هل فشل المشروع الثقافي العربي ؟

الأحد 05 تموز/يوليو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص : بقلم – د. محمد دوير* :

كانت الإصلاحية العقلانية هي أكبر عنوان للفكر العربي المعاصر حتى ليعتبرها “حسن حنفي” أنها كانت مرجعية التحرر الوطني العربي وأحد أهم روافد الثقافة الشعبية في القرنين التاسع عشر والعشرين.

وتنحصر أهدافها كما يرى “الأفغاني” في :

1 – أن سعادة الأمم إنما تتم نتيجة صفاء العقول من الخرافات والأوهام.

2 – تقديم العقل على النقل.

3 – حرية الإعتقاد.

4 – الإيمان بالعلم.

5 – نقد السلطة الدينية.

6 – المساواة بين البشر دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو العرق.

ولكن هذه الأفكار لم يُكتب لها المضي قدمًا وتطوير الخطاب الثقافي العربي؛ حيث انكسرت مرات عديدة بدءًا من محنة “محمد عبده” مرورًا بأزمة الشعر الجاهلي لـ”طه حسين” و(الإسلام وأصول الحكم) لـ”علي عبدالرازق”.

وكانت واحدة من خطورة “محمد عبده”، على السلفية وعقلية النقل، أنه أول من أشار إلى اللامقايسة أي عدم جواز نقل تجربة تاريخية سابقة على الوضع الراهن، وكانت تلك المقولة كافية لاستنفار همم التقليديين والبحث عن محو أثره فيما بعد في الفكر المعاصر.. وانتقل “رشيد رضا”، بعد انهيار الخلافة، من عدم تعارض العقل مع النقل وأن الإيمان والعقل وجهان لعُملة واحدة؛ كما قال في: (الأماني الدينية والعقيدة المنارية) 1900/1901، إلى القول بالفكر الأشعري وأفكار الجويني عن تقسيم أحكام العقل إلى “الواجب – الممكن – المستحيل” ليضع للعقل حدودًا وعتاب لا ينبغي له القفز فوقها، وبالتالي يُصبح هنا مؤهلاً لقيادة دفة السلفية الدينية المعاصرة ويُصبح مؤهلاً أيضًا لأن يكون أستاذًا لـ”حسن البنا” وللحركة السلفية في كثير من أفكارها أيضًا.

أما المرحلة التالية من تطور الفكر العربي فقد جاءت مع الجامعة؛ حيث انتقل مركز الثقل الثقافي من “الأزهر” إلى “الجامعة” عن طريق مفكرين أمثال: “طه حسين ومحمود قاسم وعثمان أمين وزكي نجيب محمود وأحمد أمين وتوفيق الطويل وعبدالهادي أبوريده وعلي سامي النشار ومحمد عابد الجابري”… وآخرين. وهنا بدأ التفاعل مع الفكر الغربي يزداد وعيًا وإدراكًا لمطالب العقل الجمعي العربي، حيث اهتم “طه حسين” بالنزعة الشكية ومقاربة النقد للتراث العربي، وانشغل “عثمان أمين” بفلسفات أرسطو وديكات وكانط، وبحث مفكرين عرب في الماركسية بوصفها إحدى أدوات التغيير الاجتماعي والتحليل السيسيولوجي، وسعى “زكي نجيب” لنقل أفكار الوضعية المنطقية للثقافة العربية، وقد استخدم كل هؤلاء المفكرين وغيرهم المناهج الغربية في البحث والاستقصاء والتحليل، في المقابل كان هناك من يبحث في الفكر العربي الإسلامي فدرس “محمود قاسم” ابن رشد، وتناول “النشار” المدارس الإسلامية وألقى الضوء عليها وانشغل “عبدالهادي أبوريده وعبدالحميد صبره ورشدي راشد وماهر عبدالقادر” بالعلم العربي؛ ولا سيما عند ابن الهيثم وابن سينا والكندي، ولم يكن التوجه العقلاني هو المُسيطر على الجامعة، بل سنجد إرهاصات فكرية خارج إطار الأكاديمية، ولكن يبدو أن “الجامعة المصرية” كانت معقلاً مهمًا للوسطية الفكرية أو ما يُسمى بـ”الإصلاحية العقلانية”، بينما بقي الطرفان الآخران، السلفية الأصولية والعلمانية المتطرفة، خارج السياق العام للجامعة، وإن حظيت السلفية بمواقع متميزة داخل مؤسسة “الأزهر”، واكتفى أنصار التيار العلماني أمثال: “سلامه موسى وشبلي شميل وفرح أنطون”… إلخ؛ بالعمل الحر عبر المجلات والصحف والمؤلفات.

*أستاذ الفلسفة



الانتقال السريع

النشرة البريدية