نذير الطوفان

    في كتاب نذير الطوفان
    محمد فلحي يكشف جروحاً نازفة!
    *أماني النداوي
    أصدر الإعلامي والأكاديمي الدكتور محمد فلحي كتاباً جديداَ بعنوان( نذير الطوفان) من منشورات مؤسسة ثائر العصامي للنشر والتوزيع في بغداد، وتضمن الكتاب تحليلات لظواهر ومتغيرات في شؤون السياسة والثقافة والإعلام، في العراق والوطن العربي، تمثل حصيلة نحو أربعة عقود في العمل المهني والبحث الإعلامي، عبر رحلة مثيرة للبحث عن مستقبل أفضل لوطن يستحق نافذة واسعة للأمل،كما يقول المؤلف في مقدمة الكتاب، ويضيف:
    “في عصر الديمقراطية المستوردة كنا ننتظر وليداً جميلاً من مخاض المعاناة والألم والخوف لكن الولادة تعسرت والملامح تشوهت،والسفينة التي وضعنا فيها كل أحلامنا لم تصل ضفة الأمل،ورحنا نتمايل بين جانب وآخر لعلنا نستقر عند قمة(الجودي) الموعود!
    في عصر الطوفان الذي يحاصرنا لن نكسر الأقلام أو نطوي الصحف، لأن محبة الوطن لا بد أن تكون حافزا للتعبير عن ذلك الألم النبيل، وأفضل شرف للمبدع هو مقارعة القسوة والفساد والفوضى، وزرع شجيرات الأمل والصبر، ولسوف نصنع المستقبل من داخل الوطن، وليس من خارجه،فالحياة لا تزدهر في ظل الانتظار”!
    يتضمن الكتاب أربعة أبواب، الباب الأول بعنوان( فضاءات غائمة) ناقش فيه المؤلف ظاهرة التداخل بين المتغيرات السياسية والإعلامية والاتصالية والاجتماعية في المجتمعات المعاصرة، موضحاً: أن هذه المقالات والبحوث تُعبّر عن وقائع عجيبة وتطورات خطيرة شهدتها بداية القرن الحادي والعشرين،في مقدمتها ما يمكن أن نسميه(الطوفان الإلكتروني) الذي رافقته احتجاجات شعبية شبابية ما تزال تفاعلاتها مستمرة وتنذر بالخطر،في كثير من البلدان، ومن بينها العراق، وترصد أحداث مرحلة مهمة في التاريخ العربي المعاصر، لعل تلك الكتابات تكون شمعة مضيئة أمام صورة نطمح أن نراها بوضوح، في طريق ما يزال طويلاً وصعباً، كما يبدو، أمام جيلنا الحالي والأجيال المقبلة.
    لن يستطيع أحد بعد اليوم أن يوقف الطوفان، ولكن يتعين على السياسيين التقليديين والجدد أن يتعلموا كيفية السباحة،وسط تيارات الفضاء الالكتروني، لكي يستطيعوا النجاة بأنفسهم وبلدانهم، قبل فوات الأوان،حيث لا ينفع الندم!
    يقول المؤلف:لم تعد لغة الوعد والوعيد صالحة في مخاطبة الناس من قبل الحكام،وقد سقطت لغة القوة والترهيب، منذ عقود، عندما أصبحت الموجات والشاشات وصناديق الاقتراع وسيلة الوصول إلى السلطة،وقد ظلت المنطقة العربية، مع الأسف، تعاني حتى وقت قريب،من عجز في تطوير الأنظمة الحاكمة، وهيمنة الخطاب الرسمي الواحد،وجمود اللغة السلطوية التي تفتقد المرونة والتفاعل مع عقلية الأجيال الشابة، التي تعايشت مع وسائل الكترونية(سمعية وبصرية) مثل الألعاب الرقمية (كاندي كراش والبوبجي) والحاسوب المحمول(لاب توب) والهاتف النقال(موبايل)..واستخدمت برامج التواصل عبر هذه الأدوات الجديدة بذكاء وإدمان وإفراط مثل تطبيقات المحادثة والدردشة(الماسنجر) و(السناب شات) والمدونات والفيس بوك وتويتروانستغرام ويوتيوب وغيرها الكثير، حيث تدفقت المعلومات، وتمت صياغتها وتداولها واستخدامها، بعيداً عن نظر الرقيب، وقد اضمحلت صورة السياسي، وتآكلت تدريجياً، سلطة الحاكم الذي كان يحتكر الثروة والسلاح والمعلومات ويوظفها، وفقاً لمصالحة ورغباته وأهدافه”.
    في الباب الثاني( ظواهر تحت النظر) يطرح المؤلف بعض الظواهر الإعلامية الجديدة وأبعادها السياسية وتداعياتها الاجتماعية، فيشير إلى ظاهرة الدراما التلفزيونية الرمضانية وخصائصها وتأثيراتها،كما يتناول ما يسميه( سقوط الفصاحة الإعلامية) من خلال التساهل المفجع في كثير من وسائل الإعلام، وبخاصة التلفزيون، في شروط إجادة اللغة العربية لدى أغلب المذيعين والمتحدثين عبر الشاشات،ويضيف فلحي:” إن التساهل في شرط إجادة اللغة الفصحى، الذي نشهده اليوم، لدى مذيعي أغلب الفضائيات الجديدة،يمثل جزءاً من ظاهرة إعلامية، يهيمن فيها الإعلام الالكتروني على الإعلام المطبوع، وتسيطر فيها لغة الصوت والصورة على لغة الكتابة والحرف، في ظل فضاء مفتوح، وتفاعل مباشر بين المرسل والمتلقي،ولعل ظاهرة المدونات الشخصية والنشر في المواقع الالكترونية على شبكة الإنترنيت، بدون رقابة، تعبّر عن التطور الذي يشهده الواقع الإعلامي،حيث لم تعد قواعد اللغة المكتوبة تمثل حواجز صارمة أمام من يريد التعبير عن فكرة أو رأي أو قضية في ظل ما أصبح يعرف ب(صحافة المواطن) التي لا تلتزم بالقواعد المهنية المعروفة.
    في الباب الثالث( لقطات من الشاشة المضيئة) يطرح المؤلف ظاهرة التداخل بين شاشتي التلفزيون والسينما وانعكاساتها النفسية والقيمية،كما يتناول في بحث آخر مشكلة تزايد (قنوات النصّابين) التي تروج للشعوذة والدجل والجهل بدلاً من التوعية العلمية والثقافية والدينية الرصينة المطلوبة في العصر الراهن،الذي يسمى( عصر المعلومات)!
    في الباب الرابع( شخصيات ومواقف) يسلط المؤلف الضوء على ثلاث شخصيات يعدّها قدوة في الدين والعلم والثقافة،من خلال عطائهم الإبداعي واستقلالهم الفكري، وكان للمؤلف مع كل واحد منهم قصة تروى عن علاقة فكرية عميقة، وهم كل من السيد حسين محمد هادي الصدر،والمرحوم الفيلسوف الناقد الدكتور مدني صالح،والمرحوم الإعلامي الدكتور ابراهيم الداقوقي.
    أخيراً يمكن القول أن( نذير الطوفان) محاولة جادة من كاتب وطني مستقل لمعالجة جروح نازفة في المشهد السياسي والإعلامي والثقافي العراقي والعربي،وهو يقدم رؤية تحليلية ناقدة معاصرة ومستقبلية للكثير من الظواهر المهمة.