ميثم الجنابي.. تميز بغزارة الإنتاج الفكري وبالعقل النقدي المستقل

    3

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    “ميثم الجنابي” أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة موسكو، باحث غزير الإنتاج، له مؤلفات عديدة في مجال الفلسفة والتاريخ وتاريخ الفلسفة والقومية العربية، والتاريخ الإسلامي.

    حياته..

    “ميثم الجنابي” من مواليد مدينة “النجف” في عام 1955، وخلال الفترة من عام 1975 إلي 1981 حصل علي البكالوريوس والماجستير من جامعة موسكو الحكومية، كلية الفلسفة، وفي عام 1985 حصل علي دكتوراه الفلسفة من نفس الجامعة، وفي عام 2000 نال رتبة الأستاذية، وكان رئيس مركز الدراسات العربية في الجامعة الروسية، ورئيس تحرير مجلة (رمال) والتي تعنى بالشؤون الروسية العربية في مجال التاريخ والأدب والفلسفة والفن والسياسية (بالعربية)، ورئيس تحرير الكتاب السنوي (الدراسات العربية)، موسكو، (بالروسية)، وعضو المجالس العلمية.

    من أعماله..

    1- التراجيديا السياسية للطوباوية الثورية. دار الأهالي، دمشق، 1990.

    2- علم الملل والنحل. ثقافة التقييم والأحكام- دار عيبال، دمشق. 1994.

    3- الإمام علي بن أبي طلب- القوة والمثال. دار المدى، دمشق – بيروت . 1995. قدم له الراحل هادي العلوي.

    4- التالف اللاهوتي الفلسفي الصوفي (أربعة أجزاء) ، دار المدى، دمشق – بيروت 1998.

    5- “الإسلام السياسي” في روسيا، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، 1999.

    6- الغزالي. دار ادوين ميلين بريس، نيويورك، 2000 (بالروسية)

    7- الإسلام السياسي في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، 2001

    8- روسيا – نهاية الثورة؟، دار المدى، دمشق، 2001.

    9- حكمة الروح الصوفي (جزءان)، دار المدى،دمشق، 2001.

    10- اليهودية الصهيونية في روسيا وآفاق الصراع العربي اليهودي، دار العلم، دمشق، 2003

    11- الإسلام في أور آسيا، دار المدى، دمشق، 2003

    12- العراق ومعاصرة المستقبل، دار المدى، دمشق، 2004

    13- اليهودية الصهيونية وحقيقة البروتوكولات، دار الحصاد، دمشق، 2005

    14- العراق ورهان المستقبل، دار المدى،دمشق، 2006.

    15- الحضارة الإسلامية – روح الاعتدال واليقين (ج1)، دمشق، 2006

    16- جنون الإرهاب المقدس، بغداد 2006.

    17- المختار الثقفي – فروسية التوبة والثأر، دار ميزوبوتاميا، بغداد 2007.

    18- أشجان وأوزان الهوية العراقية، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2007,

    19- فلسفة الثقافة البديلة، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2007,

    20- العراق والمستقبل – زمن الانحطاط وتاريخ البدائل، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2008.

    21- هادي العلوي-المثقف المتمرد، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2009.

    22- حوار البدائل، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2010

    23- التوتاليتارية العراقية- تشريح الظاهرة الصدامية، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2010

    24- فلسفة المستقبل العراقي، دار الكتاب الجامعي، العين- الإمارات العربية المتحدة، 2010.

    25- الفلسفة واللاهوت عند الغزالي،دار المرجاني، موسكو، 2010، (بالروسية)

    26- فلسفة الهوية الوطنية، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2012

    27- الحركة الصدرية ولغز المستقبل، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2012

    28- ثورة “الربيع العربي” (فلسفة الزمن والتاريخ في الثورة العربية)، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2013

    29- فلسفة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، دار صدره، موسكو، 2014 (بالروسية)

    30- الإسلام: حضارة وثقافة وسياسة، دار صدره، موسكو 2015، (بالروسية)

    31- المركزية الإسلامية الحديثة – الظاهرة الإسلامية. كيولن، ألمانيا 2016، (بالروسية)

    32- فلسفة البدائل الثقافية (البحث عن مرجعية الفكرة العربية)، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

    33- الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

    34- العقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

    35- الفكرة الإسلامية المعاصرة وآفاقها، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

    36- فلسفة الفكرة القومية العربية الحديثة، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

    37- التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي عند الغزالي، مطبعة الجامعة الروسية، موسكو، 2018 (بالروسية)

    38- تأملات حول الحضارة الإسلامية، دار العارف، بيروت، 2018

    39- الزمن والتاريخ (نقد الراديكالية والأوهام “المقدسة”.)، دار العارف، بيروت، 2018

    40- محمد – رسول الإرادة، دار العارف، بيروت، 2018

    41- الأشباح والأرواح (تجارب المثقفين والسلطة)، المركز الاكاديمي للأبحاث (العراق- تورونتو – كندا) بيروت 2019.

    42- الاستشراق والاستعراب الروسي (المرحلة التأسيسية)، المركز الأكاديمي للأبحاث (العراق- تورونتو – كندا) بيروت 2019.

    الوعي القومي العربي..

    في مقالة له بعنوان (الصعود الأول للوعي القومي العربي الذاتي) نشرت على “الحوار المتمدن” يكتب “ميثم الجنابي” تحت عنوان “تحليل ونقد الفكرة القومية العربية (1)”: “يتبلور وعي الذات القومي الحديث، بعد مرارة انقطاعه عن أصوله الأولى، بهيئة تمرد عادة ما يكون معقولا بمعايير اللغة ووجدان القلوب الفوارة. وقد تمثلت التقاليد الحية للنهضة الثقافية العربية في العصر الحديث هذه الحالة عبر تلازم لغة الحرية ووجدان الذات الثقافي. وكانت هذه بدورها السكة الموازية للغة القومية الصاعدة ووجدان وعيها الذاتي. وتمثل هذا الوعي بصورة نموذجية كل من نجيب عازوري وعبد الحميد الزهراوي. أما من حيث صيرورتها وكينونتها الحقيقية فقد تراكمت الفكرة القومية ووعيها الذاتي من فعل وفاعلية وتأثير عشرات الشخصيات الكبرى العاملة في مختلف ميادين المعرفة من أدب ولغة وتاريخ وتربية وتعليم وسياسة ودبلوماسية وحركات اجتماعية دينية ودنيوية مختلفة ومتعارضة.

    فقد كان هذا المسار الأولي يصنع دون أن يرى كما لو أنه لعبة القدر الجديدة بوصفها قدر الفكرة القومية الصاعدة. لكنها شأن كل حركة متداخلة من روافد عديدة عادة ما تؤدي إلى المصب في نهر الوجد التاريخي والوجدان القومي أو التبخر والتلاشي في فضاء الزمن العابر. وفي كلتا الحالتين لابد لهما من أن ينتجا أما حركة لها خريرها في جداول الحياة الحية أو تخريبها في سيول الدمار وأخاديد الموت المتحجرة!

    وقد تلازمت هاتين الحالتين في آن واحد في الصيرورة الحرجة للحظة التأسيسية الأولى للفكرة القومية العربية الحديثة. وقد يكون نموذجها الرمزي في مقدمات ونتائج المؤتمر العربي الأولي ومصير أغلب شخصياته الكبرى. فقد وضعوا للمرة الأولى أسس وقواعد الفكرة القومية في إطار منظم، وبالقدر ذاته تعرضوا إلى قتل وتشريد. وتشير هذه الحالة المتناقضة من حيث رمزيتها بقدر واحد إلى وجدان وفقدان الفكرة القومية الحديثة. وكان يصعب حدوث شيئا غير ذلك في ظل الفاعلية الخربة والهائلة للزلل التاريخي الذي تعرضت له الكينونة العربية بعد سقوط مراكزها الثقافية السياسية الكبرى ثم سباتها العميق في ليل العثمانية المظلم، ونهوضها المستقل والجديد في مواجهة كولونيالية اشد بأسا ومكرا.

    غير أن للقدر مصيره أيضا، بوصفه جزء من مسار التاريخ الذاتي، أي تهذبه وتشذبه بوصفه جزء من تجربة لها حدودها سواء بمعايير المنطق أو الواقع. وقد كان المؤتمر العربي الأول المنعقد في باريس عام 1913 اللحظة التأسيسية الكبرى في صيرورة الوعي القومي الجديد. ومن ثم مؤشر ودليل عليها بصورة ترتقي إلى مصاف التنظيم المعتدل، أي المكثف لتجارب ما يقارب قرن من الزمن في تجمع وتبلور الفكرة القومية. وذلك لأن مقدماته الفكرية والنظرية كانت تشق لنفسها الطريق في مجرى تنظيم الفكرة الإصلاحية الإسلامية وفكر النهضة الأدبية.

    وقد تكون شخصيته القابعة في الضمير والوجدان السياسي قد جسدها بصورة نموذجية عبد الرحمن الكواكبي. بعبارة أخرى، إن المؤتمر استطاع للمرة الأولى بلورة الفكرة القومية بوصفها مطلبا سياسيا شاملا له أسلوبه وغاياته الكبرى الآنية والمستقبلية، ومشروعا عربيا خاصا في بناء الدولة والمجتمع والعلاقة بالآخرين (الأتراك والدولة العثمانية والأوربيين)، أي أنه وضع للمرة الأولى فكرة الأنا القومية بوصفها قيم مستقلة بحد ذاتها. وبالقدر ذاته كان يحتوي على إدراك تاريخي ذاته من خلال تمثل ما يفهمه ويضعه ويسعى إليه بوصفه استمرارا لفكرة النهضة العربية والإصلاحية بشكل عام، كما هو جلي في القضايا الجوهرية التي وجدت انعكاسها في وثائق المؤتمر ومواقف شخصياته الأساسية.

    فقد كانت الفكرة الأساسية بالنسبة لوعي الذات تنطلق من إدراك القيمة الكبرى لفكرة النهضة. وذلك لما لها من أهمية وبروز جلي متغلغل في الإعداد النظري للمؤتمر، ومن ثم تحديد مساره السياسي. ذلك يعني أن فكرة النهضة التي تراكمت في مجرى قرن من الزمن أو أقل بقليل كانت قد بلغت ذروتها النظرية عبر تمركزها في الوجدان السياسي الصاعد للنخبة المثقفة. إذ جرت الإشارة في وثائقه إلى أن “من مميزات النهضة العربية، أنها ظهرت من شعور عام عند طبقة المنورين بالحاجة إلى اطراح رداء الخمول والأخذ بأسباب الحياة. لاسيما أن العرب هم سلائل واضعي الشرائع ورافعي معالم العمران وناشري أنوار التهذيب” “. أما الغايات الكبرى للمؤتمر فقد جرى حصرها في غايتين او هدفين أساسيين هما أولا “حفظ كيان الأمة العربية”. والثاني هو “إزالة العقبات من طريق ارتقائها حتى يتسنى لها التجهز بأدوات الحضارة” . إننا نقف هنا أمام تطويع مستقبلي لتاريخ النهضة عبر تحويلها إلى فكرة مستقبلية وقومية. فالإجابة على السؤال القائل: لماذا نهضة العرب؟ مبني على فكرتين الأولى وهي أن “العرب يؤلفون عنصرا مهما بعدده” ، والثاني هو أن “لهذا العنصر ميزة بين العناصر الأخرى وهي وحدة لغته وعاداته ومصالحه وميوله” . بعبارة أخرى إننا نقف أمام إدراك كمي ونوعي للعرب والعالم العربي وكينونته الذاتية ضمن الدولة العثمانية. إنهم الأكبر عددا والأكثر تميزا وخصوصية. وأن لهذه الخصوصية سمات جوهرية أربع وهي اللغة والعادات والمصالح والميول”.

    نقد العصبية التركية..

    ويواصل عن فكرة القومية: “لقد بلغت الفكرة القومية الجديدة هنا ذروتها الأولية من حيث التأسيس والأسلوب والغاية، بوصفها رؤية ومشروعا واقعيا وعقلانيا. وقد يكون انتشار الرؤية النقدية والعقلانية والواقعية الصيغة الأكثر وضوحا بهذا الصدد. تميز المؤتمر وخطاباته بروح نقدي وعقلاني في تناول القضايا الأساسية. إذ نعثر فيه بقدر واحد على نقد الدولة العثمانية، ونقد العصبية التركية، دون أن يسكب ذلك في إعلان ضرورة هدم الدولة العثمانية، كما لم يؤد إلى إثارة النعرة القومية الضيقة ضد الأتراك. على العكس لقد سارت الفكرة صوب توليف الواقعية والعقلانية من خلال إعلان أهمية وقيمة الدولة العثمانية القوية من خلال وضعها على أسس قانونية جديدة ومتكافئة من حيث تفعيل مقوماتها القومية.

