“وكر السَّـلمان” تراجيديا إنسانية وتجربة كتابة اجتماعية  تعد امتداداً لصراع ثنائية “الخير والشر”

     

    كتبت: رحاب عوض

    “وَكـر السَّــلمان” دراسة  في رواية  للكاتب العراقي  شلاَّل عنُّوز..

    الدخول في عالم رواية تجربة إبحار هادئ محفوفة بالازدحام والصخب، تفاعل مع عالم متخم بالمتناقضات، يفترض من القارئ الدارس حيادية الوجهة و حشد حواسه وذائقته ومدركاته ومرتكزاته وأدواته وصلبها على صخرة لتتبع الحدث برؤيا مشبعة بالتركيز، والتجوال في فضاءاتها المترامية الرؤى والمناظير والأطر الفكرية والفنية والتصويرية، وتقمص حركية شخوصها في خضم صراع يحمل مجريات الأحداث والخروج برؤيا موضوعية،  تمثل قناعاته الشخصية التي قد يتطابق بعضها أو معظمها أو كلُّها مع قصد الكاتب أو لا يحدث، ومحاولة اقتناص ما  قَرُب و ما بَعُد من الأهداف والمرامي التي يمكن تصيدها عبر إيحاء أو إيجاز أو حذف لإضمار أو تقديم فكرة وتأخير سواها في معرض احتمالات وحتى من وقع صوت حرف…  والوقوف على آلياتها وتقنياتها و جمالياتها الأسلوبية الموظفة، وتذوق لغة التعبير وكل ما قام وانطوى عليه المبنى الروائي.

    محاولة تستلزم الإلمام بالمرجعيات الأولى والعوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية ذات الصلة والكشف عن تداعياتها وتبعياتها. فالخوض في غمارها لا يكون باستعراض كمال مصطلحات نقدية تثير الضباب بقدر ما يستلزم الكشف والاستكناه  لاستجلاء المستور وحسر الغموض وإنارة جماليات الأسلوب والإشارة الموضوعية إلى التوظيف الإيجابي والسلبي، بإيجاز إنها إعادة كتابة النص من جديد برؤيا نقدية تجتاز الدوال والمدلولات فتبلغ مبعث ذرف الطرْف لقطرة الحبر.

    غوصٌ في أعماق بحر نص متلاطم الصراع يتدرج فيه وضوح الحدث تدرج الخيال في عمق قصيدة، منه ما يرسو على سطح  من مباشرة ومنه ما يتخفى خلف المجاز وسواه، وسوى ذلك مما يتوارى بحنكة الكاتب بتموضعه خلف ظل كلمة أو جملة تمر مروراً ومضياً بين زخم الوصف والسرد في زمن يختاره الكاتب بعناية، وأما ما يتخفى تماماً فإنه يخضع لمقدرة الكاتب والقارئ معاً في التورية والاستبيان.

    “وكر السَّـلمان” تراجيديا إنسانية وتجربة كتابة اجتماعية  تمثل امتداداً لصراع ثنائية “الخير والشر” الأزلية على مر الأزمان واختلاف العصور،  وزينة البنية الفكرية الروائية بما انطوت عليه من فكر ثَّرَّة، أستطيع وصفها بشمولية الأشياء، ما ينمُّ عن سعة الثقافة والإلمام بالتجربة بالإضافة إلى الرؤيا التحليلية المجارية لها، وتبقى الثقافة شجرة مكتثة الأوراق، عقيمة مالم تثمر بالجديد وتفرز مبتَكر الفِكَر.

    أدانت الرواية الحرب وجرَّمتها بصنع القتلة بمادة أولية وطنية تمثلت بمروجات مشهد دموي يجرع من مستنقعات الجهل والتخلف ولا يرتوي، والذي أيقظ خلفيات فطرية ووراثية ومكتسبة كامنة غافية للتضافر معاً والإصباح على ليل دامس الظلمة من الموت. اقتحمت عالم الجريمة من نوافذ شتى نفسية تحليلية بثوب مباشرة، جاءت ملمة بمجريات الواقع السياسي مضبَّبة التفصيلات، موصَدة الأبواب تحسباً، على المرجعية الدينية مُشرَّعة على تداعياتها ،ارتأى الكاتب فيها التواري خلف سدول الشخوص والإيحاء أو المرور الومضي تاركاً لقارئه بعضاً من صموتاتٍ و مرتكزاتٍ لاستكناه  المضمر من دلالاتها وما تحفظ على التصريح به في مواطنَ من السرد.

