25 فبراير، 2025 4:55 م

قصة الحضارة (17): عظمة حضارة مصر التي نشأت بفضل النيل 

قصة الحضارة (17): عظمة حضارة مصر التي نشأت بفضل النيل 

خاص: قراءة- سماح عادل

يحكي الكتاب عن حضارة مصر، متوقعا رغم عدم وجود تأكيدات علمية أن الحضارة السومرية سبقتها الى الوجود، رغم اعترافه بان ذهه محض استنتاجات. كما يعطي الكاتبات ارائهما الشخصية تجاه اثار مصر الضخمة.وذلك في الحلقة السابعة عشرة من قراءة “قصة الحضارة” الكتاب الموسوعي الضخم وهو من تأليف المؤرخ الأمريكي “ويل ديورانت” وزوجته “أريل ديورانت”، ويتكون من أحد عشر جزء.

أول الحضارات في الشرق الأدنى..
لا يستطيع الكتاب أن يجزم أن الحضارة السومرية هي أول الحضارات في الشرق الأدنى: “إذا ما تحدثنا عن بلاد السومريين نكون جد قريبين من بداية التاريخ قرباً يصعب علينا معه أن نحكم حكماً دقيقاً أي الحضارات التي نمت في بلاد الشرق الأدنى والتي يتصل بعضها ببعض أوثق اتصال، نقول أي هذه الحضارات كانت أسبق من أختها أو أيها أعقبت الأخرى.
إن أقدم مدونات كتابية وصلت إلينا هي المدونات السومرية وإن كان هذا في حد ذاته لا يقوم دليلاً على أن الحضارة السومرية أولى الحضارات؛ فقد لا يكون هذا الكشف إلا وليد الظروف المحضة، وقد يكون نتيجة عبث الموت والفناء بمخلفات الأقدمين. ولقد عثر على تماثيل صغيرة وآثار أخرى شبيهة بآثار السومريين في بلدتي أشور وسامراء وهما من البلاد التي شملتها فيما بعد دولة أشور. ولسنا نعرف هل هذه الثقافة القديمة مستمدة من بلاد سومر أو أنها قد انتقلت إليها من مكان آخر عن طريق نهر دجلة.
كذلك تشبه شرائع حمورابي شرائع أور- انجور ودنجى ولكنا لا نستطيع أن نثبت أن الأولى تطورت عن الثانية، وليست تطورا لشريعة أخرى أقدم منهما عهداً وأن كلتا الشريعتين استمدت أصولها منها. وكل ما في وسعنا أن نقوله هو أننا نرجح، ولا نؤكد، أن حضارة البابليين والآشوريين مستمدتان من سومر وأكد، أو أن سومر وأكد قد لحقتا الحضارتين البابلية والآشورية بلقاحهما. ذلك أن آلهة بابل ونينوى وأساطيرهما الدينية ليست في كثير من الأحوال إلا آلهة وأساطير سومرية طرأ عليها التحوير والتطور، وأن العلاقة التي بين اللغتين البابلية والآشورية وبين اللغة السومرية لتشبه العلاقة القائمة بين اللغتين الفرنسية والإيطالية من جهة واللغة اللاتينية من جهة أخرى”.


