مع كتاب.. طارق سعيد أحمد: في التفاصيل لا تكمن الشياطين ولا الملائكة إنما يكمن الشعر

الجمعة 24 كانون ثاني/يناير 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص: حاورته- سماح عادل

“طارق سعيد أحمد” شاعر مصري، صدر له ديوان بعنوان “تسيالزم، إخناتون يقول”

إلى الحوار:

(كتابات) متى بدأ شغفك بالكتابة وكيف تطور؟

  • في سن مبكر نسبيا بالمرحلة الابتدائية، لفتت انتباهي تلك الكلمات المتراصة فوق بعضها البعض وراق لي اسمها “شعر”، كان ينتابني شعورا غامضا حول هذه الكلمة ووعي حينها لم يسعفني في تفسير ما أشعر به حيالها، كان إيقاع هذه الكلمات يرج وجداني رغم عدم فهمي الكامل للكلمات ومعانيها، تعلقت بهذا الشعور الحُلو، وبدأت أكتب كل ما يرد في ذهني غير ملتزم بشكل النص الشعري الذي أسرني.

وذات يوم وأنا أرتب كتبي الدراسية وقعت في يدي كراس ذات الأسطر التسع المشهورة، كانت مستقره تحت سريري من عدة سنوات قريبة داخل صندوقها الورقي، كنت فيها أتعلم الحروف في كُتاب قبل أن تأخذني أمي من يدي إلى اختراع جديد اسمه الحضانة وكانت أولى النسخ في الجوار، وجدت بداخلها ما يشبه الكتابة بخط طفل شاق عليه رسم الحروف، ومرت سنوات قليلة كانت كافية بأن يختفي لون غرفتي تحت ما كنت أكتبه من شعر على الجدران بالقلم الأسود ومازلت أفضله في الكتابة، في هذه الأجواء وهبت نفسي للشعر وأهملت كل شيء وكانت الدراسة على رأس قائمة الإهمال.

(كتابات) ما هو الشعر بالنسبة لك؟

  • مفتاح العالم الحقيقي.

(كتابات) في ديوان (تسيالزم إخناتون يقول) ما سر العنوان؟

  • في ذروة نرجسيتي كنت أتردد على الأمسيات الشعرية التي تقام بنوادي الأدب بقصور الثقافة المحيطة بمنزلي في حي عين شمس الشرقية بالقاهرة، وامتدت رحلتي إلى أغلب الأمسيات والندوات التي تقام بالقاهرة، كان يروق لي بعض ما أسمع من نصوص وغالبا كان يحبطني تكرار الأنماط الشعرية التي كنت أتلقاها سمعيا، في تلك الفترة حاولت تمييز نصوصي تحت اسم يحميني من الانصهار في ما كنت أرفضه من نصوص ترهلت حتى القبح، لذلك انتزعت الحروف الأولى من اسمي t,s  وألصقتها بالنصف الأخير من الـ “سريالزم”، وحينما قررت نشر ديواني الأول لم استجب لنصائح أصدقائي التي كانت تمنعني من وضع هذا الاسم على غلاف الكتاب، وفضلت إرضاء هذا الشاعر النرجسي الصغير، ويبدو أن أسطورته لم تنته بعد!. فبكامل وعي قررت بعد ذلك أن أنشر تحت هذا الاسم دواويني المستعدة للنشر مُرقمة.

(كتابات) في ديوان (تسيالزم إخناتون يقول) هل تحاول عمل لغة خاصة بك؟

  • لا شك في ذلك، العالم الذي أسكنه ويسكني يعكس خصائصه اللغوية عنوة، أحيانا يعطل دلالة ما أو يراكم على ألفاظ استهلكت دلالات مغايره، وأحايين أخرى يقتل اللفظ ويحرر دلالاته، وبأخرى من الآليات أحاول صياغة الصور الشعرية بداخلي أما بالنسبة لكتابة النص على الورق لا أتدخل فيها بنسبة كبيرة فغالبا ما يكتب النص نفسه بنفسه.

(كتابات) في ديوان (تسيالزم إخناتون يقول) ما هو التجديد الذي أعلنت عنه في المقدمة؟

  • في تصدير الديوان قدمت نصيحة لقارئه العابر قلت فيها: لا أنصح من استسلم للنمطية أن يقرأ هذا العمل فهو لكل حر أراد أن يحقق وجوده.. إليك أنت.

وبهذا المعنى أعلنت ضمنيا عن تبني فكرة التجريب وليس التجديد، حيث أنني ألتزم مع القارئ إبداعيا حتى يعترف العالم ــ إن اعترف ــ بأن ما أتيت به هو تجديد ما ــ إن كان هذا قد حدث بالفعل ــ ومازالت محاولاتي الشعرية التجريبية تحاول أن تلتئم في بقعة على خريطة الشعر.

(كتابات) في ديوان (تسيالزم إخناتون يقول) التفاصيل الحياتية الصغيرة تحتل جوانب النصوص حدثنا عن ذلك؟

  • تبدو لي اللحظة الآنية أكثر تعقيدا عن ما سبقها من حضارات، وتتشابك تفاصيلها بوشائج متينة تدعوني لحفلات الدهشة كلما التقطت عيني وميضها، تروق لي هذه اللعبة وتثير غموضي الكامن، لذلك اعتبر هذا التصور منطلق جيد ضمن المنطلقات للاكتشافات ولمناقشة أيضا إشكالات الإنسان المعاصر، ففي التفاصيل لا تكمن الشياطين ولا الملائكة إنما يكمن الشعر.

(كتابات) في رأيك هل الشعر العامي في مصر يمر بأزمة ولما؟

  • لا شك في أن الشعر عموما تحت وطأة أزمة كبرى ويعيش في مرحلة كمون نسبي وصراع وجودي، وخصوصا العامية المصرية أزمتها تتباين أبعادها، وذلك لأن البيئة المحيطة بالنص تحولت لبيئة فاسدة ومنحطة يصعب نمو الإبداع في تربتها المالحة بشكل عام، فلنترك هذا المبحث للباحثين في هذا الشأن، أما بالنسبة لجوهر شعر العامية المصرية وما تبدو عليه الآن القصيدة يدعو للأسى، باستثناء باقة من شعراء آمنوا بفكرة التجريب ونزع مُلك الشعر العامي من محتكريه، وبناء سور شفيف حول أعمالهم حتى يتم تأريخ هذه الفترة ووضعها في متحف يليق بها، ومن ثم إطلاق الوعي نحو نص حديث مناهض لشعر الموضوع والمناسبة وحليف لفكرة اكتشاف العالم، قبل الآن كانت القصيدة قادرة على أن تتظاهر وحدها في الميادين وتملأ الدنيا صخبا وصراخا.

وعلى جانب آخر كانت تشد على أيدي العمال في المصانع والحقول وتشق الصخر وتحرض العشاق على نزع فتيل الشوق، هذا البريق انطفأ.. نحن الآن نعيش في عصر تجاوز العلم فيه الشعر!، وتحكمت الرأسمالية في مصير الإنسان وبدأت الرحلات إلى الفضاء بالفعل وبات لقاء العشاق على سطح القمر ذاته لا يستحيل.

(كتابات) ما تقييمك لحال الثقافة في مصر؟

  • الثقافة بمفهومها الأرحب والعميق تنعكس على سلوكيات الفرد في كل شؤونه وتفاصيل يومه، وما وصلنا إليه من فوضى لابد من مواجهته بصرامة تتجاوز معيار التفاؤل والتشاؤم الذي يتبناه الإعلام المصري في تقديره للأمور في هذه المرحلة، فالموضوعية والمواجهة والمناقشة الجادة هي الأدوات الأولى للإعلام الحقيقي الخادم لمجتمعه وهذا هو دوره الأصيل.

وبتنحي الشفافية الكاملة وغير المشروطة يدخل الإعلام في سياق التضليل المقنن، وبالتالي تتفاقم الإشكالات وتتعقد الأمور أكثر والحلول التي كان من الممكن إتباعها في توقيت معين تفقد قدرتها على فك الحبال المتشابكة وتتحول من حلول إلى إشكالات مع المراكمة، وفي تصوري المتواضع الخطوة الأولى لتصحيح الأوضاع الثقافية في مصر هي حذف وزارة الثقافة وكل الهيئات التابعة لها من القائمة ومن ثم تشجيع المجتمع المدني بسن القوانين والتشريعات الضامنة للعمل الثقافي بكل أشكاله حتى يفرز المجتمع حضارته المعطلة بإرادته.

(كتابات) هل أنت راض عن حال النشر وهل يدعم الكتاب المبتدئين؟

  • من بضع أسابيع حدد معي شاعر موعدا لنلتقي فيه خارج السياج الأزرق لموقع “الفيسبوك”، حرصت على اللقاء المحدد وبالفعل التقينا وجلسنا في إحدى مقاهي الإسكندرية، تجاوز هذا الشاعر عدد العشرون ديوانا وهو في سن صغير نسبيا رغم أن العمر ليس بمقياس للإبداع لكنني أحرص على ذكره لعل تلك المفارقة تُحدث شيء أو تنقل معنى لكارثة يعيشها المبدع، وخصوصا غير القادر على طبع كتبه من حر ماله كما يفعل البعض ليتفادى النصب المادي والمعنوي الذي يمارس عليه من قبل دور النشر التي انتشرت في الأزقة وتقابل كتابها “تحت بير السلم”، وجل همها جمع أكبر قدر ممكن من المال ولا يعنيها بعد مصلحتها أي شيء آخر، ولا رقيب فعلي عليها!

بعد مناقشات كثيرة دارت بيننا في المقهى الشعبي حول الشعر قررت بيني وبين نفسي أن أدل هذا الشاعر الرائع إلى دور نشر معروفة في الوسط ولها شأن، وأيضا تمتاز بأنها توافق على نشر الشعر ضمن إصدارتها ولا ترفضه كغيرها من دور النشر!

ولكن ما كنت لا أعرفه عنها هو ما قاله لي الشاعر الشاب بعد أن أكدت عليه إرسال إحدى دواوينه لها عن طريق الإيميل بعدما هاتف المسئول عنها، وبمنتهى البساطة طلب منه بعد موافقته على نشر ديوانه الأول مبلغ خمسة آلاف جنيه مصري وهو رقم معقول إلى حد ما بالمقارنة بالأرقام المطروحة حاليا التي تطلبها دور النشر الأخرى، وبعيدا عن الأزمات المادية التي تواجهها دور النشر وارتفاع أسعار الورق والأحبار، وهو أمر يؤثر بالطبع على حركة النشر وسوق الكتب، الكاتب المبتدئ ينهار إبداعه على حائط الزمن وتسحقه الظروف المحيطة به.

(كتابات) حدثنا عن عملك في مجال الصحافة الثقافية؟

  • أحب عملي كصحافي وأفتخر به، وبه تنكسر عزلتي كلما عزمت على كتابة تحقيق أو تقرير أو مقال.

نصوص لطارق سعيد أحمد..

تعاويذ

تفسير شفايفك للنجوم

ثقافتك الخاصة جدًا

للنور الخافت على كورنيش النيل

عيونك الخضرة

للورد في إيد البياعين

مشاعرك.. للشجر

المتصنت على الحبّيبة

هد مكياج الثواني

والشوارع

والرصيف

وقهاوي وسط البلد

اكتشفت قد أيه

القاهرة

الصبية.. عجوزة جدًا

وقد أيه عجوزة المسرحية

يشهد عليها أول غُراب مَثّل

وأول قبر..

سِيبك إنت

مفيش أجمل من الكُحلة

والمُنكير الأزرق والإسود

والتاتو الرائع العايش بالطول والعرض

وندغ لبان الفراولة

ورسمك السريالي

بالبرفنات الحادة والروج

جوه جمجمتي

وأنا رافع رجلي على الحيطة

في غرفتي الضلمة

بعمل بروفة موت

2

تلوين عيونك بالفراق

بقى شيء مُمل

دورانك حواليا وحِيَلِك المدّهشة

أو هبوطك المفاجئ على ملامحي

مش حل

النجم كل أما بِعد بيبان أقل

وليه بنزرع ورا كل سور عالي

جناين فُل؟

وكأن الشجر حُر

حدوته نُصها مسّكر

ونصها ُمر..

وأنا مش فاهم الصُدفة!!

وهل

حجم الدموع على الأرض

بيساوي حجم الضل؟

3

باقي منك فوق ملامحي

شجر

وشوارع فاضية

وموجة

وشط

وورد

وصوت عصافير بتزقزق

باقي منّي فوق ملامحك

هُسْ

….

9 صور

وشك منحوت

علي صخرة

نصها غرقان

والنص التاني

جبل في صحرا

انت ليه؟!

وازاي ؟!

………

امسك بإيدك

قلبك المستطيل

امشي برجليك في الطين

انت مش شجرة

صورة 1

بتعيش ع الحلم

مش فيه

وتمد ببصرك وتمد

تمد

لحد ما تجري

انت ليه بتحس

بالشوارع

والحيطان

والكراسي

والبيوت

اغسل وشك

دمك غرقني

فكرني بخدود وشفايف

معرفش دلوقتي لونها إيه

صورة 3

شايف التمثال منين

ولا انت مش همك

رتوشي

وسمكي

ومكاني

وسط الميادين الكتيرة

حرك عيونك

الساكتة

وكلمني بأي حروف

وما تسبنيش

يطوف جوايا صوت الصخر

ميدوزا

استوطنت ع الأرض

لمست عينيها

الحلم

الفكرة

ولون الورد

صورة 5

بقيت ممل

أكتر من شروق الشمس

ومن غروبها

ممل أكتر من زمن محبوس

في لوحة

أكتر من طعم لسانك

وعيونك دايما شايفة مربعات

بالأبيض والأسود

وانت كل اللي بتعرف تعمله

تاخد خطوة لقدام.

….

اخرس

انت شايفنى إزاى

راشق ضوافره

الخوف فى ملامحك

وإعادة ترتيب أفكارنا

مرهونة بوقف الكواكب

على طراطيف صوابعها

وتحريك الزمن خطوتين

قدام

تلويحك المنظم

للطيارات الورق

حشى تحت لحمك

قش

ولم عليك كل خيوط

العناكب

انت شايفنى إزاى

بعد اختفاء غابات

الكاكاو

وجوز الهند

والبندق

والنحل

إزاى شايفنى؟

إنت عينيك شايفة عينيك

والمسافة بين إيدك اليمين

والشمال

هواجس مراهقة

وحبو هلاوس عنيفة

شايفنى إنت إزاى؟

وسط أصوات

الأزرق

والبرتقالى

والأسود

دايما

إبدأ من هنا

أنا

وأنتهى زى الشموع

المرعبة

لحظة عتم

تتخيلك إيه؟

وأنت من حواليك

أشكال كتير

ووشوش

ودموع بتمشى على الحيطان

ترسم خرايط مدهشة

شفت الوحدة

شفت إزاى؟

النصل اللامع لامس ضهرك.



الكلمات المفتاحية
الشاعر طارق سعيد أحمد

الانتقال السريع

النشرة البريدية