نجيب محفوظ .. الطالب البليد في المدرسة الذي تفوق على كل ” الشطار” !

    55

    الباحث محمد مختار

    نجيب محفوظ أول روائي عربي حائز على جائزة نوبل، نجيب محفوظ صاحب أشهر روايات عربيةـ ولقد تميز نجيب محفوظ بأسلوبه السهل السلس ، كما تميز بقدرته على تصوير البيئة الشعبية في القاهرة الفاطمية، وحيث يعتبر نجيب محفوظ من رواد الواقعية في الرواية العربية، وسوف نتناول في هذا الفصل تعريف الكاتب وحياته الشخصية وأهم أعماله ولكن لا يعرف كثير من الناس أن نجيب محفوظ كان في طفولته طالبا بليدا في الدراسة  وفق ما قال عن نفسه ولكنه مع ذلك تفوق على كل ” الشطار” وهو الوصف الذي يطلق في اللغة الدارجة المصرية .
    نجيب محفوظ من مواليد ١٩١١ من حي الجمالية الذي ولد فيه، وكان ترتيبه الأخير بعد أخوين وأربع أخوات، واسم نجيب محفوظ مركب فاسمه هو نفسه نجب محفوظ، أما اسم والده فهو عبد العزيز ، واسمه بالكامل هو نجيب محفوظ عبد العزيز ابراهيم أحمد الباشا السبيجلي،
    ولهذا الاسم قصة : فعند ولادته نصحت القابلة والدته باستدعاء الطبيب لأن حالتها كانت سيئة، فذهب والده إلى أشهر طبيب توليد في مصر، وكان اسمه الدكتور نجيب محفوظ، واستطاع الدكتور نجيب محفوظ أن يخرجه سالما إلى الحياة، لذلك أطلق عليه اسم نجيب محفوظ، تيمنا باسم هذا الدكتور.
    وقد لد نجيب محفوظ في يوم الاثنين في البيت رقم 8 في شارع بيت القاضي في الجمالية بحى الحسين، وكان هذا المنزل الذي ولد فيه نجيب محفوظ عبارة عن بيت كبير يقوم طرازه المعماري على “البواكي” التي كان يقال أن قاضي القضاة كان يجلس تحتها ليحكم في القضايا، وعلى مقربة من بيت القاضي هذا كان بيت المال، وكان هذا البيت يؤدي في جانبه الآخر إلى مسجد الإمام الحسين الشهير في القاهرة، كما كان البيت يطل على درب قرمز ، وكان الاعتقاد أن قبو درب قرمز يسكن فيه العفاريت.
    يقول نجيب محفوظ عن البيت الذي نشأ فيه : ” أتذكر البيت الذي كنا نسكن فيه بكل تفاصيله، لم يكن البيت كبيرا، لكنه كان مكونا من ثلاثة
    طوابق، كل طابق فيه لا يتسع لأكثر من غرفتين، فقد كنا نسكنه رأسيا وليس أفقيا، ففي الدور الأول مثلا كانت هناك غرفة المسافرين التي كان من يأتون لزيارتنا من خارج القاهرة يبيتون فيها، أما غرفتي فكانت في الدور الثاني مع والدتي، وكان في الدور الثالث يسكن أشقائي في غرفة، وشقيقاتي في الغرفة الثانية، إلى أن تزوجواجميعا وتركونا إلى بيوت أخرى، لقد تركنا هذا البيت بعد ذلك، وأنتقلنا للعيش بحي العباسية، وأذكر أنني عدت ذات مرة لزيارته فوجدته قد تحول إلى مقهى، وفي زيارة تالية وجدته قد هدم وأقيمت مكانه عمارة قبيحة الشكل، فلم أذهب إليه ثانية. كان في مواجهة قسم الشرطة، وأذكر أن كانت لبيتنا شرفتان كبيرتن تطلان على الميدان، وكانت تغطيهما مشربيات جميلة، ومازلت أذكر أنه في ركن إحداهما الأيمن العلوي، بني(اليمام) عشا له، ولقد كانت متعتي وأنا طفل صغير أن أتفرج على هذا العش وعلى اليمام الصغير الذي خرج من البيضات التي فقست، ومن هذه الشرفة أيضا شاهدت معارك ثورة 1919، فقد كان هناك قبو في الميدان طالما دارت فيه المعارك بين أفندية ورجال الأزه ر الذين كانوا يقذفون الإنجليز بالحجارة، والعسكر والخيالة الإنجليز الذين كانوا يطاردونهم ويطلقون عليهم الرصاص”.
    ويضيف نجيب محفوظ عن هذه الفترة من حياته :” أني أذكر جيدا أنني بين سن السابعة والعاشرة كنت التقي يوميا مع الأصدقاء في حي الحسين الذي كنا نسكن فيه آنذاك، فما إن كنا نعود من مدارسنا حتى نلتقي بعد الظهر في الفناء الذي يقع أمام منزلنا والذي كان معظم الأصدقاء يسكنون بالقرب منه، ونظل نلعب حتى يحل الظلام، فيبدأ أهلونا في النداء علينا للعودة إلى البيت.”
    أديب نوبل طفل شقي بامتياز، كان يجري مع أصدقائه وراء عربات الرش، وكان يحب اللهو مع الكتاكيت والدجاج فوق سطوح منزلهم، والكتكوت الذي لا يتحرك يظنه ميتا ويلقيه من فوق السطوح، حتى ألقى بـ40 كتكوت من فوق السطح، وكان عاشقا للسينما منذ سن الخامسة وكانت “القوة” الطريقة الوحيدة لإخراجه منها، وللتخلص من “شقاوته” أرسله أبيه إلى الكتاب، وهو ما رفضه محفوظ الذي يفضل اللهو واللعب على كل شيء.
    وكان محفوظ أضعف أطفال الكتاب في حفظ القرآن، وكان يقرأ اللوح ثلاثين مرة، فيشعر أنه في حاجة ليقرأه ثلاثين مرة أخرى لكى يحفظه، كما كان محفوظ أضعفهم بنية، حيث يروي: “كانت عظامي كالشماعة، وجلدى معلق فوقها كالرداء وكان يخطف زملائه منى “ربع رطل الحلاوة” التى تلفه لىأمى كل صباح، ويلقون بقشر البيض المسلوق في وجهي، وكانت بطلة المعارك في خطف الطعام طفلة تدعى “عيشة” وإذا حاول أحد الاقتراب منها تنشب معركة حقيقية.. وكان يهرب منها محفوظ بالارتماء على “الحصير” ولف نفسه بها حتى تتحول لـ”حصنه الحصين”.
    وفى مدرسة “البراموني الأولية” تعلم محفوظ “سيرة العفاريت”، والتي كان يتحدث عنها مدرس العربى لحصص بأكملها، وكانت لا تخرج أبدا من ظهر الأرض إلا إذا سرق أحدهم الطباشير أو نسى الواجب.. ويقول محفوظ كنت أغنى وأنا صغير أغنية فيها اسم “زرمبيحة” فطلب الجيران من أمي أن توقفني عن ذلك وإلا ظهرت لنا العفريتة “زرمبيحة”!
    أما عن حلم الطفولة فيحكي محفوظ في سيرته التي دونها إبراهيم عبد العزيز في كتابه “أنا نجيب محفوظ” أنه كان يحلم بأن يكون “سائقا للترام”، لأنه كان شيئا عجيبا بالنسبة له وهو صغير وكان الناس يدعون الترام بـ “العفريت”.
    ويقر محفوظ أنه كان فى صغره “بليدا” كارها للدراسة، فكانت بالنسبة له البعبع التى تسرق أجمل لحظات حياته وبداية لعصر الإرهاب بالنسبة له، فكان لا يقوم بواجباته حتى يضرب، حتى جاء يوم ومرض فيه، فتغيرت معاملة الأسرة لتصبح أكثر رقة ولطفًا وأغرقوه بالهدايا، وبعد أن شفي أراد لتلك المعاملة الطيبة أن تستمر ومن وقتها أصبح مجتهدا فى الدراسة.
    ثالثة ابتدائي كانت بداية حب محفوظ للأدب حين أعطاه صديق “رواية بوليسية”، ومن هذا اليوم لم يتوقفأديبنا الصغير عن القراءة، فكانت القراءة تسليته الوحيدة لعدم امتلاك أسرته لتليفزيون.
    كان لمحفوظ في صغره أربع هوايات: “لعب الكرة في الشارع، وسماع أغاني سيد درويش ومنيرة المهدية، وسلامة حجازي، وقراءة كل ما كتب”.
    كان نجيب محفوظ يعشق كرة القدم وزاولها لمدة عشر سنوات ولم يأخذه منها سوى الأدب، وأول ما جذب محفوظ للكرة عندما فاز الفريق المصري على الإنجليزي، وكان يعتقد أن الإنجليز لا ينهزمون، ليكتشف أن الكرة هي الشيء الوحيد الذى نستطيع ضربهم فيه دون أن يتمكنوا من ضربنا، فكنا بالكرة نجابهم بلا خوف وننتصر عليهم.
    كان نجيب محفوظ أصغر الأبناء، لكنه عاش مع أبيه وأمه كأنه طفل وحيد؛ لأن الفارق الزمني بينه وبين أصغر إخوته كان لا يقل عن عشر سنوات، وكانوا كلهم رجالا ونساء قد تزوجوا وغادروا بيت العائلة، إلا أصغرهم الذي التحق بالكلية الحربية، ثم عمل بالسودان بعد تخرجه مباشرة، لذلك كانت علاقته بأمه علاقة وطيدة، وكان تأثيرها فيه عميقا، بعكس والده الذي كان طوال الوقت في عمله خارج البيت، وكان صموتا لا يتحدث كثيرا داخل البيت، ويصف نجيب والدته بأنها: “سيدة أمية لا تقرأ ولا تكتب، ومع ذلك كانت مخزنا للثقافة الشعبية.. وكانت تعشق سيدنا الحسين وتزوره باستمرار.. والغريب أن والدتي أيضا كانت دائمة التردد على المتحف المصري، وتحب قضاء أغلب الوقت في حجرة المومياوات.. ثم إنها كانت بنفس الحماس تذهب لزيارة الآثار القبطية خاصة دير “مار جرجس”.. وكنت عندما أسألها عن حبها للحسين و”مار جرجس” في نفس الوقت تقول “كلهم بركة” وتعتبرهم “سلسلة واحدة”.. والحقيقة أنني تأثرت بهذا التسامح الجميل لأن الشعب المصري لم يعرف التعصب، وهذه هي روح الإسلام الحقيقية”.
    أما والده فكان موظفا “ولم يكن من هواة القراءة، والكتاب الوحيد الذي قرأه بعد القرآن الكريم هو “حديث عيسىبن هشام”؛ لأن مؤلفه المويلحي كان صديقا له، وعندما أحيل إلى المعاش عمل في مصنع للنحاس يملكه أحد أصدقائه.