زراعة الحبوب..
ويلفت الكتاب إلى ظهور زراعة الحبوب في مكان آخر: “ولقد لفت شوينفرت أنظار العلماء إلى تلك الحقيقة الطريفة العظيمة الخطر، وهي أن الشعير والذرة الرفيعة والقمح، واستئناس الماشية والمعز والضأن، وإن ظهرت كلها في مصر وبلاد ما بين النهرين من أقدم العهود المدونة، لا توجد في حالتها البرية الطبيعية في مصر بل في بلاد آسية الغربية وبخاصة في بلاد اليمن وبلاد العرب القديمة. ويستدل من هذا على أن الحضارة- وهي هنا زراعة الحبوب واستخدام الحيوانات المستأنسة- قد ظهرت في العهود القديمة غير المدونة في بلاد العرب، ثم انتشرت منها في صورة “مثلث ثقافي” إلى ما بين النهرين “سومر، وبابل وأشور” وإلى مصر.ولكن ما وصل إلى علمنا عن تاريخ بلاد العرب القديمة حتى الآن ليبلغ من القلة حدا لا نستطيع معه إلا أن نقول أن هذا مجرد فرض جائز الوقوع”.
مصر..
وينتقل الكتاب إلى الحكي عن الحضارة المصرية القديمة: “وأكثر من هذا احتمالاً أن عناصر معينة من الثقافة المصرية مستمدة من بلاد السومريين والبابليين. فنحن نعلم أن مصر وبلاد النهرين كانتا تتبادلان التجارة، وخاصة بطريق برزخ السويس، ولعلهما كانتا تتبادلان أيضا بالطريق المائي طريق مصب الأنهر المصرية القديمة في البحر الأحمر. وإن نظرة إلى الخريطة لتوضح لنا السبب في أن مصر كانت طوال تاريخها المعروف تنتمي إلى آسية الغربية أكثر مما تنتمي إلى إفريقية.
لقد كان من السهل أن تنتقل التجارة والثقافة إلى مصر من بلاد آسية بطريق البحر الأبيض المتوسط. ولكنها لا تلبث أن تعترضها الصحراء التي تفصل- هي وجنادل النيل- بلاد مصر عن سائر بلاد إفريقية. ومن ثم كان من الطبيعي أن نجد في الثقافة المصرية عناصر كثيرة من ثقافة ما بين النهرين”.
اللغة المصرية القديمة..
ويستنتج الكتاب استنتاجا غير مسنود بأدلة علمية عن أصول اللغة المصرية: “وكلما رجعنا إلى الوراء في دراسة اللغة المصرية القديمة زاد ما نجده فيها من صلات بينها وبين لغات الشرق الأدنى السامية. ويبدو أن الكتابة التصويرية التي كان المصريون يستخدمونها قبل عصر الأسر الحاكمة قد انتقلت إلى مصر من بلاد السومريين. والخاتم الأسطواني- وأصله بلا شك من بلاد الجزيرة- يظهر في أقدم العهود المعروفة من تاريخ مصر، ثم يختفي، وقد كان أسلوبا قديما دخيلا استبدل به أسلوب وطني أصيل.
وليست عجلة الفخراني معروفة في مصر قبل عهد الأسرة الرابعة- أي بعد أن ظهرت في سومر بزمن طويل، ولعلها جاءت إلى مصر من أرض النهرين مع العربات والعجلات. ورؤوس الصولج المصرية لا تفترق في شيء عن البابلية. ومن بين الآثار المصرية التي ترجع إلى عصر ما قبل الأسر والتي عثر عليها في جبل الأراك سكين من الظران الجميل الصنع عليه نقوش بارزة هي بعينها نقوش أرض الجزيرة من حيث موضوعها وطرازها. ولعل صناعة النحاس قد نشأت في غرب آسية ثم انتقلت بعدئذ إلى مصر. وتشبه الهندسة المعمارية الأولى هندسة أرض الجزيرة في استخدام النقوش الغائرة لتزيين الجدران المتخذة من الآجر.
وفخار عهد ما قبل الأسر المصرية وتماثيله الصغيرة وموضوعات زينتها تشبه مثيلاتها في أرض الجزيرة في كثير من الأحوال أو شديدة الصلة بلا ريب. ومن بين الآثار المصرية الباقية من ذلك العهد تماثيل صغيرة لآلهة لا يخطئ الإنسان في أنها من أصل آسيوي. ولقد كان الفنانون في أور ينحتون التماثيل وينقشون النقوش التي يدل طرازها وما جرى عليه العرف في صنعها على قدم هذين الفنين في بلاد سومر، وذلك في الوقت الذي يلوح فيه أن الحضارة المصرية لم تعد عهد بدايتها”.
