قصة الحضارة (198):  الديمقراطية جعلت أثينة تقود بلاد اليونان

قصة الحضارة (198):  الديمقراطية جعلت أثينة تقود بلاد اليونان

خاص: قراءة- سماح عادل

حكي الكتاب عن  تطبيق الديمقراطية في أثينة. وكيف كانت تلك الديمقراطية السبب في تزعم أثينة لبلاد اليونان. وذلك في الحلقة الثامنة والتسعين بعد المائة من قراءة “قصة الحضارة” الكتاب الموسوعي الضخم وهو من تأليف المؤرخ الأمريكي “ويل ديورانت” وزوجته “أريل ديورانت”، ويتكون من أحد عشر جزء.

قيام الديمقراطية ..

يحكي الكتاب عن تطبيق الديمقراطية في أثنية: “لما توفي بيسستراتس في عام 527 ورث أبناؤه السلطة من بعده، وكانت حكمته قد اجتازت بنجاح كل اختبار إلا اختبارا واحدا، فقد أخفق في كسب حب أبنائه له. وقد وعد هبياس أن يكون عادلا عاقلا في حكمه، وظل ثلاثة عشر عاما يسير على نهج أبيه. وكان أخوه الأصغر مولعا بالحب والشعر؛ ولم يكن في هذا من الضرر أكثر من تبديد المال في هاتين الهوايتين؛ وكان هو الذي استقدم أنكريون وسمنيدس إلى أثينة.

غير أن الأثينيين لم يكونوا راضين كل الرضا عن أن يروا أزمة الحكم تنتقل بغير رضاهم إلى ابني بيسستراتس، وأخذوا يدركون أن الدكتاتورية قد مكنت لهم في كل شيء إلا حافز الحرية. على أن أثينة رغم هذا كانت تتمتع بالرفاهية ورغد العيش، ولولا أن الحب اليوناني الحقيقي يسير في طريق وعر شائك لاستطال حكم هبياس الهادئ حتى يصل إلى خاتمته السلمية الطبيعية.

وكان أرستوجيتون وهو رجل كهل قد كسب حب الفتى هرمديوس وهو وقتئذ “في ريعان الشباب ونضارته” كما يقول توكيديدس، ولكن هباركس، وهو أيضا ممن لا يستحون أن يحبوا الغلمان، كان يسعى هو الآخر ليتحبب إلى هذا الشاب؛ فلما سمع أرستوجيتون بهذا اعتزم أن يقتل هباركس ويعمل في الوقت ذاته على حماية نفسه بقلب الحكومة الاستبدادية، وانضم إليه في هذه المؤامرة هرموديوس وغيره من الأثينيين واغتالوا هباركس وهو يعد العدة لموكب الألعاب الأثينية الجامعة؛ ولكن هبياس أفلت منهم ودبر قتلهم. ومما زاد الأمور تعقيداً أن ليينا عشيقة هرمديوس ماتت ميتة الشجعان أثناء تعذيبهم إياها، لأنها أبت أن تغدر بالباقين من المتآمرين؛ وإذا كان لنا أن نصدق الرواية اليونانية فإنها قطعت طرف لسانها وبصقته في وجه معذبيها لتؤكد لهم أنها لن تجيب عن أسئلتهم.

وارتاع هبياس لهذهِ الثورة، وإن كان الأهلون لم يؤيدوها تأييدا ظاهرا، ودفعه هذا الروع إلى أن يستبدل بحكمه الرحيم حكما طابعه القمع، والتجسس والإرهاب. وكان في مقدور الأثينيين، بعد أن نعموا بالرخاء جيلا كاملا، أن يطلبوا الآن ترف الحرية، وزادت صرخة المطالبة بها دويا كلما زاد الطغيان قسوة؛ واستحال هرمديوس وأرستجيتون في خيال الشعب شهيدين من شهداء الحرية بعد أن لم يكونا إلا متآمرين يحيكان مؤامرة مبعثها الحب والهيام لا الديمقراطية”.

الألكميونيون..

وعن هجوم أتي علي أثينة يواصل الكتاب: “ورأى الألكميونيون في دلفي الذين نفاهم بيسستراتس من البلاد الفرصة سانحة لهم، فجمعوا جيشا، وزحفوا به على أثينة، وأعلنوا أنهم لا يقصدون إلا خلع هبياس. ورشوا في الوقت نفسه الناطق بلسان الوحي في بيثيا لكي يعلن لكل من يستشيره من الإسبارطيين أن من واجب إسبارطة أن تقضي على حكومة الطغيان في أثينة. وقاوم هبياس قوى الألكميونيين مقاومة عنيفة موفقة، حتى انضم إليهم جيش لسديموني، فانسحب من الميدان واعتصم بالأريوبجوس.

