ميخائيل بولغاكوف.. رصد تشوهات الطبيعة الإنسانية وعارض حكم ستالين

السبت 29 شباط/فبراير 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 

خاص: إعداد- سماح عادل

“ميخائيل أفانيسيفتس بولغاكوف” روائي ومسرحي روسي، اشتهر بمعاداته للمجتمع الشيوعي في الاتحاد السوفييتي.

حياته..

وُلد “ميخائيل بولغاكوف” في 15 مايو 1891 بمدينة كييف، في عائلة بروفسور في أكاديمية كييف الدينية، وعاش طفولته وشبابه في مدينة كييف، وسوف تدخل كييف في إبداع “بولغاكوف” كمدينة في رواية “الحرس الأبيض” حيث لن تكون مكان الحدث وحسب، بل وتعبيراً عن الإحساس العميق بالعائلة وبالوطن كما في مقالته ” كييف – المدينة ” 1923.

دخل كلية الطب في جامعة كييف عام 1909 وتخرج منها عام 1916 مع شهادة طبيب معالج بدرجة امتياز. بعد تخرجه من الجامعة عام 1916 عمل بداية في مستشفيات الصليب الأحمر على الجبهة الجنوبية الغربية، ومن هناك تم استدعاؤه للخدمة الإلزامية، ليتم فرزه في منطقة “سمولنسك” حيث عمل في البداية طبيباً في مستشفى القرية، ومن ثم اعتبارا من أيلول عام 1917 في مستشفى مدينة “فيازما”.

وقد شكّلت تلك الأعوام مادة لثماني قصص كتبها “بولغاكوف” وصدرت في عام 1925 ضمن سلسلة “مذكرات طبيب شاب”. وكان قد بدأ العمل في كتابتها هناك في مقاطعة “سمولنسك”، مضيفاً إليها انطباعاته من اللقاءات مع المرضى.

الثورة..

لم تثير ثورة  1917 في روسيا أي اهتمام لدى “بولغاكوف”، وأما سفره إلى موسكو في خريف ذات العام فلم يكن نابعاً من اهتمامه بتلك الأحداث، كما حاول أن يلصق به ذلك بعض كتبة السيرة وبحسن نية، وإنما لرغبته في التخلص من الخدمة العسكرية ومن دائه الخاص، الذي قام بتوصيفه بالتفصيل في قصته “مورفين” التي تم نشرها ضمن تلك سلسلة “مذكرات طبيب شاب”.

ولم يتفاعل “بولغاكوف” مع أحداث الثورة والحرب الأهلية سوى في مدينته “كييف” التي عاد إليها في عام 1918. إذ لم يكن ممكناً البقاء على الحياد من الأحداث السياسية في ظروف التبدل المستمر للسلطة في أوكرانيا خلال العامين 1918 – 1919. وقد أشار الكاتب نفسه إلى ذلك عندما كتب في إحدى الاستمارات ما يلي: “في عام 1919 أثناء إقامتي في كييف، تكررت دعوتي للخدمة طبيبا من قبل مختلف السلطات التي كانت تشغل المدينة “.

وتظهر أهمية تلك الفترة الممتدة عاما ونصف في إبداع “بولغاكوف” يمكن في روايته “الحرس الأبيض”، ومسرحيته ” أيام آل توربين” وفي قصته “مغامرات طبيب غير عادية” عام 1922. وبعد استيلاء قوات الجنرال “دينيكن” على مدينة “كييف” في أغسطس عام 1919 تم استدعاء “بولغاكوف” للخدمة في الحرس الأبيض، ومن ثم تم نقله للخدمة طبيبا عسكريا إلى شمال القوقاز. وهنا تم نشر أول مادة له وهي عبارة عن مقالة صحفية تحت عنوان “آفاق المستقبل” عام 1919. وقد كانت هذه المقالة مكتوبة انطلاقاً من موقع رفض “الثورة الاجتماعية العظيمة” التي أوقعت الشعب في معمعة من المآسي والمصائب وكانت تنذر بعواقب وخيمة وبجزاء كبير من جرائها في المستقبل.

لم يتقبل “بولغاكوف” الثورة، لأن سقوط القيصر بالنسبة له كان يعني سقوط روسيا ذاتها بدرجة كبيرة وسقوط الوطن. وفي أعوام الانهيار الاجتماعي حسم الكاتب خياره الرئيسي والنهائي، حيث تخلى عن مهنة الطب وكرّس كل حياته للعمل الأدبي. وخلال عامي 1920 – 1921، وأثناء عمله في مديرية الفنون في مدينة “فلاديقوقاز” التي كان يرأسها الكاتب “سليزكين”، تمكن “بولغاكوف” من تأليف خمس مسرحيات، تم إخراج وعرض ثلاث منها على خشبة المسرح المحلي.

وقد قام المؤلف فيما بعد بإتلاف هذه التجارب الدرامية التي ألفها، كما قال، على عجل، في زمن “المجاعة”. ولم تحفظ نصوصها، ما عدا واحدة بعنوان “أولاد الملا”. وقد تعرض الكاتب هنا لأول صدام مع النقاد “اليساريين” أصحاب التوجه البروليتاري في الثقافة، والذين هاجموا المؤلف الشاب على تمسكه بالتقاليد الثقافية المرتبطة بأسماء “بوشكين” و”تشيخوف”. وقد حكى الكاتب عن تلك الفترة من حياته في مدينة “فلاديقوقاز” في قصته الطويلة “مذكرات على الأكمام” عام 1923.

موسكو..

و في آخر أيام الحرب الأهلية، ولم يكن قد ترك القوقاز بعد، كان “بولغاكوف” مستعداً لمغادرة الوطن والسفر إلى الخارج. ولكن بدلا من ذلك نراه يظهر في موسكو في خريف عام 1921 ليبقى فيها إلى الأبد. وعلى الأرجح أن ذلك لم يكن ليحصل من دون تأثير الشاعر “أوسيب ماندلشتام”، الذي التقاه في أواخر أيام تواجده في القوقاز.

وقد كانت أولى أيام “بولغاكوف” في موسكو صعبة جداً، لا من حيث الإقامة والحياة وحسب، بل ومن الناحية الإبداعية أيضا. إذ كان مضطراً للقيام بأي عمل لكي يعيش. ولكن مع الوقت أصبح “بولغاكوف” كاتب مقالات هجائية في عدد من الصحف الموسكوفية وجريدة “ناكانوني” التي كانت تصدر في برلين. وقد نشر له الملحق الأدبي لتلك الجريدة، بالإضافة للقصة الطويلة “مذكرات على الأكمام”، القصص التالية: “مغامرات تشيشيكوف”، “التاج الأحمر” و”كأس الحياة” جميعها صدرت في عام 1922.

ومن بين الإصدارات المبكرة، التي كتبها “بولغاكوف” في مرحلة العمل الصحفي  قصة “نار الخان ” 1924 التي تتميز بمستوى فني رفيع. واللافت للنظر هو غياب التأثير الصريح لمختلف التيارات الأدبية المعاصرة على إبداع “بولغاكوف” في تلك الفترة، وذلك بدء من “الكسندر بيلي” وانتهاء ب”بوريس بيلنياك”، اللذين كان لهما تأثير واضح على الكثير من الكتاب الشباب العاصرين ل”بولغاكوف”. لقد كانت غريبة عنه النظريات الشائعة آنذاك حول “يسارية الفن” وكذلك مختلف التجارب الإبداعية الشكلانية من هنا كثرة الوخزات الهجائية التي وردت في كتاباته بحق كل من شكلوفسكي ومائيرخولد وماياكوفسكي..

كان “غوغول” و”سالتيكوف- شيدرين” من أحب الكتّاب إلى قلب “بولغاكوف” وذلك منذ طفولته، ولذلك نجد أن موتيفات “غوغول” قد دخلت إلى نتاجه الإبداعي مباشرة ابتداء من القصة الساخرة “مغامرات تشيشيكوف” وانتهاء بالإخراج المسرحي لـ “الأنفس الميتة” في عام 1930 وبتحويل راوية “المفتش العام” إلى سيناريو جاهز للسينما عام 1934. أما “سالتيكوف- شيدرين” فكان يعتبره “بولغاكوف” معلِّماً له وقد عبّر عن ذلك في أكثر من مناسبة وبصورة مباشرة.

لقد عاش “بولغاكوف” سنواته الأخيرة مع إحساس بأن مشواره الإبداعي قد مضى سدى. ومع أنه استمر في عمله بهمة عالية واضعاً عدد من الأوبرا “البحر الأسود”  عام 1937، “مينين وبوجارسكي” عام 1937، “الصداقة” عام 1938، “راشيل ” عام 1939، وغيرها، لكن هذا كان يدل على رصيده الإبداعي الذي لا ينضب أكثر مما يشير إلى سعادة الإبداع الحقيقية. وقد باءت محاولة “بولغاكوف” تجديد علاقة مع النظام بالفشل، عن طريق وضعه مسرحية “باتوم” التي تدور حول فتوة “ستالين”، والتي كان لمسرح موسكو الفني مصلحة كبيرة في إخراجها بمناسبة العيد الستين لولادة القائد. فقد تم حظر عرض المسرحية إذ تم تفسيرها من قبل الجهات العليا على أنها سعي من قبل الكاتب لمد الجسور مع السلطات.

ومات “بولغاكوف” في “موسكو” في عام 1940 بعد أن أحرق مخطوطة رواية “المعلم ومرغريتا ” التي أنقذتها فيما بعد زوجته لترى النور متأخرة حوالي ثلاثة عقود عن تاريخ ميلادها الحقيقي، وليستمتع بها ملايين القراء في العالم ولتضاف بذلك درة أخرى إلى درر الأدب الروسي والعالمي.

وحتى بعد نشر مسرحياته وروايته “المعلم ومرغريتا ” فإن “بولغاكوف” لم ينل حقه من الاهتمام من قبل النقاد والمؤسسات الرسمية السوفيتية. بل إن تعتيماً ممنهجاً كان يفرض في المرحلة اللاحقة على الكاتب وعلى إبداعه في الاتحاد السوفيتي السابق. إذ لم يفرج عن أعماله في الاتحاد السوفييتي السابق بشكل رسمي قبل انطلاق “البيريسترويكا”. باستثناء العرض المتكرر لمسرحية “أيام آل توربين”. والبرهان على ذلك هو أن السلطات الرسمية الروسية لم تقرر افتتاح متحف الكاتب سوى في عام 2007  حيث صدر قرار عن حكومة موسكو بتحويل البيت الذي كان يقطن فيه “بولغاكوف” إلى متحف. وذلك ما كان ليتم لو لم تتبرع سيدة روسية بالأشياء التذكارية والوثائق التي تعود للكاتب.

التشويهات للطبيعة البشرية..

كان الموضوع الرئيسي للمقالات الهجائية والقصص والحكايات عند “بولغاكوف” في عشرينيات القرن العشرين حس بقوله “تلك الفظاعات والتشوهات التي لا تحصى في حياتنا اليومية”، تلك التشويهات الكثيرة للطبيعة البشرية التي حدثت تحت تأثير الانقلاب الاجتماعي الذي أصبح حقيقة واقعة مثل “عرض شيطاني” عام 1924، “البيوض القاتلة” عام 1925. وأيضا روايته الساخرة “قلب كلب” عام 1925، التي نشرت لأول مرة في عام 1987. كل هذه الإشارات والتحذيرات كانت بالنسبة للبعض من معاصريه إما دافعاً للإعجاب فقد لقد رأى “غوركي” في قصة “البيوض القاتلة” شيئاً ظريفاً، وإما سببا لرفض النشر فقد رأى “كامينيف” في رواية “قلب كلب”: “هجاءً لاذعاً للحقبة، ولذلك لا يجوز نشرها بأي شكل كان. وقد ظهرت في تلك القصص تميز الأسلوب الأدبي الساخر ل”بولغاكوف”.

رواية “المعلم ومرغريتا” أكسبت الكاتب شهرة عالمية، لكنها لم تصبح في متناول القارئ السوفييتي إلا بعد تأخير لثلاثة عقود حيث تم نشر أول طبعة مختصرة من الرواية في الاتحاد السوفيتي السابق فقط في عام 1966. لقد كتب “بولغاكوف “الرواية عن وعي بحيث تكون عملاً ختامياً متضمناً مجمل الموتيفات الواردة في إبداعاته السابقة وما تتضمنه مسيرة الأدب الكلاسيكي الروسي والعالمي.

أعماله الأدبية هي: (قلب كلب- المعلم ومارغريتا- بيوض القدر- مذكرات طبيب شاب- الحرس الأبيض).

لم تنعكس فترة “ذوبان الجليد” القصيرة التي ميزت الوسط الثقافي الروسي بعد وفاة “ستالين” بأي فائدة تذكر على أعمال “بولغاكوف”، فقد ظهرت أولى ملامح عملية رد الاعتبار ل”بولغاكوف” والاعتراف بمكانته الأدبية في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي. وانطلاقًا من عام 1962، نشرت مؤلفاته وكتبه، وتضمنت رواياته ومسرحياته وقصصه القصيرة فضلًا عن السيرة الذاتية لموليير. ولكن مع ذلك، لم يتسنَ ل”بولغاكوف” أن يشهد عملية نشر مؤلفاته الثلاثة العظيمة – أهمها “المعلم وماغريت”- خلال حياته.

الزواج..

تزوج “بولغاكوف” 3 مرات خلال حياته، كان أولها عام 1913 حين اقترن بزوجته الأولى “تاتيانا لابا”، ولكن زواجها انتهى بالطلاق عام 1924. وفي ذات العام، تزوج من “لوبوف بيلوزرسكايا”، لكنهما تطلقا لاحقا عام 1932. وأخيرا، تزوج من “إيلينا شيلوفسكايا”، عاش معها حتى وفاته عام 1940.

وفاته..

توفي “ميخائيل بولغاكوف” في 10 مارس 1940 في موسكو جراء إصابته بمرض تصلب الكلية، ودفن في مقبرة نوفوديفيتشي في موسكو.



الكلمات المفتاحية
ميخائيل بولغاكوف

الانتقال السريع

النشرة البريدية