ويواصل الكتاب على التأكيد على أسبقية سومر رغم عدم تأكيده علميا: “ولا غضاضة على مصر في أن تعترف بالسبق لبلاد سومر. ذلك أنه مهما تكن الأصول التي استمدتها مصر من أرض دجلة والفرات فإن هذه الأصول سرعان ما نمت وأينعت وأثمرت حضارة مصرية خالصة فذة هي بلا ريب من أغنى الثقافات المعروفة في التاريخ وأعلاها شأناً وأعظمها قوة؛ وهي مع ذلك من أكثرها رشاقة وجمالاً، حضارة إذا قيست إليها الحضارة السومرية لم تكن هذه إلا بداية فجة، بل إن حضارتي اليونان والرومان لا تفضلانها في شيء”.
هبة النيل..
في الوجه البحري..
وعن أهمية نهر النيل بالنسبة للحضارة المصرية يوضح الكتاب: “هذا مرفأ أمين أوفى على الغاية في الأمان. ففي خارج حاجز المياه ترى الأمواج الصاخبة يعلو بعضها فوق بعض، أما في داخله فالبحر مرآة من اللجين. هناك، على جزيرة فاروس الصغيرة، في عهد من عهود مصر الموغلة في القدم، شاد سستراتس من الرخام الأبيض منارته العظيمة ورفعها خمسمائة قدم لتكون هادية لجميع الملاحين الضاربين في مياه البحر الأبيض المتوسط، ولتكون إحدى عجائب العالم السبع.
ولقد عفت آثار هذه المنارة بفعل الأيام والمياه الغاضبة، ولكن منارة جديدة قد حلت الآن محلها تهدي السفن التجارية بين الصخور إلى أرصفة ميناء الإسكندرية، حيث أنشأ الإسكندر ذلك الغلام السياسي العجيب مدينته العظيمة التي اختلطت فيها الأجناس، والتي ورثت فيما بعد ثقافة مصر وفلسطين واليونان. وفي مرفأ الإسكندرية استقبل قيصر وهو غاضب مكتئب رأس بمبى مفصولاً عن جسده.
وإذا أطل المسافر من نافذة القطار وهو يخترق المدينة لمحت عيناه في بعض أجزائها أزقة وطرقات غير مرصوفة، وأمواجاً من الحرارة ترقص في الهواء، وعمالاً عرايا إلى أوساطهم يكدحون في مختلف الأعمال، ونساء ذوات مآزر سود يحملن الأثقال، وشيوخاً عليهم جلابيب بيض فاخرة وعمائم تكسوهم المهابة والوقار. وتقع العين من بعيد على ميادين فسيحة وقصور فخمة لا تقل جمالاً عما شاده فيها البطالمة حين كانت الإسكندرية ملتقى العالم كله. ثم لا يلبث الإنسان أن يرى نفسه فجأة في الريف ويرى المدينة من ورائه تتراجع إلى أفق دال النهر الخصيبة، وهي ذلك المثلث الأخضر الذي يبدو في المصورات كجريد النخلة السامقة محمولاً على جذع نهر النيل الرفيع.
وما من شك في أن هذه الدال كانت في يوم من الأيام خليجاً في البحر؛ طمره النهر الواسع طمراً بطيئاً لا تدركه العين بما ألقاه فيه من الغرين الذي حمله معه آلاف الأميال . وفي هذا الركن الطيني الصغير الذي يحيط به مصبّا النهر العظيم يخرج ستة ملايين من الفلاحين قطنا يصدرون منه إلى خارج بلادهم ما قيمته مائة ألف ريال في كل عام. وفي ذلك الصقع من أصقاع العالم يجري أعظم نهر من أنهار الأرض وأوسعها ذكراً، تسطع الشمس على مياهه البرّاقة الهادئة وتكتنفه من جانبيه أشجار النخل الرفيعة السامقة والحشائش والحقول الناضرة. وليس في وسع المسافر أن يرى الصحراء الغربية من مجرى النهر العظيم أو الوديان الجافة التي كانت من قبل روافد له. ولا تستطيع في هذه المرحلة أن تدرك ضيق أرض مصر الشديد، واعتمادها التام على أرض النيل، وما يحيط بها على الجانبين من رمال سافية تناصبها العداء.
ويمر القطار الآن وسط السهل الرسوبي المغطى بعضه بالماء، والذي تخترقه قنوات الري في كل مكان، وينتشر فيه الفلاحون يجدّون ويكدحون وليس عليهم إلا القليل من الثياب. والنهر يفيض في كل عام ويبدأ فيضانه وقت الانقلاب الصيفي ويدوم نحو مائة يوم. وماء الفيضان هو الذي أخصب الصحراء، وأوجد مصر “هبة النيل” كما سماها هيرودوت. ومن اليسير على الإنسان أن يدرك لِمَ وجدتْ الحضارة في هذا الوادي موطناً من أقدم مواطنها. ذلك أننا لا نجد في أي بلاد أخرى في العالم نهراً مثل نهر النيل سخياً بمائه، يعلو بقدر، ويسهل التحكم فيه، وليس في وسع بلاد أخرى أن تضارع مصر في هذا إلا أرض الجزيرة. ولقد ظل زرَّاع مصر آلاف السنين يرقبون فيض النيل بقلوب واجفة، ولا يزال المنادون إلى يومنا هذا في أيام الفيضان يعلنون أنباءه في كل صباح في شوارع القاهرة. وهكذا ينحدر الماضي إلى المستقبل انحدار هذا النهر الهادئ الدائم الجريان ماراً في طريقه بالحاضر مراً خفيفاً. إن تقسيم الأيام إلى ماض وحاضر ومستقبل عمل من صنع المؤرخين، أما الزمن فلا يعرف هذا التقسيم”.
