نبل الساعات الناحلة.. قراءة في فيلم “الساعات”

السبت 08 حزيران/يونيو 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص: كتب- سعد ناجي علوان 

“إن من الخطر جدا جدا العيش حتى ليوم واحد”  فرجينيا وولف. إن استسلام ذلك الجسد البهي لمياه نهر “أوز” توق يعتمر القلوب ورغبة ﻻتضاهى للسكون والوحدة الدائمين، ولربما عزاء البعض هو الحب المستوعب لهول الأصوات التي أربكت “وولف” وجردتها من متعة الحياة والكتابة، فشل مغالبة “وولف” ﻷلمها وانكسارها المتكرر، يقينها الدائم بعدم كفاية الزمن لما هي عليه من ألم حيث القادم أكثر قوة، فما تعانيه موغل في القدم وجزء مما يدور حولها كل يوم، بدأ باعتداءات أخيها غير الشقيق جورج، ليوسم وقتها بالرعب والسلبية والنفور من الرجال، تشوش عقلي وكآبة باتا لغو وبربرة.

جنون يتفاقم وتنويعات من الحسد والعشق المثلي مع أختها “فانيسيا” و”فيتا ساكفيل” مع أن اﻷمر ﻻ يبدو بتلك السهولة دائما ، فكثيرا ما أمسكت بالصفاء الموجب لاستمرارها كأديبة مجددة ومناضلة لحقوق المرأة، تنتقل كاميرا الفيلم في البدء خلف الظلال الغافية على شجيرات نهر “اوز” بخفة من يخاف أن يوقظها،”ووولف/”نيكول كيدمان” تدخل الماء بثوبها البيتي المثقل بالحجارة على وقع صوتها المنساب برسالتها اﻷخيرة لزوجها “ليونارد”/”ستيفن دي” لأني متأسفة ومكتفية بما أفسدته من حياته (أنا على يقين بأنني أفقد صوابي من جديد، إنني غير قادرة على مواجهة إحدى هذه اﻷزمات الرهيبة مرة أخرى، وهده المرة لن أتعافى.. أقوم بما يبدو اﻷفضل) فهل تخلى عنها “ليونارد” أم تعب من اللحاق بها كعادته كل مرة لتصبح اﻵن جزء من الطبيعة التي تاقت اليها.

يستعرض الفيلم حيوات ثلاث نساء. مصائر تجتهد للامساك بوجودها المضطرب ومحاولة خلق حياة أفضل مما هن عليه، ورغم انتقالاته الزمنية المتعددة ما بين”1941-1951-2001″ حافظ الفيلم على مساره المتناغم وتواصله الجميل مع اﻷحداث ليبدو الزمن الثلاثي يدعم ويكمل أحده الآخر.. وإن تباينت وجوهه ببعض التفاصيل المختلفة وفق مقاضيات العصر أو السرد الفني، فكل شيء طوع لكي نبقى ضمن مدارات حياة وولف وأبعادها المثيرة،  ففي الجزء المتعلق بها عند زيارة أختها “فانيسيا” لها/”ميراندا ريتشارسون” تحتفي الكاميرا بأدق التفاصيل انغماس القلم في المحبرة، مسار حروفها على الورقة، أنفاسها، ارتعاشها الدائم، دهشة العينين، محيط وجهها المؤطر بالهشاشة، أوراقها المبعثرة على اﻷرض كأحلامها. وبينما تتوق “وولف” لبعض الخلوة بأختها.. فلربما قليلا من الحنو أو قبلة مسروقة يمنحانها فيضا من التوازن..إلا أن “فانيسيا” تجدها أكثر اضطرابا.

تستلقي “وولف” جنب عصفور ميت “أنا أحسدك “فانيسيا” هل استطيع الفرار يوما”.. الفرار الفاشل مرة أخرى حيث يجدها زوجها “ليونارد” على مصطبة الانتظار في محطة “رتشموند”.. متهمة الآخرين بسرقة حياتها.. رافضة أية وصاية “أنا احتضر هنا.. أتمنى أن أكون هادئة من أجلك ليونارد.. لكني اختار الموت على رتشموند، آه أيتها الحبيبة لو تتذكرين ماذا فعلت بك لندن.. لقد حطمتك جاعلة من وقتك متواليات من الحجز الطبي..ولذا صارت رتشموند هي الحل”..

وأمام توسلات المحب “ليونارد” ووعوده بالعودة إلى لندن،لا تصدقه، تعود “وولف” لبيتها بخسارة أخرى “لا يمكنك الحصول على السكينة بتجنب الحياة” “ليونارد إنني وحيدة إلى الأبد” والوحدة أيضاً وعول شرسة تقود عربة السيدة “كلاريسا فوجان”أو “السيدة دالاواي” والتي تستعد لإقامة حفلة لحبيبها الشاعر والروائي “ريتشارد”/”أد هاريس”/الرابض في فيء السخط والعجز والآيدز وحب “كلاريسا” الدائم الذي لايهدأ..

وعلى قصر دوره في الفيلم كان “اد هاريس” مثل سكين حادة تقطع قالب شوكولاته طازج.. تزوره “كلاريسا” لتأكيد الموعد فتجده قد تهيأ للرحيل.. يجلس في النافذة.. يسرد لها طفولته المخبأة تحت سعار أمه.. شبابهما.. عشقهما، “لم يكن أحد يشبهنا يا كلاريسا وكنا قادرين على فعل ما نريد” وكأنه الآن يتمكن من آخر قصائده.. لقد بقيت حيا من أجلك فقط دعيني ارحل.. الأصوات دائماً هنا وأخشى أن لا استطيع حضور حفلتك.. وبتوتر تقص “كلاريسا” يومها عليه وترجوه الحضور فمعه فقط تتلمس وجودها كامرأة.. و “وولف” تخبر “ليوناردو” سيموت الشاعر صاحب الرؤيا.. ترتعش الكلمات على شفتي “ريتشارد” ويتمتم باسم “كلاريسا”.. أحبك لينزلق من النافذة مثل طير فقد القدرة على التحليق.. يلجم الحنق “كلاريسا” ويبكيها الصمت.. أتمنى لو استطيع الاختفاء.. أتمنى لو استطيع الاختفاء تأمل “لورا”/”جوليان مور” أن تحقق أمنيتها الدائمة في الفرار من عائلتها فطفل آخر سيأتي في الطريق وزوج لا يعي ما حوله فلا تجد إكسيرا يهون عليها ما هي عليه إلا القراءة والتماهي مع عوالم “السيدة دالاواي” وكاتبتها الفذة “فرجينيا وولف”. .ذلك فقط هو المطر الذي يزهر في أرضها العافية..

تعتني “لورا” جيداً بابنها المراقب ما يدور حوله وكأنه يعلم ما تؤول إليه الأمور.. سيصنع ويحطم بغضب موكيت من لعب الميكانو لما ستقدم عليه أمه في الفندق.. وطفل “لورا” هو الشاعر المنتحر “ريتشارد” حبيب “كلاريسا”.. كابوس مفزع.. تقوم “كيتي”/ “توني كوليت”بزيارة “لورا” طلبا للصحبة.. فمشاركة الآخرين مما نخافه تزيد من قدرتنا على مواجهته.

وتلك لحظة مناسبة لإظهار مشاعر “لورا”.. تأخذ “كيتي” ببن ذراعيها مواسية.. تمسح دمعها وتفاجئها بقبلة فم تجعل “كيتي” تغادر فرحة شاكرة لطف “لورا”.. “لورا” التي تعود إلى تغذية وقتها في الاستسلام لفكرة الانتحار في غرفة فندق،كما تقدم، خارج المدينة، تغفو لدقائق، تسبح في ثقبها الأسود وعبير عوالم”السيدة دالاواي”، يغمر الماء سريرها، فتفزع من كابوسها الذي يخافه ويراه ابنها الصغير، تسرع عائدة للبيت، وذات اللحظة تنتفض فيها “وولف” كهارب أيقن الضوء أخيرا. ومعقبة “لقد كدت أن أقتل بطلة قصتي”.. تعتذر “لورا” لطفلها وتعده بأيام مستقرة.. سرعان ما يتسلل الكذب لوعودها فذات صباح بعد ليلة زوجية أخيرة ستستقل الباص المتجه إلى الشمال، وسيخضع “ليوناردو” لتاريخ وحدته عائدا لفراشه الأشد برودة فالسيدة “وولف” لن تهدأ حتى تقرر مصير بطلتها “دالاواي”.. وتبا لوقاحة الوقت فأي مصير ينتظر “كلاريسا”.. انكسر غصن الزيتون.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.