الخميس 6 أكتوبر 2022
25 C
بغداد

    موارد المياه ومدى كفايتها بدول مجلس التعاون الخليجي

    محمد مختار ( باحث وكاتب )

    مقدمة
    تعتبر موارد المياه من أهم مصادر الحياة في أى مجتمعن وقد أصبحت عمليات توفير المياه وما يتعلق بها من إجراءات لتوفير موارد المياه عنصر رئيسي من عناصر التنمية الاقتصادية والاجتماعية بشكل عام, ولسوء الحظ فإن دول مجلس التعاون الخليجي تعاني من نقص في موارد المياه، وقد نتج هذا النقص في موارد المياه لدى دول مجلس التعاون الخليجي بسبب ما تعاني منه منطقة الخليج العربي بشكل خاص، وشبه الجزيرة العربية بشكل عام، من محدودية الموارد المائية الطبيعية.
    فلا يمكن لأحد أن ينكر الدور الذي يمثله الماء للإنسان والكائنات الحية بشكل عام، فالحياة في أى تجمع إنساني لا يمكن أن تبدأ أو تستمربدون توافر عنصر المياه، وذلك مصداقا لقول الله سبحانه وتعالى : ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) ( سورة الإسراء – 8 ) ولذلك فإن أى تجمع بشري لا يمكن أن يستقيم له الحياة بدون توافر عنصر المياه، كما أن عنصر المياه هى المورد الأساسي لجميع عمليات التنمية الاجتماعية والاقتصادية التي تجري في المجتمع، سواء استهدفت هذه العمليات تنمية الموارد الاقتصادية المتوفرة بالفعل أو خلق موارد اقتصادية جديدة تصلح لعملية التنمية.

    ولا تقتصر أسباب عدم كفاية موارد المياه في دول مجلس التعاون الخليجي على محدودية مصادر المياه فحسب، بل أن المشكلة تتخطى هذه المرحلة لتصبح عمليات التنمية الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها بلدان مجلس التعاون الخليجي مؤخرا هى سبب من أسباب العجز الذي تعاني منه دول مجلس التعاون الخليجي في الموارد المائية الطبيعة، وذلك لأن تزايد عمليات التنمية الاجتماعية والاقتصادية في بلدان مجلس التعاون الخليجي قد أدت في نفس الوقت إلى حالة من حالات الإهدار في استهلاك المياه، بخلاف حالات التنافس والاستخدام الجائر للمياه في بعض الحالات الأخرى، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تزايد الضغوط على موارد المياه المحدودة في الأساس في دول مجلس التعاون الخليجي.
    وقد تناولنا في هذه التقرير ما يتعلق بموارد المياه ومدى كفايتها بدول مجلس التعاون الخليجي نظرا لأهمية هذا الموضوع، واستخدمنا في هذه التقرير الرؤية عن قرب وتعمق للاطلاع على ما يتعلق بمدى موارد المياه ومدى كفايتها بدول مجلس التعاون الخليجي، وذلك للخروج بنتائج يمكن من خلال تطوير مثل هذه الدراسات في المستقبل أو البناء عليها في دراسات مستقبلية أكثر تعمقا. ( السعد. 2018 , 41 )
    مصادر المياه في دول مجلس التعاون الخليجي:
    تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي على عدد من مصادر المياه تتمثل في الموارد التالية :
    1- مياه الأمطار.
    2- المياه السطحية العذبة
    3- المياه الجوفية العذبة
    4- مياه التحلية
    ووفقا لإحصائيات أخيرة فإن متوسط كميات المياه المتوافر من كل مصدر من مصادر المياه وفقا كما يلي :
    الدولة مياه الأمطار المياه الجوفية العذبة المياه السطحية العذبة المياه الجوفية العذبة مياه التحلية
    المملكة العربية السعودية 124,437 مليون متر مكعب 21,352 مليون متر مكعب 123 مليون متر مكعب 21,352 مليون متر مكعب 1,685 مليون متر مكعب
    الكويت 1,313 مليون متر مكعب 89 مليون متر مكعب 0 89 مليون متر مكعب 654 مليون متر مكعب
    الإمارت العربية المتحدة 2,733 مليون متر مكعب 1,787 مليون متر مكعب 0 1,787 مليون متر مكعب 1,949 مليون متر مكعب
    قطر 323 مليون متر مكعب 250 مليون متر مكعب 0 250 مليون متر مكعب 482 مليون متر مكعب
    عمان 31,445 مليون متر مكعب 59 مليون متر مكعب غير محدد 59 مليون متر مكعب 224 مليون متر مكعب
    البحرين 41 مليون متر مكعب 179 مليون متر مكعب 0 179 مليون متر مكعب 213 مليون متر مكعب
    ( محررون . 2020 . 11 )

    الندرة المائية وتأثير الإقليم الجغرافي في دول مجلس التعاون الخليجي

    Figure 1 محطة تحلية مياه في المملكة العربية السعودية . المصدر جريدة اليوم
    ووفقا لهذه البيانات فإن دول مجلس التعاون الخليجي تعاني من ندرة واضحة في موارد المياه المتوفر لبلدان المجلس، وتوجد عدة أسباب وراء هذه الندرة أهمها ووقوع جميع دول مجلس التعاون الخليجي ضمن إقليم صحراوي بالأساس، ذلك أنه بالنسبة لجغرافية دول مجلس التعاون الخليجي فإن الصحراء تغلب على جغرافية هذه الدول ، فهذه الدول الممتدة تقع منطقة صحراية بالكامل ، وتتميز الصحراء في دول مجلس التعاون بأنها صحراء ممتدة يندر وجود الواحات في مساحات بينية منها، وهى صحراء تمتد في أقصى شمال منطقة الخليج العربي تنتهي بساحل على الخليج العربي. وتقدر البيئة الصحراوية في دول مجلس التعاون الخليجي بما لا يقل عن %90 من اجمالي مساحة دول مجلس التعاون الخليجي بالكامل، وهو ما يجعل من الطبيعي ندرة مصادر المياه في هذه الصحراء .
    وفي نفس الوقت فإنه يجب الأخذ في الاعتبار أن مساحات الصحراء الغالبة على مساحة بلدان مجلس التعاون الخليج تقع في الإقليم الجغرافي الصحراوي إلى الشمال الشرقي من خط الاستواء، فإن المناخ في صحراء الكويت يمتاز بوجود فصلين رئيسيين (الصيف و الشتاء)، و فصلين ثانويين لا يمران مرور مروا سريعا يكاد لا يلاحظ، وهما فصلا الربيع و الخريف. وعلى ذلك تعتبر صحراء الكويت من البيئات ذات المناخ الصحراوي و الذي يتميز بصيف طويل حار جاف، وشتاء قارس قصير ممطر في بعض الأحيان، وتكون هذه الأمطار النادرة أحد الموارد غير الكافية لموارد المياه في بلدان مجلس التعاون الخليجي.
    ( الخليفة. 2015 , 74 )

    Figure 2 خريطة مياه جوفية في دول مجلس التعاون الخليجي المصدر الأطلس الحديث

    ندرة المياه واستحداث أنظمة بيئية وتنموية
    وتدفع الندرة الواضحة التي تتميز بها موارد المياه في دول بلدان مجلس التعاون الخليجي هذه الدول لمحاولة استحداث أنظمة بيئية وتنموية حديثة للتحقيق الاستفادة القصوى من مصادر المياه الموجودة لديها بما يخدم أهداف التنمية المستدامة في هذه البلدان من حيث تحقيق أهداف الحفاظ على كل قطرة مياه يمكن استخدامها في عمليات التنمية المستدامة مع الأخذ في الاعتبار ما يتعلق بأهمية الاقتصادية والعمرانية التي تتصل بتوافر موارد المياه، وهى الأهمية التي تعتبر أحد أهم العوامل الاقتصادية والعمرانية التي تؤثر في حياة الناس بشدة، إذ أن المدنية تحمل في ثناياها الرخاء الاقتصادي والمعيشة الراقية، كما تحمل كذلك فإن العوامل الاقتصادية هي أيضا من نتائج البيئة الطبيعية، فطبيعة البيئة هي التي تحدد أنماط استغلالها اقتصاديا، فلكل من البيئة الزراعية والصناعية والتجارية مقومات خاصة، لابد من توافرها في أي منها، وعلى أساسها تتحدد طبيعة الاستغلال الاقتصادي لها. ( صقر. 1998 , 141 ) .
    أشكال الهدر المائي وضرورة ترشيد استهلاك المياه
    وقد اتضحت من عدد من الدراسات الميدانية أن هناك شكلا من أسشكال الهدر فيما يتعلق باستخدام موارد المياه، وحيث لا تزال أدوات ترشيد المياه في معظم بلدان دول مجلس التعاون أقل كفاءة مما يجب أن تكون عليه، وخاصة في قطاع استخدامات المياه للاستهلاك المنزلي، وحيث تصل نسبة عملية التسريب التي تتسب بشكل مادي من خلال قطاعات شبكة التوصل للمياه المنزلية في بلدان مجلس التعاون الخليجي ما بين نسبة ثلاثين بالمئة إلى نسبة أربعين بالمائة، في حين أن هذه النسبة تقل لنحو 8 بالمئة في دول أخرى خارج منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يمثل خسارة مالية باهظة التكاليف بالنظر للتكاليف المرتفعة التي تتحملها ميزانيات بلدان مجلس التعاون الخليجي لتوفير مياه عذبة لمواطنينها في المنازل ، وهى التكلفة التي يصل متوسطها بما يتراوح ما بين دولار أمريكي إلى دولارين اثنين كتكلفة صافية لإنتاج كل متر مكعب واحد من المياه العذبة الواصلة لمنازل المواطنين في دول مجلس التعاون الخليجي ، وهو ما يفرض ضرورة دمج إجراءات التوعية بأهمية ترشيد استخدام المياه في المناهج الدراسية وعدم الاكتفاء برسائل وسائل الإعلام التوعوية في هذا الصدد.

    Figure 3 محطة تحلية المياه بسلطنة عمان وهى أول محطة متنقلة لتحلية المياه في العالم تعمل بطريقة التناضح العكسي
    ومن الملاحظ أن جهود دول مجلس التعاون الخليجي في المجالات التي تشمل العمل على ترشيد استخدامات المياه لم تقتصر فقط على العمل الفاعل على الأرض لتحقيق ذلك الهدف، بل شمل أيضا الجواني التي تتعلق بالتربية البيئية لتوعية طلاب المدارس بأهمية الحفاظ على المياه ضمن الموضوعات الدراسية وليس في آفاق المعرفة وللحاجة إليها في تحليل المشكلات البيئية، وهو ما يعكس خطورة التحدي الحقيقي إزاء التعامل مع موارد المياه وقضاياها الملحة والحساسة يتمثل في إيجاد نظام تعليمي يحفز المتعلم إلى فتح ذهنه لاستكشاف القضايا المعقدة بأبعادها المتعددة. وحيث يجب اعتبار مسألة الترشيد في استخدام الماء من قبيل الواجبات الوطنية بل والواجبات الشرعية التي فرضها الدين الإسلامي على كل مسلم، وذلك مصداقا للحديث النبوى الشريف الذي رواه الإمام أحمد في مسنده تحت رقم (6768) وابن ماجة في سننه تحت رقم(419) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ : مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ ؟ قَالَ : أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ) .
    آلية الاستخدام الرشيد لموارد المياه
    لكن مع ذلك ففي نفس الوقت فإن منظومة إدارة موارد المياه في بلدان دول مجلس التعاون الخليجي تفتقر حتى الان للآلية التي تضمن الاستخدام الرشيد لموارد المياه بشكل يحقق التنمية المستدامة لموارد المياه في بلدان مجلس التعاون الخليجي وبما يكفل التوظيف الرشيد لهذه المواد في تحقيق التنمية المستدامة، ذلك أنه في الوقت الذي تحملت فيه بلدان مجلس التعاون الخليجي مئات المليارات من الدولارات على البنى و الهياكل الأساسية لإمدادات المياه (أي محطات التحلية و المعالجة و السدود و حفر الآبار) في سبيل توفير إمدادات المياه، فإنها لم تولِ الاهتمام الكافي لكفاءة الاستخدام، و كفاءة التزويد، و التدوير، و إعادة الاستخدام.
    ( أبو العلا. 2019 , 97 )

    Figure 4 خريطة توضح مصادر المياه الجوفية في شبه الجزيرة العربية وفقا لموقع الجغرافيين العرب توضح الخريطة ندرة مصادر المياه الجوفية في شبه الجزيرة العربية

    ومن ذلك نخلص أن هناك نقص في موارد المياه في دول مجلس التعاون الخليجي في الوقت الراهن وأن هذا النقص في موارد المياه نقص مزمن. كما نخلص أيضا إلى أن نقص موارد المياه في دول مجلس التعاون الخليجي قد يستمر في المستقبل بما يتضمنه ذلك من احتمالات التأثير على عمليات التنمية، بالإضافة إلى أن موارد المياه في دول مجلس التعاون الخليجي ترتبط بعمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وما يرتبط بهذه العمليات من أنشطة تنموية، كما أن نقص موارد المياه في دول مجلس التعاون الخليجي سوف تنعكس بالسلب على عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
    قواعد الاستغلال الأمثل للموارد المالية في دول مجلس التعاون الخليجي
    من واقع التقرير فقد تبين أن دول مجلس التعاون الخليجي تعاني بالفعل من نقص في الموارد المائية، وأن هذا النقص في الموارد المائية في دول مجلس التعاون الخليجي سوف ينعكس بكل تأكيد على عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تستهدف بلدان مجلس التعاون الخليجي تنفيذها حاليا أو التخطيط لها في المستقبل، كما ظهر من التقرير أن هناك شكل من أشكال الاستخدام الجائر لمصادر المياه في دول مجلس التعاون الخليجي بما يتطلب ضرورة العمل على ترشيد استخدام ما يتوفر لدول مجلس التعاون الخليجي من موارد مياه سواء في الوقت الحالي أو في المستقبل، وتبين أيضا من التقرير أن زيادة النمو السكاني والعمراني لدول مجلس التعاون الخليجي قد أدى للمزيد من الندرة النسبية لمواد المياه في بلدان مجلس التعاون الخليجي.
    ولتحقيق النجاح في الاستغلال الأمثل لموارد المياه الموجودة في دول مجلس التعاون الخليجي فيجب من أجل تحقيق هذا الهدف العمل على خلق الوعي بين مختلف الفئات السكانية والعمرية في بلدان مجلس التعاون الخليجي بأهمية عنصر المياه كمكون أساسي من مكونات عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه البلدان.
    كما يجب أيضا العمل على ترشيد استخدام موارد المياه المتوافرحاليا لبلدان دول مجلس التعاون الخليجي والعمل على أن يكون استخدام هذه الموارد ضمن أهداف خطة التنمية المستدامة وخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية لدول مجلس المجلس التعاون الخليجي. كما يجب العمل في نفس الوقت على استحداث مصادر جديدة للمياه في بلدان مجلس التعاون الخليجي بما في ذلك بحث استخدام أساليب التنقية الثلاثية لمياه الصرف وتحلية المياه باستخدام أشكال الطاقة المستحدثة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. بالإضافة إلى ضرورة إجراء المزيد من الدراسات التي تتعلق بترشيد المياه والاستخدامات الرشيد لمصادر المياه في دول مجلس التعاون الخليجي للتوصل لنتائج واقتراحات وتوصيات حول أفضل طرق استخدام موارد المياه في عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وبما يحقق مبدأ التنمية المستدامة التي تقوم على الاستغلال الأمثل لكل الموارد المتوفرة للمجتمع في بلدان مجلس التعاون الخليجي وأولها مصادر المياه.

    المراجع
    أولا القرآن الكريم
    ثانيا : الحديث الشريف .
    أحمد بن محمد بن حنبل. المسند للإمام أحمد . دار الحديث للنشر والتوزيع. القاهرة. 1995 .مصر
    ، محمد بن يزيد ابن ماجه. سنن ابن ماجة . دار الكتب العلمية . 1998 . دمشق. سوريا
    ابراهيم صقر. المدخل الى جيولوجيا المياه الأرضية في دول مجلس التعاون الخليجي . دار العين للنشروالطبع والتوزيع. الطبعة الأولى. 1998 . الشارقة. دولة الإمارات العربية المتحدة.
    إسراء السعد وآخرون . حتي لا يعطش الخليج العربي المياه والتنمية في الخليج . منتدى الخليج العربي الدورة السادسة والثلاثين. الطبعة الأولى. 2018 . الكويت
    على خليفة الخليفة وآخرون . دول مجلس التعاون: نظرة مستقبلية . منتدى الخليج العربي . وثائق الدورة السنوية العادية. الطبعة الأولى. 2015 . الكويت
    محمد أبو العلا . جغرافية دول مجلس التعاون الخليجي . مكتبة الخليج. للنشر والتوزيع. الطبعة الاولي. 2019 . الكويت.
    عبد الملك أحمد . مجلس التعاون في عيون أبناءه . الرحاب للنشر والتوزيع. الطبعة الأولى. 2014 . بيروت . لبنان
    مجموعة محررين . إحصائيات المياه في دول مجلس التعاون الخليجي . الطبعة الأولى. 2020 . المجلس الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي. الكويت