    فقد كان الإدراك السائد يصب في تأسيس الفكرة القائلة، بأن سبب فساد الحياة هو فساد النظام السياسي الاستبدادي. الأمر الذي دفع بالبعض (قدورة مطران) للتشدد في فكرة سلامة وضرورة ارتباط العرب بالدولة العثمانية وتوثيق العلاقة بالأمة التركية، لأنه “أسلم عاقبة وخيرا من أي ارتباط سواه” .

    وحددت هذه الأفكار والمواقف ما يمكن دعوته بالحلول والبرامج الواقعية للفكرة السياسية القومية. ولعل أكثرها عمقا من حيث التأسيس والوسيلة والغاية هي الفكرة التي وضعها عبد الحميد الزهراوي عن أهمية التربية السياسية عبر الدعوة إلى “خلق جيل فعال سياسيا” . إذ جرى التوصل إلى أن الذين لا تربية سياسية عندهم لا تثبت مصالح عامة لهم. وأن الغاية من وراء هذه التربية السياسية هو بلوغ هدف تثبيت اللامركزية. مع ما يترتب عليه من ضرورة وجود حكومة تعمل لمصلحة الشعب وعليها رقيب (فكرة الرقابة) . فإذا ثبت أن للعرب وجود قومي وسياسي مستقل، فإن ذلك يستلزم حقوقهم في كل من السلطة والقوة التشريعية والقوة الإجرائية (التنفيذية). وهذا بدوره يعني أن الارتباط بالسلطنة مرتبط بمدى تحقيق حقوق العرب. وذلك لأن الواقع يشير إلى غبط حقوق العرب في التمثيل (مجلس الأعيان + النواب).

    وحدد هذا أيضا ضرورة وجود فاعل في السلطة التنفيذية (الوزارة). من هنا بلورة المؤتمر لست مطالب كبرى أساسية وهي كل من تحويل العالم العربي إلى كيان مستقل، وإيجاد الوحدة بين الوزارة والأمة (وحدة مطلقة)، وتحديد نسب المشاركة في كل شيء، انطلاقا من أن العرب نصف المملكة (وبالتالي لنا نصف القروض أيضا)، وحق اللغة (عبر تحويل العربية إلى لغة رسمية)، والشراكة في إدارة الدولة العامة، وأخيرا الاستقلال التام في إدارة الشئون الخاصة .

    واستتبعت هذه الرؤية العامة والشاملة من حيث تنظيمها الداخلي للأولويات جدولة النتائج العملية السياسية للمؤتمر، كما هو جلي في اتخاذه لسلسلة القرارات الأساسية الداعية إلى اعتبار الإصلاحيات الحقيقة واجبة وضرورية للمملكة وينبغي أن تنفذ بسرعة، وأن يكون مضمونا للعرب التمتع بحقوقهم السياسية وذلك بالاشتراك في الإدارة المركزية اشتراكا فعليا، وإنشاء إدارات لا مركزية في كل ولاية عربية، واستقلالية ولاية بيروت مع مطلبين: الأول وهو توسيع سلطة المجالس العمومية، والثاني وهو تعيين مستشارين أجانب، واعتبار اللغة العربية لغة معتبرة في مجلس النواب العثماني وكذلك اللغة الرسمية في الولايات العربية، وأن تكون الخدمة العسكرية محلية في الولايات العربية إلا في الحالات القصوى، وأن تكفل لمتصرفية لبنان وسائل تحسين ماليتها، وأخيرا تأييد مطالب الأرمن في اللامركزية. كما جرى إدراج ملحق بهذه المطالب يحتوي على قضيتين أساسيتين الأولى: امتناع الأعضاء العرب في العمل في مناصب الدولة ما لم تنفذ هذه القرارات، والثانية: أن تكون هذه القرارات برنامجا سياسيا للعرب العثمانيين”.

    تبلور نخبة فكرية موحدة..

    ويجمل عن فشل تحقيق الفكرة القومية: “إلا أن الانقطاع الراديكالي الذي أحدثته الحرب العالمية الأولى قد أدى إلى تحلل واندثار العثمانية (بالنسبة للعالم العربي) وعوضا عن وحدته المتفسخة ظهرت دويلات نشطة جديدة. الأمر الذي أدى إلى عدم التقاء الإرث المتراكم في الفكرة العربية والإصلاحية الإسلامية، بسبب انقطاعهما عن الأرضية المشتركة لوحدة الهموم والمتطلبات العملية المباشرة.

    فعوضا عن ظهور مركز سياسي واحد وموحد ظهرت مراكز، وعوضا عن الوحدة الحية للصراع وما يترتب عليه من اجتهاد يناسبها، نشأت حالة الهوس الملازمة لتشتت القوى والتوجهات بفعل تباين المهمات وحدود الجغرافيا السياسية للدولة المستحدثة. ومن ثم اختلاف الوسائل والمهمات والغايات. الأمر الذي أدى إلى انقطاع إمكانية تبلور نخبة فكرية ثقافية سياسية واحدة وموحدة فيما يتعلق بفكرة المرجعيات الكبرى المتسامية في العالم العربي (الشام والعراق) و(الجزيرة).

    فقد تعرضت مرحلة النشوء الأولية وتراكم الفكرة والهموم في أواخر العثمانية المتفسخة إلى هباء منثور في طي الاحتمالات اللاعقلانية الجديدة التي جعلت منها الكولونيالية الأوربية “مشروعا حداثيا”! فقد أدى ذلك إلى رمي كل الحصيلة الكبرى للمعاناة التاريخية للنهضة والإصلاح في رياح الجديد والتجديد الجزئية والمفروضة بقوة الاحتلال الكولونيالي الأوربي. إلا أن ذلك لم يقض على قوة البراعم الناشئة بأثر صعود الفكرة القومية. لاسيما بعد أن قطعت هذه الفكرة الشوط الضروري الأولي، أي الانتقال من حيز العدم والإمكان إلى حيز الوجود والأعيان. إذ تحولت الفكرة إلى مشروع سياسي عام. كما بلغت فكرة بناء الكيان السياسي للقومية وعي تجسيدها الجغرافي، أي بلورة حدود الجغرافيا السياسية للفكرة القومية.

    فإذا كانت التجزئة الكولونيالية قد أجهضت مشروع الدولة – الأمة الموحدة، بوصفه مشروع الفكرة القومية العربية الحديثة، فأنها لم تفعل في الواقع إلا على جعله مشروعا مؤجلا (وليس معطلا).

    وعوضا عنه ظهرت مختلف المشاريع الجزئية والمصغرة والمتباينة والمتنوعة والمختلفة والمتضادة للدولة الوطنية (أي القومية المؤجلة). بحيث تحولت الدولة الوطنية (القطرية) إلى عالم صغير لعالم كبير (عربي). ومن ثم قلبت الحالة الطبيعية للمنطق وجعلت منها حالة طبيعية عبر تقديم الواقع على الإمكان! لكنه لم يكن بإمكانها إعدام هذه الدورة. على العكس! أنها وضعتها ضمن سياق تاريخ آخر أطول وأعسر وأعقد، لكنه واقعي أيضا. ومن ثم تحويل كل الاحتمالات الكامنة في هذه الحالة الجديدة إلى جزء من مسار ومصير ملهم ومعذب للتاريخ الواقعي والفكري على السواء”.

    عقل نقدي تقدمي..

    وفي مقالة بعنوان (الراحل ميثم الجنابي.. الغزارة النوعية للعقل النقدي التقدمي المستقل.. وداعا!) يكتب “علاء اللامي” في رثاء “ميثم الجنابي”: ” وفي مراسلاتي القليلة مع الراحل، إذ لم أتعرف عليه مباشرة ووجها لوجه،  تعرفت على جانب آخر من جوانب شخصية الراحل؛ فثمة التواضع الجم والزهد الطبيعي لا المفتعل والنأي عن الأنا وعن الانشغال بالذات، بل ثمة تركيز على عناوين الحديث وجوهره واحترام عميق لعقل الآخر دون مجاملات ومساومات.

    ثمة صفة نادرة أخرى تميز بها الراحل وهي الغزارة والنوعية الرفيعة في كل ما أنتج من تراث فكري ضخم ورفيع في ميادين متقاربة كالفلسفة والتاريخ والسياسة والتراث. وأزعم أن من الصعوبة أن يجمع باحث هاتين الميزتين معا، أي الغزارة في الإنتاج البحثي حيث ظل يكتب حتى أيام مرضه الأخيرة ولم يتوقف عن الكتابة إلا حين فقد القدرة الجسدية تماما على الحركة، وقد تلازم ذلك الروح الكفاحي لديه مع قدرة نادرة على تقديم الجديد والمتطور والمفاجئ وعلى استيلاد الأفكار والأسئلة الثقيلة المنتجة ووضعها في نسق منهجي تفرد به، ولا تكاد هذه الميزة تغيب عن جميع مؤلفاته وهي بالعشرات وبعضها كتب تأسيسية ومرجعية في بابها النظري”.

    ويضيف عن منجزه الفكري: “وفي كتبه عن العراق، والتي اطلعت عليها فقد كان يحرص على إهدائي نسخا منها وخصوصا في كتابيه المهمين “العراق ورهان المستقبل” و”العراق ومعاصرة المستقبل”، يقدم الراحل فتوحا نظرية وقراءات نقدية غنية ومُغْنية، بلغة أنيقة منتقاة وأسلوب سلس يحاول قدر الإمكان التخفيف من وطأة التعقيد الأكاديمي الموروث من احترافه لتدريس الفلسفة والكتابة فيها، ولكن دون السقوط في التبسيط والتسطيح كما أسلفت. وسواء كنتَ تختلف أو تتفق مع ما يطرحه الراحل من أفكار فأنت تخرج من تجربتك في قراءة كتبه بالمزيد من الوعي بالموضوع المبحوث وبالكثير من المعلومات التي كنت تجهلها أو تعرف عنها القليل أو الغامض.

    على أن قراءة نثر الراحل الجنابي والتآلف مع أسلوبه التعبيري يحتاجان إلى نوع من الدربة والتعود وربما كان هذا الأمر واحدا من أسباب عدم اتساع دائرة كتاباته وتنظيراته وبطء انتشارها جماهيريا في ميادينها، رغم أن هذا الواقع لم يؤثر قط على مستوى إنتاجه الفكري كما ونوعا.

    كان الراحل حين يكتب عن العراق، يفيض من نثره الشغف والحب الممتزجان باللوعة الشخصية على ما آل إليه العراق قبل وبعد الغزو الأميركي.. ها هو – مثلا – يبدأ مقدمة كتابه الضخم “العراق ورهان المستقبل” بالكلمات التالية منذ السطر الأول (عندما قيل لأحد المتصوفة “من أي شيء هذه الآه؟، أجاب “من كل شيء!”؛ وهو وصف يمكن تطبيقه على بقايا العراق ولسان حاله الواقعي. فعندما ننظر إليه فإنه يبدو كياناً يتأوه بين تاريخه الواقعي وفرضيات المستقبل/ ص7).

    وفي السطور الأخيرة من هذا الكتاب يودعك الجنابي بالوصية الحزينة المشوبة بالأمل والإصرار الكفاحي عليه فيكتب (في هذا الانتقال – من سيادة الحدود إلى سيادة القانون – يمكن للروح العراقي التمتع الفعلي بما يمكن دعوته بسيادة الأمل الدائم. وهي سيادة تفترض على الدوام العيش حسب قواعد الفلسفة العقلانية لمواجهة النفس، وتأمل التاريخ الذاتي، وتأسيس البدائل الواقعية للإشكالات التي يواجهها العراق. آنذاك فقط يمكن لتموز والسيادة أن يلتقيا ويتداخلا بوصفهما مصيرا في ضمير العراقيين وعقولهم وأفئدتهم، ورمزا عن وحدة الحرية والسؤدد في العراق/ ص390). وداعا أيها العقل الحر المتألق والمتوحد مع معقولاته من أجل الإنسان وقضاياه، وداعا ميثم الجنابي!”.

    وفاته..

    توفى “ميثم الجنابي” صباح 18 يوليو 2021، بسبب مضاعفات كورونا.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا