مع كتابات.. نوزت شمدين: أحاول في الأدب إعادة إعمار ما دمرته الحروب في بلدي

     

    خاص: حاورته- سماح عادل

    “نوزت سالم خليل شمدين آغا” كاتب عراقي، يكتب باسم “نوزت شمدين”. ولد في منطقة الفيصلية بمدينة الموصل في الأول آب من عام ١٩٧٣، أكمل فيها دراسته الأولية، وحصل على شهادة البكالوريوس في القانون من كلية الحدباء الجامعة في دورتها الأولى. عمل في نطاق المحاماة ثمان سنوات قبل أن يتركها ويتفرغ على نحو كامل للصحافة.

    كتب الشعر في بدء مشواره، ثم انتقل إلى عالم القصة القصيرة، فكتب ونشر العديد منها في العراق وخارجه، وشارك في إصدارين من كتاب (قصص من نينوى)، وحصل على جوائز تقديرية، لتأتي سنة 2002 ويصدر روايته الحقيقية (نصف قمر) التي مثلت انطلاقته الحقيقية.

    رحل ككاتب ضيف إلى مملكة النرويج، وتعد رواية “مستر نوركَه” الرواية الخامسة للكاتب “نوزت شمدين”، إذ صدرت له (نصف قمر) عن دار الشؤون الثقافية العامة بغداد 2002 و(سقوط سرداب) عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت 2015 وعن ذات الدار (شظايا فيروز)2017، و(ديسفيرال) عن دار سطور للنشر والتوزيع بغداد 2019.

    كان لنا معه هذا الحوار الشيق:

    ** في رواية “مستر نوركا” هناك شغف كبير بالكاتب المسرحي “هنريك إبسن” واستشهاد ببعض ما كتب.. هل يعكس هذا شغف خاص منك تجاه “هنريك إبسن”؟

    – خلال فترة المراهقة، أصبتُ بجنون القراءة، وعملياً كنتُ أقرأ كل ما يقع بين يدي تقريباً في المكتبة المركزية العامة بمدينة الموصل والتي كانت أبوابها تظل مفتوحة لغاية المساء. وقراءاتي لم تنحصر بالكتب بسيطة الفهم لصغير مثلي وقتها، بل شملت الأعمال الأدبية المتخمة بالفلسفة وتلك التي تناقش مختلف القضايا الإنسانية المعقدة من بينها مسرحيات “بيت الدمية” و”البطة البرية” و”عدو الشعب”- ل”هنريك إبسن”. وهذه الأخيرة تحديداً أشبعتها قراءة في مراحل عمرية مختلفة وفي كل مرة كنت أكتشف فيها شيئاً جديداً.

    بعدها بسنوات طويلة، كان علي تحمل خسارة مغادرة العراق والاستقرار في النرويج ككاتب ضيف, والمفارقة أن المدينة التي استضافتني وأسمها –  Skien – وبالعربية تقرأ –  شين – كانت هي ذاتها التي ولد فيها “إبسن” في 1825، وعاش فيها طفولته قبل أن يغادرها وهو في الخامسة عشر من العمر ولم يعد إليها مطلقاً. لكن مع ذلك، نجد أن أسمه قد أطلق على مسرح المدينة الكبير والبيت الثقافي فيها وشارعٍ رئيسي وصوره وتماثيله منتشرة في عموم المدينة وفيها أيضاً متحفُ خاص به.

    يوم 6 آذار 2014، عندما أوصلتنا الموظفة الحكومية أنا وأفراد عائلتي من مطار “كردمون” في أوسلو إلى بيتنا في مدينتنا الجديدة، ركنت السيارة قرب تمثال ضخم في مركز المدينة، أشارت إليه بيدها وسألتني بالإنكليزية إن كنت أعرفه، ترجلت وأنا أترنح بفعل دوار المهجر، قرأت الاسم المحفور في قاعدة التمثال ثم قلت متمتماً “إنه هو، صاحب عدو الشعب!”.

    بالنسبة للاقتباسات التي وردت في “مستر نوركًه” من أعمال “إبسن” المسرحية، فهذا ما فرضته عليّ الشخصية الرئيسية (نافع) الذي يؤمن في شبابه أنه يحمل جينات “إبسن”، وأنه جده الأكبر، فيقرأ كل شيء يجده عنه، ويرتدي ثيابا كالتي ارتداها مع نظارة طبية بعدستين صغيرتين وشعر طويل مدفوع للوراء ولحية كثة مع ذقن وشارب حليقين وحذاءٍ بكعب عال، ليتحول إلى نسخة عراقية من “إبسن”، وأصبح في مرحلة متقدمة من عمره يعتقد بأنه هو “إبسن”، أي أن روحه قد حلت فيه وهكذا أخذ أهالي بغداد يلقبونه “مستر نوركَه” أي سيد نرويج، لفرط ما كان يرد على لسانه أسم هذا البلد الذي يقضي جل عمره حالماً ومحاولاً السفر إليه لكن دون جدوى.

    الأيمان ب”إبسن” هنا، يحاكي إيمان المتدينين, ففي مجتمعاتنا، قلما يدور حوار لا يستشهد فيه أطرافه بآية من القرآن أو حديث نبوي للتأكيد أو دعم حجة ما. هكذا هي ثقاقتنا، وما فعلته أنني عكست ذلك بنحو آخر في شخصية “مستر نوركَه” الذي يتبنى آراء “إبسن” وتصبح نهج حياة بالنسبة إليه.

    ** في رواية “مستر نوركه” هناك عالمان العراق الذي تدور فيه الصراعات والحروب والنرويج التي تطورت وتخلصت من الأمراض الاجتماعية، يعيش فيها الإنسان حياة تتمتع بالشروط الإنسانية، لما فكرت في رصد هذين العالمين وأن تدور الرواية في العراق؟.

    – العمل بمجمله قائم على فكرة أساسية وهي “محاولة إيجاد مساحة يمكن لنا أن نعيش فيها جميعاً بسلام، بعيداً عن كل ما يفرقنا كشعوب وأمم، كالدين والعادات واللغة وغيرها”. وهنالك أسئلة كثيرة تطرح، منها على سبيل المثال” هنالك نحو 5300 كيلومتر تفصل أوسلو عن بغداد، فيا ترى ما هي الأشياء التي تجعل مواطنين من المدينتين/ البلدين، قادرين على التواصل والتفاعل فيما بينهم.

    وسؤال آخر يتعلق بالوطن “هل هو المكان الذي نولد فيه ويلتصق بنا اسمه إلى الأبد، أم هو المكان الذي نعيش فيه؟ هل يمكن أن يكون للمرء أوطان عدة” وغيرها من الأسئلة التي تراود أذهان المغتربين وأبناء المجتمعات المستضيفة بنحو عام.

    الغريب، أنني وجدت تشابهاً في نواحٍ عدة بين العراق والنرويج، فكلاهما كان تحت سيطرة طويلة الأمد لدولة أخرى، الأول (الدولة العثمانية) والثاني (الدنمارك)، وما أن تخلصا من تلك الحقبتين الطويلتين، حتى دخلا ضمن سيطرة دولتين أخرىين الأولى (بريطانيا) والثانية (السويد). كما أن البلدين لم يتخلصا من الفقر إلا بعد ثورتين نفطيتين حدثتا فيهما. لكن العراق دخل منعطف الانقلابات والحروب والحصارات والاحتلالات والأمن الموتور والفساد المستمرين، ومملكة النرويج تنعمت بالسلام ودفئ العالم المتحضر على الرغم من البرودة القارسة فيها !.

    ** لما لم تفكر في الكتابة عن النرويج من خلال رؤية مهاجر عراقي يعيش فيها؟

    – من خلال قراءاتي للأعمال الأدبية لكتاب المهجر بلسان عربي، وجدت أن غالبيتهم العظمى، مالوا بنحو أو بآخر للمجتمعات التي استضافتهم على حساب التي أتوا منها، وأهالوا بسياط النقد على ماضيهم وحيواتهم السابقة، ولطالما شعرت بأنهم وقفوا بإذلال أمام المجتمعات الجديدة وهم على عتبة الاندماج فيها وكثير جداً منهم لم ينجحوا في ذلك على الرغم من أعمار اغترابهم الطويلة.

    لذا، فإن “مستر نوركَه” تجاوزت مرحلة الانبهار بالمجتمع المستضيف والشعور بالنقص إزاء الفوارق الحضارية بين البلدين، وناقشت القضايا بندية. وعلى العكس، ف”مستر نوركًة” وعلى امتداد زمن الرواية  هو مهاجر نرويجي (مفترض) يعيش في العراق وليس العكس.

    كما أنني قادم من بلد قامت فيه حضارات متعددة، كانت أساساً للعالم القائم اليوم، فمن العراق خرج أول حرف ودارت أول عجلة ووضع فيه أول نص قانون، لم يأتي بي الجوع إلى النرويج، بل الحاجة إلى مساحة أمن بسبب وقوع بلدي ضحية لحماقات نظام دكتاتوريي حربيٍ زال باحتلال دمر البلاد، ونظام لاحق رجالاته كتاكيت سلطة ساروا بقطار البلد على سكتي الطائفية والقومية فكانت النتيجة فساداً ودمارا وتراجعاً في كل شيء تقريباً.

    هذا محور رئيسي في العمل، تعرِيف الجيل الثاني والثالث من العراقيين في النرويج بحضارة البلد الذي ينحدرون منه، ولإطلاع النرويجي أيضاً عليها، وكذلك نقل صورة عن المجتمع النرويجي والاسكندنافي عموما إلى القارئ والمتلقي العربي وسواه.

    ** رصدت الرواية البطل “نافع” المصاب بشيزوفرينيا و”فاضل” أيضا وواقع الأمراض النفسية التي تنتشر في وسط اجتماعي بائس. ما نسبة اقتراب تلك الشخصيات من الواقع العراقي؟

    – فاضل شخصية حقيقية، كان يعمل مناولاً للكتب في الدوام المسائي بالمكتبة المركزية العامة بمدينة الموصل مطلع تسعينيات القرن المنصرم، كنا نظل أحياناً بمفردنا، هو مع عوالمه وحديثه غير المنتهي مع أشباحه وأنا مع الكتب التي أقرأها بنهم.

    المتعايشون مع العاهات بمختلف أشكالها، أشخاص مذهلون حقاً، نظراً لما يمتلكونه من طاقة وإرادة تحت جلودهم يواصلون بها الحياة. وقد أبحرت في عوالمهم بأعمالي الروائية. ففي روايتي “نصف قمر” 2002, هنالك “عادل الأعمى” ونضاله من أجل الوصول إلى النور. وفي رواية “شظايا فيروز” 2017، نجد “الحاج بومة” المصاب بمرض نفسي يجعله مدمناً على تتبع أخبار الموت وتسجيل أسماء الموتى على مدى ستين عام.

    و”جابر” في رواية “ديسفيرال”، جسمه غير قادر على إنتاج الدم، فيعيش عل دماء الآخرين الذين يتبرعون بها له مرة واحدة شهرياً، مع إبرة حقنة دواء الدسفيرال التي تزرق بجلد بطنه وتمكث هناك لنحو 12 ساعة كل يوم.

    هذه الشخصيات، تعيش في مجتمعاتنا على الهامش، أصحابها غير مرئيين تقريباً ويموتون بصمت. ما أفعله أنني أحاول لفت الأنظار إليهم وأقول للناس الأصحاء بأن تقديم يد العون إليهم لا يدخل من باب فعل الخير الطوعي وحصد الحسنات كما هو شائع، بل هو واجب ينبغي أن نلزم أنفسنا بها ما دامت الجهات الرسمية المعنية خارج التغطية الإنسانية.

    ** حكت الرواية عن المجاعة والتي بسببها تحولت إحدى السيدات وزوجها إلى قتل الأطفال والتهام لحومهم هل هذه حكاية حقيقية؟

    – نعم هي كذلك، وقعت بمدينة الموصل (405 كم شمالي بغداد) في نهاية العهد العثماني بين 1916-1917 . تشبه قصتهما في بعض جوانبها قصة المصريتين (ريا وسكينة).  زوجان (عبود وخجاوة) قيل أنهما قتلا الكثير من الأطفال وطبخا لحومهم وباعاها للناس، تم إعدامهما وسط مدينة الموصل. لكن بطبيعة الحال، تفاصيل النسخة التي وظفتها في الرواية من وحي الخيال.

    ** تحكي الرواية عن الأمراض الاجتماعية التي امتلأت بها النرويج في الوقت الذي عاش فيه “هنريك إبسن” ودوره في كشف تلك الأمراض ومحاولة معالجتها، وكان رأي الراوي أن إصلاح الفرد يساهم في إصلاح المجتمع. لكن هل الحل فقط في صلاح الأفراد أم في تغيير سياسيات المجتمع وظروفه والاستعمار الذي مازال يتلاعب ببعض الدول؟

    – إيماني مطلقٌ، بأن الفرد أساس صلاح وفساد أي مجتمع. وسبب تراجعنا عن ركب العالم، هو وهمنا الجمعي بأن الخلاص يكمن فقط بتغيير الأنظمة. ولذلك فنحن نستبدل على الدوام، دكتاتوراً بآخر يشبهه، نظاماً مترنحاً بآخر يكون أسوء منه في العادة. ما قام به “هنريك إبسن” هو رصده للأمراض في المجتمع وحاول إيجاد الحلول لها. نقل الواقع وعرضه على خشبة المسرح.

    فما كان يعاني منه المجتمع النرويجي قبل نحو قرنين، يعاني منه حالياً المجتمع العراقي والكثير من المجتمعات الأخرى في الشرق، كالنفاق وتعدد وجوه الفرد وتفضيل المصلحة الشخصية على مصلحة الوطن، الطبقية وعدم وجود عدالة اجتماعية وغيرها من الإشكالات. نحن بحاجة إلى أمثال “إبسن”، لكي نتعافى، نحتاج إلى مفكرين ومفكرات ينتشلوننا من كبوتنا.

    ** في رأيك لما استطاعت الدول الأوربية النهوض والتحرر وتحقيق الرفاهية بعد حربين عالميتين بينما دول الشرق الأوسط ومنهم العراق مازال يرزح تحت ظروف قاهرة وقاسية ولا إنسانية؟

    – قد يكون مزعجاً للبعض ما سأكرر قوله، لكن هذه هي الحقيقة، القومية ومن ثم الطائفية هما سببان رئيسين للخراب في وطني. كما أن تلك الدول منحت وبنحو حقيقي السلطة للمواطن، فأصبح هو الحاكم. أما نحن فما زلنا غارقين في وهم القائد المخلص، ولا نقوى على العيش دون عصا فوق رؤوسنا، دون دكتاتور ينظم لنا شؤوننا في المنزل والمدرسة ومحل العمل، يقبض علينا ما أن نغادر أرحام أمهاتنا، ولا يتركنا إلا ونحن في قبورنا.

    نحن قوم عاجزون وعالقون في الماضي، ننتظر ونحن جالسين في أماكننا معجزة ما تحدث لتتغير أوضعنا نحو الأحسن. وأسوأ ما فعلته الحروب وتداعياتها، أنها قتلت الوطن في النفوس، حتى أصبح بالنسبة للكثيرين مجرد أبنية وشوارع لا غير.

    ** هل تشعر بالحنين إلى الوطن وتحاول التعبير عنه في أعمالك؟

    – ليس سهلاً أن أشطب أربعين سنة من عمري قضيتها في العراق، هنالك ملايينٌ من الذكريات وآلافٌ من الوجوه التي لا تغادرني، ربما أكون قد رحلت بجسدي، لكن روحي هائمة هناك، تدور في أزقة وشوارع مدينتي التي هجرتها قسراً وصارت العودة إليها حلماً بعيد المنال. أحاول في اشتغالي الأدبي إعادة إعمار ما دمرته الحروب في بلدي وأسد بالكلمات تلك الفجوات الكبيرة في حياتي، ففي كل واحدة من شخصيات رواياتي شيءٌ مني يريد أن يقول أو يفعل ما لم أستطعه، وهذه هي متعة الأدب وسحره.

    ** كيف هو تفاعلك الثقافي في النرويج؟

    –  أحرص عل التواصل مع الوسط الأدبي والثقافي بنحو عام وتنظم لي جلسات استضافة بنحو شبه دوري في مختلف المدن النرويجية، تعلمي للغة رفع الكثير من الحواجز والعوائق أمامي ومن أهمها قراءة ما يتعلق بتأريخ المكان، لأن الإطلاع عليه وفهمه يسهل كثيراً من فهمي لواقع المجتمع والاندماج فيه لأكون فردا نافعاً وليس مجرد ضيف ثقيل.

    ** هل تسعى لترجمة أعمالك لتنتشر في البلد الذي تعيش فيه؟

    – هذه واحدة من أهم المشاكل التي أعانيها هنا، فلا يوجد مترجمون جيدون من العربية إلى النرويجية، قرأت عددا من الأعمال التي يفترض أن ترجمها مترجمون من الخط الأول، لكنها كانت مخيبة للآمال وأساءت بنحو أو آخر للنسخ الأصلية من تلك الأعمال. لذلك أتعامل بحذر شديد في هذه المسألة، لأن الترجمة السيئة ستعطي تصوراً خاطئاً للمتلقي باللغة الأخرى، سيعتقد بأن العمل سيء وليست الترجمة.

    لذلك فهمي الأكبر أن أترجم أعمالي إلى الانكليزية، لأن المتحدثين بها أكبر بكثير من المتحدثين بالنرويجية، كما أن النرويجيين يتقنونها وهم بارعون في الترجمة منها. وقد حصلت مؤخراً على منحة من حكومة مدينة شين، لترجمة رواية “مستر نوركًه”، وأنا في طور الاتفاق مع مترجم انكليزي وقد تكون يتم الأمر خلال العام الجاري.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا