان أن تخلد أسماء حكمائها السبعة، وضعت اسم طاليس على رأسهم، وسئل طاليس عن أصعب الأشياء فأجاب بقوله الذي جرى مجرى الأمثال: “أن تعرف نفسك”، ولما سئل عن أسهل الأشياء قال: “أن تسدي النصح”، وسئل ما هو الله؟ فأجاب “هو ما ليس له بداية ولا نهاية”، وسئل كيف يستطيع الناس أن يعيشوا عيشة الفضيلة والعدالة فأجاب: “ألا نفعل نحن ما نلوم غيرنا على فعله”. ويقول ديوجينيز ليرتيوس: إنه مات “وهو يشاهد مباراة في الألعاب الرياضية، بعد أن أضناه الحر والظمأ والتعب لأنه بلغ سن الشيخوخة”.

أخبار ذات صلة

أخبار ذات صلة