السيطرة على النهر..
ويحكي الكتاب عن محاولة المصريين السيطرة على النهر: “لكن لكل هبة ثمنها، ومهما يكن تقدير الفلاح لهذا الفيض العظيم فقد أدرك أنه إن لم يسيطر عليه فإنه لا يروي الحقول فحسب بل إنه يرويها ويخربها. ومن أجل هذا احتفر من عهود ما قبل التاريخ تلك القنوات التي تخترق أرض مصر طولاً وعرضاً وتتقاطع فيها تقاطع خيوط الشباك، واحتبس فيها المياه الزائدة حتى إذا ما انخفضت مياه النهر رفعها إلى الأرض في دلاء معلقة في قوائم طويلة وأنشد وهو يرفعها الأغاني التي استمع إليها النيل من خمسة آلاف من السنين. ذلك أن هؤلاء الفلاحين الذين نراهم الآن منقبضين لا يضحكون حتى في أثناء غنائهم لا يختلفون في شيء عن أجدادهم الذين عاشوا على ضفاف النهر طوال القرون الخمسة الماضية.
وهذا الجهاز الذي يُرفع به الماء، والذي ما نزال نشاهده الآن، قديم قدم الأهرام نفسها، ولا يزال مليون من هؤلاء الفلاحين يتكلمون اللغة المنقوشة على الآثار القديمة رغم انتشار اللغة العربية في كافة أنحاء البلاد”.
المدن المصرية..
ويستمر الكتاب في ذكر المدن المصرية: “وفي أرض الوجه البحري، وعلى بعد خمسين ميلاً إلى الجنوب الشرقي من الإسكندرية، موقع مدينة نقراطيس القديمة التي كانت في يوم من الأيام مدينة صناعية عظيمة يسكنها اليونان المجدُّون. وعلى بعد ثلاثين ميلاً إلى شرق هذه المدينة موقع ساو “سايس أوْ صا الحجر” التي بعثت فيها الحضارة القومية المصرية آخر مرة في القرون التي سبقت الفتح الفارسي والفتح اليوناني. وعلى بعد مائة وتسعة وعشرين ميلاً في جنوب الإسكندرية الشرقي تقع مدينة القاهرة. والقاهرة مدينة جميلة ولكنها ليست مصرية خالصة، فقد شادها الفاتحون المسلمون في عام 968 بعد الميلاد. ثم أقام الفرنسيون المرحون في قلب الصحراء باريس أخرى دخيلة غير حقيقية، على السائح أن يجتازها في سيارة أو عربة تجرها الجياد، إذا أراد أن يجتازها على مهل، ليشاهد مصر القديمة عند الأهرام.
ولشد ما تبدو هذه الأهرام صغيرة الحجم حين ينظر الإنسان إليها من الطريق الطويل المؤدي إليها؛ فهل قطعنا نحن هذه الرحلة الطويلة لنرى هذه الآثار الصغيرة؟ ولكنها لا تلبث أن يزداد حجمها كأن يداً قد رفعتها في الهواء. ونصل إلى منحنى في الطريق، ونقبل فجأة على حافة الصحراء، تواجهنا الأهرام عارية منعزلة في الرمال، ضخمة شاهقة تسمو قممها في سماء مصر الصافية. ونبصر عند سفوحها خليطا من أجناس مختلفة- منهم رجال أشداء يركبون الحمير ذاهبين بها إلى أعمالهم، ومنهم سيدات في عربات النقل، ومنهم شبان مرحون على ظهور الخيل، وفتيات يجلسن في غير اطمئنان على ظهور الجمال تلتمع ثيابهن الحريرية فوق سيقانهن في ضوء الشمس.
ونرى في كل مكان الأدلاء العرب على استعداد لمعونة القادمين وتأدية ما يلزمهم من خدمات. ونقف حيث وقف قيصر ونابليون، ونذكر أن خمسين قرناً تطل علينا، نقف حيث جاء أبو التاريخ قبل أن يجيء قيصر بأربعمائة عام، واستمع إلى القصص التي دهش منها بركليز. ثم يسقط من الصورة عامل الزمن فيبدو لنا قيصر وهيرودوت ونحن أيضا كأننا كلنا يعاصر قديمنا حديثنا، ونقف ذاهلين أمام هذه المقابر التي كانت أقدم إلى قيصر وهيرودوت من اليونان بالنسبة إلينا”.


أبي الهول..
وعن أبو الهول يقول الكتاب: “وإلى جوار الأهرام يربض تمثال أبي الهول، نصفه أسد ونصفه فيلسوف، يقبض بمخالبه القوية على الرمال، ويحدق بعينيه وهو ساكن لا يتحرك في الزائرين العابرين وفي السهل الأزلي. إنه لتمثال ينتهي فيه جسم الأسد برأس إنسان له فكّان بارزان، وعينان قاسيتان، كأن المدينة التي صورته “2990 ق.م” لم تنس ما كان عليه الإنسان من وحشية في سابق عهده. وكانت الرمال تغطيه في الزمن القديم، ولذلك لا يذكر هيرودوت كلمة واحدة عنه وهو الذي أبصر بعينيه أشياء كثيرة لا وجود لها في تلك البلاد.
ألا ما أعظم ما كان يتمتع به أولئك المصريون الأقدمون من ثراء. وما أقوى سلطانهم وأعظم حذقهم في طفولة التاريخ نفسها. لقد استطاعوا بثرائهم وقوتهم وحذقهم أن ينقلوا هذه الحجارة الضخمة ستمائة ميل أو أكثر وأن يرفعوها، وهي تزن عدة أطنان إلى علو خمسمائة قدم وأن يطعموا المائة ألف من العمال الذين ظلوا يكدحون عشرين عاماً كاملة في تشييد هذه الأهرام إذا لم يكونوا قد أدوا لهم أجورهم على عملهم هذا! وقد احتفظ لنا هيرودوت بنقش وجده على هرم منها يسجل مقدار ما استهلكه العمال الذين شادوه من فجل وثوم وبصل، كأن هذه الأشياء أيضا لابد أن تخلد”.
ويعبر المؤلفان عن آرائهما الشخصية تجاه الأهرام التي تعد من أهم آثار العالم: “على أننا نغادر هذا المكان في غير بهجة، ذلك أنا نرى في هذا الحرص الشديد على الضخامة شيئاً من النزعة الهمجية البدائية أو النزعة الهمجية الحديثة. إن ذاكرة من يشاهدها وخياله وقد تضخما بفعل التاريخ وتأثيره، هما اللذان يخلعان العظمة على هذه الآثار. أما هي في ذاتها فلا تعدو أن تكون دليلاً على غرور الباطن؛ فهذه مقابر أراد بها الموتى حياة خالدة. ولعل الصور قد رفعت كثيراً من شأنها؛ ذلك أن الصور الشمسية تستطيع أن تسجل كل شيء عدا الأقدار، وأن تعظم من شأن أعمال الإنسان بما تحيطها به من مناظر الأرض والسماء. إن منظر غروب الشمس في الجيزة لأعظم في نظرنا من رؤية الأهرام”.

 

أخبار ذات صلة

أخبار ذات صلة