    التحق نجيب محفوظ بالكتاب وهو صغير جدًّا ليتخلص أهل البيت من شقاوته، لكنه عندما أصبح تلميذًا بالابتدائية لم يكن والده بحاجة إلى حثه على المذاكرة؛ لأنه كان مجتهدا بالفعل ومن الأوائل دائما، أما أولى المحطات الفاصلة في حياته فكانت حصوله على شهادة “البكالوريا” التي تؤهله لدخول الجامعة، كان والده يرى أن أهم وظيفتين في مصر هما وكيل النيابة والطبيب، لذلك أصر على التحاق ابنه بكلية الطب أو كلية الحقوق، وكان أصدقاؤه مع هذا الرأي من حيث إن نجيب محفوظ كان متفوقا في المواد العلمية، وكان ينجح بصعوبة في المواد الأدبية كالجغرافيا والتاريخ واللغتين الإنجليزية والفرنسية، والمادة الأدبية الوحيدة التي تفوق فيها كانت هي اللغة العربية، وكان نجاحه في البكالوريا عام 1930 بمجموع 60% وترتيبه العشرين على المدرسة، وكان هذا المجموع يلحقه بكلية الحقوق مجانا، لكنه اختار لنفسه كلية الآداب قسم الفلسفة.
    وبعد تخرجه سنة (1934م) التحق نجيب محفوظ بالسلك الحكومي، فعمل سكرتيرًا برلمانيا بوزارة الأوقاف من 1938 إلى 1945، ثم عمل بمكتبة “الغوري” بالأزهر، ثم مديرًا لمؤسسة القرض الحسن بوزارة الأوقاف حتى عام 1954، فمديرا لمكتب وزير الإرشاد، ثم مديرا للرقابة على المصنفات الفنية، وفي عام 1960 عمل مديرًا عامًّا لمؤسسة دعم السينما، فمستشارًا للمؤسسة العامة للسينما والإذاعة والتليفزيون، ومنذ عام 1966 حتى 1971 وهو عام إحالته إلى التقاعد عمل رئيسا لمجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما، وبعدها انضم للعمل كاتبًا بمؤسسة الأهرام.

    نمت علاقة نجيب محفوظ بالأدب من خلال قراءته للعقاد وطه حسين وسلامة موسى وتوفيق الحكيم والشيخ مصطفى عبد الرازق الذي درس له الفلسفة الإسلامية في كلية الآداب وكان يظنه قبطيا، وسير “ريدر هجارد” و”تشارلسجارفس” و”جيمس بيكي” و”توماس مان” و”سارتر” و”كامى” و”بيكيت” و”بروست” و”أناتول فرانس” و”هربرت ريد” الذي كان يكتب في مجال الفن التشكيلي، و”جولزورثي” و”تولستوي”، بالإضافة إلى قراءاته في الأدب الإغريقي. وبعد تخرجه سنة 1934 كان نجيب محفوظ مرشحًا لبعثة لدراسة الفلسفة في فرنسا، لكنه حُرم منها، لأن اسمه القبطي أوحى بوفديته، وكانت الحرب ضد حزب الوفد على أشدها في تلك الفترة، مما حسم صراعا كبيرا كان يدور في نفس نجيب محفوظ بين الفلسفة والأدب، فحسم الأمر لصالح التفرغ للأدب.
    بدأ نجيب محفوظ يكتب المقالات وهو في التاسعة عشرة من عمره، ونشر أول قصصه القصيرة “ثمن الضعف” بالمجلة الجديدة الأسبوعية يوم (3 أغسطس 1934م) لكنه انطلاقا من روح ثورة 1919 خطط لمشروعه الأدبي الكبير، وهو إعادة كتابة التاريخ الفرعوني بشكل روائي، وكتب بالفعل ثلاث روايات في هذا الاتجاه وهي: “عبث الأقدار” و”رادوبيس” و”كفاح طيبة”، لكنه توقف بعد ذلك وأعاد دراسة مشروعه.
    ولكن المفارقة ان هذا الطالب البليد في المدرسة الابتدائية الذي عرفه العالم بعد ذلك باسم نجيب محفوظ عددا كبيرا من الروايات والأعمال الأدبية منذ بدايات القرن العشرين، وحتى وقت قريب، واستطاعت هذه الإعمال الأدبية أن تصور التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لمصر خلال القرن الماضي الذي يعد أهم القرون التي عاشتها مصر، وتركت بصمتها الواضحة على الشخصية المصرية.

     

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا