مع كتابات.. وجدي الأهدل: غاية الروايات إحداث تغيير في وعي المجتمع

الأربعاء 27 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 

خاص: حاورته- سماح عادل

“وجدي الأهدل” هو روائي، كاتب قصة قصيرة، وكاتب مسرحي يمني. ولد في محافظة الحديدة ودرس في جامعة صنعاء. نشر خمس روايات، سبع مجموعات من القصص القصيرة، ومسرحية واحدة وسيناريو فيلم واحد. تتميز أعماله بأنها تقدم تشريحا عميقا للمجتمع، وترصد الظواهر والسلوكيات والقضايا الهامة التي تخص المجتمع وتؤثر فيه. سعي منه لنشر الوعي وإشعار القارئ بخطر الواقع أو كشف مساوئه وسلبياته.

إلى الحوار:

** في رواية “أرض المؤامرات السعيدة” حكيت عن حادثة اغتصاب شيخ قبيلة لطفلة صغيرة وإفلاته من العقاب، وزدت في المبالغة وصورت أن تتم محاكمة الفتاة ومعاقبتها، تصويرك لمآسي الواقع الفجة هل تريد من خلاله محاربة تلك المآسي وإشعار الناس ببشاعتها؟

– صحيح، هذه المبالغة مستعارة من فن الكاريكاتير، فنحن نلاحظ مثلاً أن فنان الكاريكاتير قد يرسم أنفاً بمقاييس كبيرة لشخص ما، أو يرسم بطناً منتفخة تكاد تحجب الرأس الصغير لصاحبها. وفي الرواية المذكورة تعمدتُ قلب التوقعات، فالمحكمة التي تنظر في قضية الاغتصاب، تتوصل بناءً على تقارير طبية لا غبار عليها، أن الطفلة هي التي اغتصبتْ شيخ القبيلة، ويصدر بحقها حكم بالسجن!

** رواية “قوارب جبلية” والتي انتقدت فيها الأوضاع في اليمن سببت لك مشاكل على مستوى وزارة الثقافة والمحافظين، أليس من الغريب أن تنتقد المجتمع بتلك الجرأة وأنت تعيش داخله؟

– الغاية المثلى للفن الروائي تتمثل في إحداث تغيير اجتماعي إيجابي. وسواءً شئنا أم أبينا، فإن الروايات تفعل هذا التغيير في وعي المجتمع. أحياناً يتعارض هذا التنوير الروائي مع توجهات السلطة أو تقاليد المجتمع.. والسبب هو أن الروائي يسبق زمنه بخمسين سنة أو مئة سنة، وأحياناً بضعة قرون. السواد الأعظم من العرب يحاربون بشدة حرية الفكر والجنس والمعتقد، ولكنهم في الوقت نفسه يتمنون الهجرة إلى البلدان التي تطبق مبادئ حرية الفكر والجنس والمعتقد، أليس هذا تناقضاً يدل على غباء مفرط؟! الروائي يقول لهؤلاء الأغبياء اسمحوا بهذه الحريات في بلدانكم، وحينئذٍ لن تتهافتوا على الهجرة إلى أوروبا أو أمريكا.

** رواية “بلاد بلا سماء” ترجمت للعديد من اللغات ومثلت على خشبة المسرح في بريطانيا، رصدت فيها شعور فتاة بالانزعاج من كونها تعامل كسلعة أو ملكية.. قليل من الكتاب من يهتم بتصوير دواخل المرأة وشعورها تجاه المجتمع الذي يقهرها ويستطيع تقديم رصد حقيقي لما تشعر به المرأة.. حدثنا عن ذلك؟

– حاولت أن أقارب معاناة المرأة التي تعيش في مجتمع محافظ، مع إدراكي أن هذه المقاربة لم تُلمّ سوى بالقشور. هناك طبقات عميقة من مشاعر المرأة يستحيل على الرجل الوصول إليها.. هناك الملايين من الخلجات النفسية التي تتموج في روح المرأة، ولا نعرف نحن الرجال عنها شيئاً.. مثل تكون إنسان في أحشائها وولادته وإرضاعه. ومعاملتها كمخلوق ناقص وأدنى من الرجل، هو السبب في تخلف مجتمعاتنا العربية، وتراجع القيم والأخلاق. على سبيل المثال لاحظتُ أن الرجال لديهم ميل أكثر إلى الفساد والمحسوبية في المؤسسات  الحكومية، بينما يندر أن نجد هذه الظواهر السلبية لدى النساء.. لأن المرأة لديها غريزياً شعوراً أعلى بالمسئولية.

** في رواية “بلاد بلا سماء” هل كانت النهاية الغرائبية خدمة للفانتازيا التي تحب أن تكون مكونا من مكونات أدبك أم ماذا؟

– الفانتازيا هي تعبير عن عدم فهمنا للواقع الموجود. النهاية الغامضة لبطلة الرواية (سماء) هي محاولة للبحث عن واقع أجمل، نوع من الاحتجاج على الواقع الرديء الذي فُرض عليها أن تحيا فيه. كان بإمكاني أن أجد نهاية مصطنعة للرواية، مثل أن الدكتور الجامعي عقلان هو الذي استدرجها إلى شقته، واغتصبها وقتلها ودفنها في مكان ما، ثم تأتي الشرطة وتكشف الجريمة، أو أن أضع وزر الجريمة على شخصية أخرى من شخصيات الرواية، ولكن في هذه الحالة ستغدو الرواية مجرد رواية بوليسية من الدرجة الثانية.. الذي أردته هو القول إن اختفاء (سماء) وغموض مصيرها، هو جريمة جماعية، ساهم المجتمع بكامله في وقوعها.

** في مجموعة “التعبئة” تناولت عدد من الديكتاتوريين، هل الأدب بالنسبة لك نضالا نوعا ما، سعي لنشر الوعي وإشعار القارئ بخطر الواقع أو كشف مساوئه وسلبياته؟

– هذا صحيح إلى حد بعيد. الأدب هو نضال ضد الرداءة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبالطبع ضد الذوق الرديء أيضاً. في المجموعة القصصية “التعبئة” اخترت 12 دكتاتوراً، كل واحد منهم يمثل جانباً معيناً من مساوئ أي حكم دكتاتوري في العالم. يمكن أن يساهم الأدب في توعية المواطنين بأساليب الطغاة وكشف مناوراتهم، وتزويدهم بمرجعية للسخرية منهم.

** ما تقييمك لحال الثقافة في اليمن بعد حرب وصراعات؟

– الثقافة في اليمن هي المتضرر الأكبر من الحرب. الدوريات الثقافية توقفتْ عن الصدور، وبسبب الحصار المفروض على اليمن منذ أبريل 2015 لم تعد الصحف والمجلات والكتب تصل إلينا، فنحن نعيش في عزلة ثقافية محزنة. و90% من المكتبات إما أفلستْ، أو اضطرتْ إلى تغيير نشاطها. والـ 10% من المكتبات المتبقية تعرض كتباً قديمة ونسخاً مزورة. في مقابل ذلك، هناك ازدهار غير مسبوق لتعاطي القات، وتضخم أرباح هذه التجارة، فالناس لم تعد لديهم بدائل أخرى، ومضغ القات يمنحهم نوعاً من النشوة المؤقتة، التي تساعدهم على احتمال العيش في واقع ينعدم فيه الأمل.

** في رأيك هل أزمات الشرق الأوسط والصراعات السياسية والاقتصادية التي تأججت في العقود الأخيرة يمكن أن يكون من نتائجها أدبا خالدا ومميزا؟

– بالعكس، الاضطرابات السياسية العنيفة تعرقل ظهور الأعمال الفنية والأدبية عالية المستوى. التطور الثقافي يحتاج بيئة مستقرة. على سبيل المثال ساهم الموقع الجغرافي المعزول للجزر البريطانية في النهضة الصناعية التي عمت لاحقاً العالم كله. ينطبق الأمر نفسه على الولايات المتحدة الأمريكية التي نجت بفضل موقعها الجغرافي النائي من حربين عالميتين، ولم تتعرض للغزو أو الاحتلال، مما ساعدها على احتضان دفعات من العلماء والمفكرين والمخترعين والمبدعين الباحثين عن ملاذ آمن من جميع أنحاء العالم. وهذه الصفوة من خيرة العقول البشرية، هي التي أعطت لأمريكا كل أسباب التطور التكنولوجي والتفوق الثقافي، لتصبح أقوى دولة في العالم.

** لما لم تهاجر من اليمن رغم هجرة الكثيرين؟

– من المهم بالنسبة لي أن أكون قريباً من المجتمع الذي أكتب عنه. يساورني اعتقاد بأن كتابتي ستكون مختلفة إذا هاجرت، وستعكس قضايا ومشاكل المجتمع الآخر.

** ترجمت أعمالك إلى لغات عدة، لكن لم تحقق لك الكتابة وفرة مادية كما يحدث للكاتب في الغرب. لما في رأيك يعاني الكاتب في الشرق من نهب جهوده الأدبية ولا تعود عليه بالنفع؟

– أول سبب هو أن الدول العربية لا تحترم قوانين الملكية الفكرية. تنتشر النسخ الورقية المزورة والنسخ الالكترونية المجانية، والمتضرر من هذا التزوير والتحميل المجاني للكتب هو المؤلف العربي، سواءً كان يكتب في الأدب أو الفكر أو التاريخ أو السياسة أو العلوم. صحيح أن هذا مفيد للقراء، ولكنه يوجه ضربة قاضية للمؤلف العربي الذي يشتغل في المجال الثقافي، ويؤدي إلى توقف هؤلاء المؤلفين عن الكتابة، وعن متابعة العمل على مشروعهم الثقافي. ليس معقولاً أن يبدد المؤلف وقته وراء جهد لا طائل من ورائه، بينما هو مطالب بتدبير لقمة عيشه، وأن يوفر لعائلته حياة كريمة.

** هل الكتابة بالنسبة لك مغامرة.. خاصة وأنك كتبت في عدة أنواع من قصة قصيرة إلى رواية إلى مسرح إلى سيناريو؟

– نعم، الكتابة مغامرة ممتعة، والمؤلف يشعر بالسعادة عندما يصل عمله إلى الناس. لذلك أسعى إلى الكتابة في عدة مجالات إبداعية، وهذا التنويع يكسر رتابة الكتابة في نوع كتابي محدد.

** هل تفكر في قارئ ما حين تكتب، فئة معينة من القراء وكيف ستستقبل ما تكتب أم لا؟

– أعتقد أنني لا أفعل ذلك. ولكن يبدو أن في الخلفية يربض ذلك القارئ النموذجي الذي أتوجه إليه بكتاباتي. في بداياتي الأدبية حيرتني هذه المسألة: هل أكتب للسواد الأعظم من الناس أو للنخبة المثقفة؟ لاحقاً حسمتُ خياراتي في الكتابة بأن تكون موجهة للقراء الجامعيين، ومن هم في مستواهم. وهكذا لن تكون كتاباتي نخبوية يقتصر فهمها على نخبة مغلقة من المثقفين، وأيضاً لن تكون مفرطة في التبسيط لتكسب قاعدة أعرض من خلال القراء الذين لم يكملوا تعليمهم.. لقد حاولت البحث عن الوسط الذهبي بين النخبوي والشعبي.

** ما تقييمك لحال النقد في الوقت الحالي وهل يواكب غزارة الإنتاج، وهل أنصفك النقد؟

– بسبب التمويل الشحيح للأبحاث والدراسات في الدول العربية، وفي الجامعات بصفة خاصة، فإن الحركة النقدية بمجملها ضعيفة. أيّ بحث نقدي منهجي يحتاج إلى توفر قدر معين من المال. يمكن للدول العربية أن تنفق بسخاء على شراء السلاح، ولكن إنفاق المال على الأبحاث والدراسات يبدو بالنسبة لهم ضرباً من العبث بالمال العام! بالنسبة لي حظيتْ أعمالي بدراسات عديدة، ربما أكثر من زملاء يكتبون أعمالاً روائية أفضل مني، لكن الصورة العامة هي أن هناك انعداماً للتوازن عند الطرفين، المنقود والناقد، لأن الأول يعاني من سلبه حقوقه المادية، والثاني يعاني من اضطراره إلى الاعتماد على التمويل الذاتي لمتابعة مشروعه النقدي والفكري.



الكلمات المفتاحية
"وجدي الأهدل" الأدب اليمني

الانتقال السريع

النشرة البريدية