    ــ مُوجز الرّواية:

    نعمان الشخصية المركزية شاب مثقف حاصل على شهادة جامعية في الحقوق والقانون، ينتمي إلى بيئة عُرفت بالاتزان والخصال الأخلاقية الفاضلة غرست فيه المثل والقيم والطيبة والاستقامة، تنحدر عن  أصولٍ بدويةٍ صحراويةِ منبتِ الجدود. أنهكته مشاهد الحرب في بلده العراق و أنهار الدم و الجثث المترامية والرؤوس المتدحرجة عن مقصلة الحرب إلى هوة الفناء والنسيان، ثم سحقت روحه و أحلامه  بما تسببته  له من إعاقة أفقدته ذكورته إثر سقوط قذيفة على ملجئه أثناء خدمته، وكان من المفترض أن يصل كتاب نقله إلى مكتب وحدته العسكرية باعتباره الابن الوحيد لوالديه إلا أن القدر الأسود أخَّره لينال منه وممن حوله، فكانت العقدة التي سلبته إنسانيته وضميره وحولته من إنسان متزن متوازن إلى مريض ووحش همجي  مفترس ينصب شراك مصيدته الأولى في وكر في قضاء السلمان لأقرب إنسانة عشقها قلبه، حبيبته وخطيبته، فلا ينفك، وإنما يأخذه جلد ضميره ومرار عذاب فعلته إلى معاهدة نفسه على بدء سلسلة جرائم يكون فيها أصدقاؤه ضحاياه … تنتهي بمحاصرة القضاء مما يدفعه إلى انتحارٍ وموتٍلا يترجم النهاية وإنما ينبئ بتكاثر الجريمة و ولادة شرور جديدة عبر قفلة مفتوحة على الزمن  …”

    البدء باستجماع حيثيات هذه الرواية محفوف بفوضى التزاحم بين ما ورد فيها من نقاط وما ولدته من فكر تحليلية جديدة،تترك انطباعاً وبصمة في تفكير ووجدان القارئ أثناء وبعد القراءة، وتحفزه على فك شيفرات وثغرات لبلوغ نتائج لم يضعها الكاتب بين يديه لمزيد من الجذب والحفز على الحركية الذهنيةلتكن البداية بـ : العنوان: إذا كان العنوان يمثل عتبة القصة فإنه في الرواية فإنه يمثل شرفة مفتوحة التأمل على آفاقها الشاسعة البعيدة، والسيناريو الوليد في لحظة التأمل الأولى والمنظومة الفكرية المحملة بدلالات وإيحاءات تشكل صورة مبدئية تخييلية  إدراكية تحمل بعض ملامح المضمون.

    إذا اشتمل العنوان على مبتدأ ومضاف إليه فإن المحتوى المُتَضَمَّن في الرواية سيحمل الخبر، وإسناد الجملة الختامية إليه” وكر السلمان تلاشى بين الكثبان” سيحمل خبراً و يختزل العصارة المعنوية للرواية ..  لفظة ” الوكر” هي الدال والصورة السمعية للعلامة اللسانية والمدلول هو المفهوم والفكرة المنطبعة في الذهن لمدرك، هو “عش الطير” الذي يحمل معنى الأمن والهدوء والطمأنينة، لكن حين نسبت الكلمة إلى السلمان اسم رجل أحدثت انزياحاً فاختلفت الدلالة،  من هنا كان إسناد اسم ” السلمان” إلى  وكر مَثارَ غرابةٍ وتساؤلٍ.