وأراد أن يؤمن أبناءه على حياتهم إذا ما قتل هو، فأخرجهم سرا من أثينة؛ ولكن الغزاة ألقوا القبض عليهم، وافتداهم هبياس بأن قبل النزول عن الحكم والنفي. ودخل الألكميونيون وعلى رأسهم كليسثنيز الباسل، أثينة ظافرين، وفي أعقابهم الأشراف المنفيون يستعدون للاحتفال باسترجاع أملاكهم وسلطانهم.

واختبر إسجوراس في الانتخابات التي أعقبت هذه الحوادث ليكون كبير الأركونين، ولكن كليسثنيز أحد المرشحين المنهزمين حرض الشعب على العصيان، وأسقط إسجوراس، وأقام دكتاتورية شعبية. وغزا الإسبارطيون أثينة مرة أخرى، يريدون إعادة إسجوراس إلى منصبه، ولكن الأثينيين قاوموا الغزو مقاومة عنيفة اضطرت الإسبارطيين إلى الارتداد، فلما تم ذلك شرع كلسثنيز، الشريف الألكيموني، ينشئ حكومة ديمقراطية”.

تقسيم جديد..

وعن استحداث تقسيم جديد يضيف الكتاب: “وكان أول إصلاح له بمثابة معول دك به قواعد الأرستقراطية الأتيكية ونعني بها القبائل الأربع والبطون الثلاثمائة والستين التي كانت تتولى زعامتها، جريا على التقاليد التي دامت مئات السنين، أقدم الأسر وأوفرها ثراء: فقد ألغى كليسثنيز هذا التقسيم القائم على صلات القرابة واستبدل به تقسيما آخر إقليميا جعل الأهلين بمقتضاه عشر قبائل تتألف كل منها من عدد من المراكز يختلف باختلاف القبائل. وأراد أن يمنع التكتلات الجغرافية أو المهنية الشبيهة بأحزاب الجبل، والشاطئ، والسهل، فألف كل قبيلة من عدد متساو من أقسام المدينة وسواحل البحر وداخلية البلاد.

وعوض كل الأقسام الجديدة عن القداسة التي كان يخلعها على الأقسام القديمة فأوجد لكل قسم أو قبيلة حفلات دينية واختار أحد الأبطال القدماء وجعله إلها أو قديسا راعيا للقسم أو القبيلة. وأصبح الأحرار الذين ولدوا من أصل أجنبي مواطنين من تلقاء أنفسهم في القسم الذي يقيمون فيه، وقلما كان هؤلاء يتمتعون بحق الانتخاب في العهود الأرستقراطية التي كان حق المواطن فيها يعتمد على حسبه ونسبه، وبهذا العمل وحده تضاعف عدد الناخبين، وأصبحوا عونا جديدا للديمقراطية التي أضحت من ذلك الوقت أقوى أساسا من ذي قبل.

وخولت كل قبيلة جديدة حق ترشيح أحد القواد العشرة الذين اشتركوا من ذلك الوقت مع القائد الأعلى في قيادة الجيش، كما خولت أيضا حق اختيار خمسين عضوا من أعضاء المجلس الجديد المؤلف من خمسمائة عضو وعضو والذي حل الآن مجلس صولون المؤلف من أربعمائة، وجعلت له السلطات الهامة التي كانت لمجلس الأريوبجوس. وكان هؤلاء الأعضاء يختارون مدة عام واحد بالقرعة لا بالانتخاب، من قوائم تحوي أسماء جميع المواطنين الذين بلغوا سن الثلاثين، والذين لم يكونوا قد قضوا في المجلس القديم دورتين”.

الانتخاب بالقرعة..

وعن سيادة مبدا الانتخاب بالقرعة يكمل الكتاب: “وفي هذا النوع الجديد العجيب من أنواع النظام النيابي استبدل بالمبدأ الارستقراطي القائم على شرف المحتد، وبالمبدأ البلوتقراطي القائم على الثراء، مبدأ الانتخاب بالقرعة، فأتيحت لكل مواطن فرص متكافئة للاقتراع، ولشغل منصب في أهم فرع من فروع الحكومة وأعظمها سلطانا. ذلك أن المجلس الذي كان يختار بهذه الطريقة كان يعين جميع المسائل والاقتراحات التي تعرض على الجمعية لإقرارها أو رفضها، كما كان يحتفظ لنفسه ببعض السلطات القضائية المختلفة الأنواع، ويصرف كثيرا من الشؤون الإدارية، ويشرف على جميع موظفي الدولة.

وزيد عدد أعضاء الجمعية ممن دخلها من المواطنين الجدد، وبهذا كانت جلستها التي يحضرها الأعضاء جميعا تضم ما يقرب من ثلاثين ألف رجل، وكان من حق هؤلاء جميعاً أن يختاروا للعمل في البليا أو المحاكم، أما الطبقة الرابعة أو الثيتيس فقد بقيت كما كانت في عهد صولون لا يختار منها أحد للمناصب التي يشغلها فرد واحد.

وزادت سلطات الجمعية بإنشاء نظام “الحرمان” من عضوية الهيئة الاجتماعية والطرد من البلاد، وهو الحق الذي أضافه كليسثنيز إلى حقوقها على ما يبدو ليحمي به الجمهورية الناشئة. وبمقتضى هذا الحق الجديد كان في استطاعة الجمعية، بناء على اقتراح تقدمه أغلبية أعضائها مكتوب بطريقة سرية على قطع من الفخار، كان في استطاعة الجمعية إذا حضرها العدد القانوني وهو ستة آلاف من أعضائها أن تنفي من البلاد مدة عشر سنين أي إنسان ترى هي أنه أصبح خطرا على الدولة”.

نفي..

وعن نفي من يهدد السلطة: “وبهذه الطريقة كان الزعماء الطموحون يضطرون إلى أن يسلكوا مسلك الحذر والاعتدال، وكان في استطاعة الجمعية أن تتخلص ممن تظنهم يتآمرون عليها من غير الإبطاء الذي تستلزمه الإجراءات وكان كل ما يتطلبه هذا العمل من إجراءات أن يسأل أعضاء الجمعية: “هل من بينكم رجل تظنونه شديد الخطر على الدولة؟ وإذا كان فمن هذا الرجل؟” وكان في وسع الجمعية حينئذ أن تقترع على نفي أي مواطن دون أن يستثنى من ذلك صاحب السؤال نفسه . ولم يكن هذا النفي يتضمن مصادرة الملك كما أن المنفي لم يكن يلحقه من جرائه عار؛ ولم يكن إلا الطريقة التي تلجأ إليها الديمقراطية لقطع “أطول السنابل”. ولم تسيء الجمعية استخدام سلطانها هذا، ذلك أنها لم تستخدم حقها طوال التسعين عاما التي مضت بين تقريره وبين إبطال العمل به في أثينة إلا في إخراج عشرة أشخاص من أتكا.

ويقال إن كليسثنيز نفسه كان بين هؤلاء العشرة؛ ولكننا في واقع الأمر لا نعرف تاريخه في آخر أيامه، فقد اختفى وضاع في زحمة أعماله. بدأ عمله بثورة تتعارض كل المعارضة مع الأصول الدستورية، ولكنه وضع بها رغم معارضة أقوى الأسر الأثينية دستورا ديمقراطيا ظل نافذا، مع بعض تغييرات قليلة، إلى آخر عهود الحرية الأثينية”.

ديمقراطية غير كاملة..

وهن الديمقراطية تلك: “على أن الديمقراطية لم تكن كاملة، لأنها لم تكن تطبق إلا على الأحرار، وظلت تضع قيدا خفيفا من الملْكية على حق الانتخاب للمناصب الفردية . غير أنها أعطت جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى جمعية وإلى محكمة تتكونان من المواطنين، وإلى حكام كبار تعينهم الجمعية ويكونون مسئولين أمامها، وإلى مجلس يختار أعضاؤه بأصوات كل من يريد الاقتراع من المواطنين، ويشترك بالفعل في ممارسة سلطانه الأعلى ثلثهم مدة سنة من حياتهم على الأقل. إن العالم لم ير قط في تاريخه كله قبل ذلك العهد نظاما انتخابيا أكثر من هذا النظام حرية، ولا سلطة سياسية شعبية أوسع من هذه السلطة.

واغتبط الأثينيون أنفسهم أشد الاغتباط بهذه المغامرة التي تستهدف سيادة الشعب. لقد أدركوا أنهم كانوا مقدمين على مغامرة شاقة خطيرة، ولكنهم أقدموا عليها بشجاعة وأنفة، وباعتدال وضبط للنفس داما بعض الوقت. ولقد عرفوا من ذلك الوقت لذة الحرية في العمل والقول والتفكير، وبدأوا يتزعمون بلاد اليونان كلها في الآداب والفنون، بل في السياسة والحرب أيضا، وتعلموا أن يطيعوا من جديد قانونا يعبر عن إرادتهم هم أنفسهم، وأن يحبوا حبا لا يعادله حب من قبله الدولة التي كانت تمثل وحدتهم وسلطانهم، والتي تعمل لإكمال هذه الوحدة وهذا السلطان ولما همت أعظم إمبراطورية في ذلك العهد أن تدمر هذه المد المتفرقة المسماة ببلاد اليونان، وأن تفرض عليها الجزية تؤديها عن يد إلى الملك العظيم، نسيت أنها سيقاومها في أتكا رجال يمتلكون الأرض التي يفلحونها، ويسيطرون على الدولة التي تحكمهم. وكان من حسن حظ بلاد اليونان ومن حسن حظ أوربا أن كليسثنيز قد أتم عمله وعمل صولون قبل مرثون باثني عشر عاما”.

أخبار ذات صلة

أخبار ذات صلة