    وإذا نظرنا سيميائياً وتأملنا البعد الصوتي لحروف كلمة “وكر” بغض النظر عن المعنى المعجمي المتعارف عليه، نجد حرف الواو يأتي أولاً وفي صوته مد وامتداد والكاف حرف انفجاري ويحمل معنى القطع و الضغط ولزوم الحركة في المكان والاحتكاك انطلاقاً من مخرجه وصوته، ومجيء الراء أخيراً في الكلمة مكنه من إطلاق فعالية صوته الذي يحمل معنى الكرور والتكرار، وإذا ما طابقنا ذلك مع مضمون ذلك النفق نجد أن الكاتب موفق في اختيار لفظة “وكر” دون “عش”  بما حمله ترتيب الحروف من دلالة صوتية، فالجريمة طرف حبل له امتداد إلى التاريخ،  والضحية في ذلك المكان كانت محفوفة محاصرة بين جدرانه المظلمة مهما حاولت التخلص كانت محاولاتها عقيمة بلا جدوى، والجريمة لم تنفك تتكرر وتتسلسل ….

    فلو أن استخدم الكاتب كلمة “عش” بديلاً عن ” وكر” لما حملت تلك الطاقة الباعثة للإيحاء والمثيرة لفضول القارئ، ولسلبت النص عنصراً هاماً ليس على صعيد العنوان كتقدمة مشوقة فحسب، وإنما على صعيد سير انفعال القارئ المجاري للسرد، فإيحاءات العنوان الدلالية والنفسية لن تنفك عن تلبس القارئ على مدار القراءة و المتابعة بالتساؤل عما سيصدر عن ذلك الوكر الغامض، الأمر الذي أسهم في دفع سير الحدث  وتصعيد الانفعال  وبث مشاعر الخوف والقلق والتوجس ولا سيما حين ضمَّن المتن فيما بعد بالنفقكتجلٍ مكاني للصورة الاستعارية ودلالة رمزية لامتداد جذور الجريمة إلى التاريخ البشري على اختلاف صورة القاتل على مر الأزمان، أيانَ كانت تُحاك خيوطها في الظلام، لعبت فيه شخصية نعمان الدور الهام لكون المكان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالشخصية يؤثر بها وتتأثر به يحمل أفكارها ويعبر عن نفسيتها، إذ يجسد بعداً  نفسياً فيها بما يثيره فيها وما يجري بينهما من تفاعل دائم الاستمرار. فهو لم يقف عند حد كونه مكاناً وعنصراً هاماً في سير الأحداث فحسب.

    بل إنه يتجاوز ذلك إلى إمكانية اعتباره الهدف الأول القائم خلف كتابة هذه الرواية. حمل على ضيقه وظلامه بنى فكرية مشعة الإيحاءات والدلالات الغائرة في تلافيف اللفظ،، اتسع ليتحول إلى فضاء زمكاني  واسع ممتد يشتمل على العلاقات بين الشخصيات والصراع  القائم بين القيم والأفكار ليختزل في دهاليزه ثنائية الصراع بين”الخير والشر” فاتخذ بعداُ وجودياً تاريخياً.  حتى أن طاقة العنوان ” وكر السلمان” لم تقف عند حد الجذب فحسب، وإنما جعلت القارئ يحتمل ودون ملل بطء سير الحدث لرحلة في المتن ، فدلالته تعِدُه بالممتع المشوق مما سيضعه فيه من هزات انفعالية وقبض على أنفاسه في تجربة كتابة تحمل له التشويق، وفرص انتظار المثير على شاكلة ما يحدث في أفلام الرعب أو الأفلام البوليسية التي فقط آخر ذيول هذه الرواية قد استرق شيئاً من ملامحها.

    وهذا ما استلزم من الكاتب براعة في انتقاء العنوان وحسن توظيف المكان فيه بلغة انزياحية كانت قادرة على تقديم لوحة مكثفة الإيحاء، مفادها أن الجريمة أزلية باقية ممتدة تجري وراء الكواليس يتخفى شخوصها خلف أقنعة شتى تغتال الخير والحياة ولا تترك خلفها سوى الروائح النتنة وحرقة المقهورين، فلو أراد حصر الجريمة في زمن محدد أو خصوصية ما لارتأى منزلاً أو شارعاً أو غرفة محاطة بأربعة جدران تجري فيها ، فما حمله العنوان من طاقة أثار شغف القراءة وحفز القارئ على المتابعة لاستجلاء خفايا النص.

    يُتبع …

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا